ساركوزي ضد ساركوزي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ساركوزي ضد ساركوزي

0 147

Philip Gourevitch – The New Yorker

نقلا عن الجريدة & 28/4/2012

 بالنسبة إلى بعض الناخبين الفرنسيين، تبدو الخيارات المطروحة أمامهم هذه السنة مخيبة للآمال لدرجة أنهم يشعرون بأن فرنسا ستكون الخاسرة الكبرى بغض النظر عن هوية الفائز، لكن يوم الأحد، كانت نسبة المشاركة في التصويت أعلى من المتوقع وكانت أوروبا الخاسرة الكبرى على ما يبدو.

تعرض الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لهزيمة موجعة عشية يوم الأحد، ويسعى ساركوزي إلى إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية. في الجولة الأولى من التصويت، حل في المركز الثاني بعد مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي كان الأوفر حظاً في هذا الاستحقاق، ومن المتوقع أن يتفوق عليه أيضاً عندما يتواجه الرجلان في الجولة الأخيرة بعد أسبوعين تقريباً. لم يسبق أن شهدت الجمهورية الفرنسية الخامسة هزيمة الرئيس المنتهية ولايته والمقيم في قصر الإليزيه في الجولة الأولى (إنها الفكرة التي ركزت عليها القنوات الفرنسية بشكل متكرر أثناء احتساب عدد الأصوات). من المعروف أن الفرنسيين سئموا من ساركوزي، ولكنهم لا يحبون هولاند أيضاً بل إنه يحظى بدعمهم لمجرد أنه المرشح الذي يقف في وجه ساركوزي. بالنسبة إلى بعض الناخبين الفرنسيين، تبدو الخيارات المطروحة أمامهم هذه السنة مخيبة للآمال لدرجة أنهم يشعرون بأن فرنسا ستكون الخاسرة الكبرى بغض النظر عن هوية الفائز. لكن يوم الأحد، كانت نسبة المشاركة في التصويت أعلى من المتوقع وكانت أوروبا الخاسرة الكبرى على ما يبدو.

حصد هولاند وساركوزي معاً حوالي 55% من الأصوات. أما النسبة المتبقية فتوزعت على سبعة مرشحين آخرين، أبرزهم مارين لوبان من الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة (18.2%) وجان لوك ميلينشون من حزب اليسار المتطرف (11.1%). تُعتبر لوبان وريثة النزعة الفاشية الفرنسية بينما يُعتبر ميلينشون آخر رواسب الشيوعية الفرنسية. لكن تتضح في هذا المجال صحة مقولة “الأضداد تلتقي”: من المعروف أن هذين المرشحين يعارضان ظاهرة العولمة ويدعوان إلى تطبيق السياسات الحمائية التي تصل إلى حد رفض التكامل الأوروبي والاتحاد الأوروبي ككل. تؤيد لوبان انسحاب فرنسا من منطقة اليورو ومن الاتحاد الأوروبي ويدعم ميلينشون السياسات التي تشترط هذا الانسحاب أيضاً. غالباً ما يُعتبر التصويت لمصلحة اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف في فرنسا شكلاً من أشكال الاحتجاج. لكن في هذه الانتخابات، كان التصويت لهولاند لفتة احتجاجية أيضاً. صحيح أن هولاند يدعم ويدافع عن الاتحاد الأوروبي وانتساب فرنسا إليه، إلا أنه كان يدعو في الأساس إلى تغيير الطريقة التي يتعامل فيها الاتحاد الأوروبي مع الأزمة المالية المتفاقمة- كما أنه يدعو الآن إلى تجديد التفاوض حول تلك الطريقة بشكلٍ قد يضع فرنسا في مواجهة مع ألمانيا وقد يُضعف موقعها كزعيمة للقارة الأوروبية.

من المعروف أن الاتحاد الأوروبي هو في جوهره كيان معادٍ للديمقراطية. للانتساب إليه، يجب أن تتنازل الحكومات عن معظم سيادتها (في ما يخص السياسة الاقتصادية وضبط الحدود تحديداً) لدرجة أن رغبة الناخبين تفقد كل أهميتها: إذا كانت إرادة الناخبين تتعارض مع سياسة الاتحاد الأوروبي، فلا خيار آخر أمامهم. هذا الوضع هو مصدر استياء دائم بالنسبة إلى المواطنين الفرنسيين. عندما كتبتُ ملفاً عن ساركوزي في السنة الماضية، استنتجتُ أن هذا الأمر يزعج الرؤساء الفرنسيين أيضاً لأنهم كانوا يتمتعون تقليدياً بسلطة مطلقة تشبه سلطة الأنظمة الملكية. لكن مهما كانت أعباء أوروبا ثقيلة على الفرنسيين، سيشعر هذا البلد بضعف أكبر إذا اضطر إلى التقوقع على نفسه مجدداً ليصبح كأي بلد آخر في أوروبا.

يفتقر هولاند إلى الخبرة الكافية كرجل دولة على الساحة العالمية (لم يسبق أن تولى أي منصب حكومي أعلى من رئيس بلدية)، كما أنه لم يُظهر حماسه تجاه قرار ساركوزي بإعادة فرنسا إلى قيادة حلف الأطلسي المشتركة بعد غيابها عن ذلك المنصب لمدة نصف قرن تقريباً. لا شك أن رؤيته عن فرنسا لا تزال رجعية: هو يطرح نفسه كرجل جديد يريد إطلاق حقبة جديدة ولكنه يبقى الرجل الثاني بعد الرئيس الاشتراكي الأخير فرانسوا ميتيران الذي تولى الرئاسة قبل ربع قرن. هو يرفض سياسة التقشف المالي المتشددة التي أوصى بها الاتحاد الأوروبي بزعامة ألمانيا لمعالجة المصاعب الاقتصادية الراهنة في أوروبا ويبث مشاعر الحنين للماضي المزدهر من دون الكشف عن الطريقة التي يمكن أن تعتمدها فرنسا الآن لاسترجاع أيام المجد.

في المقابل، أمضى ساركوزي معظم حملته الانتخابية وهو يحاول استمالة الناخبين المؤيدين لمارين لوبان، فاعتمد خطاباً مشيناً ومعادياً لتوافد المهاجرين وادعى أنه يشكك بمنطقة اليورو، ومن المتوقع أن يركز الآن على كسب تأييد هؤلاء الناخبين لأنه لن يستطيع الفوز في الجولة الثانية من دون دعمهم على ما يبدو. دعا ميلينشون مناصريه إلى التصويت لهولاند، لكن لا يزال قرار ناخبو لوبان مبهماً. من المتوقع أن يدعم عدد كبير منهم هولاند ولن تمنعهم لوبان من فعل ذلك. هي تأمل أن ينقلب حزب اليمين المعتدل على ساركوزي، ما يسمح لها بإثبات نفسها وإنشاء تحالف يميني جديد على طريقتها الخاصة. قد تتحقق أمنيتها فعلاً بما أن المعسكر المعادي للعولمة والاتحاد الأوروبي يزداد نفوذاً.

على الرغم من جميع النقاط المشينة في سياسة ساركوزي وأسلوبه، فإنه يبقى الزعيم الوحيد الذي يؤيد التعاون الدولي وقد يكون أفضل أمل بالنسبة إلى فرنسا وأوروبا (والولايات المتحدة أيضاً) للابتعاد عن أزمة منطقة اليورو المستمرة بأقل ضرر ممكن. لا شك أن فشله ينجم أساساً عن شخصيته ولكن هذا الوضع لا يقتصر على الفشل الشخصي.

ها هو يهاجم الآن من يهاجمونه! بعد صدور نتائج الجولة الأولى يوم الأحد، وصف الاشتراكيين بالدجالين وسخر من برنامج هولاند قائلاً: “لا تفكروا بالديون، فما من ديون على الإطلاق! لا تفكروا بأوروبا، فلا وجود لأوروبا أصلاً! أما بالنسبة إلى الصينيين، فلا تفكروا فيهم لأنني وصلتُ لأحل المشكلة الآن!”. ثم أعلن ساركوزي: “لن أقبل الدروس الأخلاقية من الآخرين، وتحديداً اليساريين الذين أرادوا وصول ستراوس كان إلى قصر الإليزيه”.

مع ذلك، قال ساركوزي إنه فهم رسالة الناخبين الذين أرادوا التعبير عن وجعهم وإيصال صوتهم وأكد أنه سمع صوتهم فعلاً. ولكنه حذر من أن سياسة خصومه قد تُرجع البلد إلى المسار المأساوي الذي ساد خلال الثلاثينيات. ثم أضاف قائلاً: “أريد أن أخاطب عامة الشعب، والناس العاديين البعيدين عن المناصب العليا، والسكان الريفيين الذين لا يريدون الموت، والعمال الذين لا يريدون أن يكسب أشخاص لا يعملون مبالغ أكثر منهم، وأصحاب المعاشات القليلة”.

يبدو كلامه هذا وكأنه ينافس نفسه ويخوض حملة ضد حملته الخاصة. لكن حتى لو حقق انتصاراً مفاجئاً على هولاند في الأسبوعين المقبلين، لا شك أن ولاية ساركوزي الأولى هي التي أدت إلى موجة الاستياء الراهنة في فرنسا وعززت فرص خصومه بالفوز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.