أقلام وأراء

سعد الدين إبراهيم – لا تتعجلوا كتابة شهادة وفاة الإسلام السياسي

سعد الدين إبراهيم 2022-01-23

تلقت أحزاب وتنظيمات الإسلام السياسي عدة هزائم مُدوية في السنوات الثلاث الأخيرة (2018 – 2021)، في عدة بُلدان عربية وإسلامية، خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وكان آخر تلك الهزائم في انتخابات المغرب، وتونس، والجزائر، والعراق.
ومغزى تلك الهزائم هو أنها حدثت من خلال رفض شعبي متزايد، وليس من خلال إجراءات أمنية حكومية، قامت بها أجهزة الدولة في تلك البُلدان الأربعة، التي امتدت من العراق شرقاً إلى المغرب على سواحل الأطلنطي، أي بامتداد الوطن العربي كله.
وسيجتهد المراقبون المحليون من أبناء تلك البُلدان، وكذلك الباحثون في الشأن العربي والإسلامي في الخارج لتفسير هذا التراجع.
ولا شك بأن أحد الأسباب هو انتهاء مفعول خطاب المظلومية، الذي طالما ردّده الإخوان المسلمون، وكل المنظمات التي خرجت من عباءتهم، فقد وصلوا إلى السُلطة في مصر، وفي عدة بُلدان عربية وإسلامية أخرى.
ولم يكن أداؤهم باستعادة الفردوس المفقود فعالاً أو صادقاً، فحقيقة الأمر التاريخي هي أن المسلمين، في كل أقطارهم، لم يروا أي فردوس.
أقصى ما هنئوا به كان حُكماً عادلاً، في عهد النبوة المحمدية والخلفاء الراشدين في القرن الأول الهجري، وفي عهد واحد فقط من الأمويين، وهو الخليفة عمر بن عبد العزيز.
ومع ذلك فقد بالغ بعض المُفكرين والدُعاة المسلمين في ترديد أن سبب امتهان المسلمين وتخلفهم هو تخليهم عن الشريعة والحُكم بما أنزل الله، سبحانه وتعالى، وهو الخطاب الذي صدّقه كثير من المُعذَّبين والمحرومين في بُلدان أغلبها من المسلمين.
فحقيقة الأمر هي أن البُلدان ذات الأغلبية المسلمة، شأنها شأن كل مجتمعات العالم ازدهرت أو تخلفت، لا بسبب ديانتها، ولكن بسبب عدالة حُكامها، ومشروعاتهم الطموحة، أو بسبب غياب هذين العاملين – أي عدالة نظام الحُكم ورؤية القيادات.
ومع ذلك ستظل مصر وغيرها من البُلدان ذات الأغلبية من المسلمين تشهد بين الحين والآخر مَن يُلوّحون بورقة الدين والشريعة الإسلامية، كمنهج أوحد للعدالة والتقدم والرخاء. وستوجد دائماً نسبة من أبناء المجتمع تُصدقهم، وترتفع تلك النسبة عادة إذا تعثرت الحكومات القائمة، أو إذا اشتد البؤس والشقاء بين الناس.
ومنذ نهاية النبوة المحمدية والخلفاء الراشدين، تتكرر دورياً دعوات الإحياء الديني، من قبيل ما كانت جماعة الإخوان المسلمين تُردده بشعار «الإسلام هو الحل»، إلى أن يتعثروا أو يفشلوا، فتنْفَضّ الأغلبية من حولهم.
ولكن مع ذلك لا ينبغى التهوين من قوة استخدام الدين في السياسة، فالذاكرة الجمعية للشعوب يمكن أن يُصيبها النسيان، ويمكن للحكومات المدنية أن تتعثر إن آجلاً أو عاجلًا. وبالتالي يعود الإخوان أو السلفيون إلى مقدمة المشهد.
وخُلاصة القول هي أنه يمكن إقصاء الإخوان من السُلطة، أو حتى حصارهم، ولكن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إبادتهم، فهم موجودون منذ سقوط خلافة سلاطين آل عثمان، على يد مصطفى كمال أتاتورك، العام 1926، فلم تمضِ سنتان إلا وقد تكونت حركة وجماعة الإخوان المسلمين، على يد حسن البنا العام 1928.
ورغم كبوات الجماعة في مصر خلال السبعين عاماً التالية، فإن أفرادها لم يختفوا إلى أن سنحت لهم الفرصة، مُمثلة في انتخاب د. محمد مرسي رئيساً لمصر.
ورغم وعده أنه والجماعة سيأتون والخير معهم، فإن المصريين سرعان ما اكتشفوا زيف وعودهم من ناحية، والتخطيط للبقاء في السُلطة مائة عام، من ناحية أخرى!، فانتفض الشعب والجيش عليهم، وأقصوهم من السُلطة، العام 2013.
ولكن ذلك لا يعنى وفاة جماعة الإخوان المسلمين أو نهايتها، فأفرادها كامنون، نشطون في الخارج – من اسطنبول إلى لندن، إلى كاليفورنيا إلى كوالالمبور، فلهم فروع في ست وستين دولة حول العالم.
ولذلك من حُسن النية أو السذاجة أن نتعجل في كتابة شهادة وفاة الجماعة، ولكن الأفضل والأمثل هو الاستمرار في جرعات التوعية المُضادة للفكر الزائف، بتجديد الفكر الديني، لكي يتواءم مع متطلبات وتحديات القرن الحادي والعشرين.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى