زيارة رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي للجزائر دلالات ونتائج - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

زيارة رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي للجزائر دلالات ونتائج

0 196

مركز الناطور للدراسات والابحاث

في التوصيف العاجل والتقييم غير النهائي لنتائج الزيارة التي قام بها إلى الجزائر رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل على رأس وفد رسمي ليبي ضم أيضا أعضاء آخرين في المجلس منهم سالم مسعود قنان وحسن المصري وعلي محمد الجواني، وكذلك أمحمد عبد العزيز وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي وعبد الله مسعود عبد الخالق واستغرقت يومين (14-16 أبريل) عن مستقبل العلاقات الليبية سيتحدد وفقا للعديد من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية.

الانطباع السائد عن المحادثات التي جرت بين الرئيسين الجزائري والليبي أنها جرت في جو من الجدية والإيجابية واستعداد الطرفين لمناقشة جميع المشاكل بما فيها الخلافية بروح عالية من التفاهم والتجاوب والتفاعل.

الزيارة بكل المقاييس أحدثت اختراقا مهما لعدة أسباب:

السبب الأول: أنها اعتبرت أول لقاء على مستوى رفيع ومباشر بين القيادتين الجزائرية والليبية أي زيارة جمعت بين الرئيس الجزائري بوتفليقة ورئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل .

التطور المهم يتمثل في سعي البلدين الجارين والمرتبطين بوشائج قلما تربط بين بلدين التاريخ المشترك والجوار المشترك واللغة والدين إلى تجاوز أزمة العلاقة التي واكبت الأحداث في ليبيا خلال عام 2011.

ومن هنا فإن جملة التقويمات للزيارة والمحادثات التي جرت والتفاهمات التي تم التوصل إليها ستشكل المدخل الأساس لمعالجة أية إشكاليات عالقة أو إشكاليات طارئة.

العوامل المؤثرة بالسلب على بناء علاقات جزائرية ليبية طبيعية

من الناحية الافتراضية الزيارة حققت أهدافها في تبديد غيوم الشك والارتياب التي أحاطت بهذه العلاقات، ومهدت الطريق واسعا لبناء علاقات سليمة يكون الفصل فيها مراعاة مصالح البلدين على كافة الأصعدة خصوصا ومصالح المنطقة المغاربية على وجه العموم.

ومن الأهمية أن نتحدث عن العوامل الداخلية والإقليمية والدولية التي ستكون هامة وحاسمة وناظمة لهذه العلاقات في المستقبل:

العامل الداخلي: أي الأوضاع الداخلية ستظل المؤثر الرئيسي في تحديد مستقبل هذه العلاقات، ما زالت الأوضاع في ليبيا غير مستقرة ومازالت الجهود لبناء دولة مؤسسات تتواصل وفي نفس الوقت تتعثر بسبب وجود مجموعة من الصراعات الداخلية المناطقية أو القبلية.

ليبيا بحاجة ملحة للإسراع في وتيرة بناء الدولة ومؤسساتها السياسية والأمنية والاقتصادية.

ويقول الباحث في الشؤون المغاربية الدكتور طارق الأحمد أنه في ظل استمرار الاضطراب الداخلي يتعذر بناء دولة مؤسسات وبالتالي بناء علاقات سليمة مع دول الجوار وعلى رأسها الجزائر.

ويضيف أن الجزائر مثلها مثل بقية الدول المجاورة لليبيا ما زالت متهيبة ومتخوفة من تداعيات الوضع الداخلي الليبي المضطرب ومن تحديات قد يصدرها على غرار التحديات التي عبرت الحدود إلى مالي واحتمال عبورها إلى دول أخرى مثل النيجر وبالطبع الجزائر.

وخلص إلى أن أخطر ما يشكله عبور هذه التحديات مع الأسلحة والميليشيات المسلحة والعناصر الإرهابية إلى حدود الدول الأخرى هو التأثير سلبا على علاقات ليبيا مع دول الجوار، واستشهد بما يجري على الحدود الليبية التونسية من اشتباكات وعمليات اختطاف وعمليات تهريب للسلاح.

وهكذا يمكن القول بأن منظومة التعاون بين البلدين وفي كل المجالات وعلى الأخص في المجال الأمني والاستعانة بالجزائر من أجل إعادة بناء المؤسسة الأمنية قد يسهم إلى حد كبير في احتواء عوامل الاضطراب والانفلات الأمني وفرض سيادة الدولة وهيبتها وسيادة القانون.

 

العامل الإقليمي: تقدم لنا المعطيات الكثيرة عن تدخلات بعض دول الجوار الإفريقية في الشؤون الليبية تأكيدا قاطعا على أن دور تشاد في ليبيا وعلى الأخص في مناطق سبها والكفرة يؤثر سلبا على إشاعة أجواء الاستقرار الداخلي في ليبيا ولا يقتصر الأمر على تشاد بل يشمل أيضا النيجر.

وانطلاقا من هذه المعطيات فإنه لا بد من التساؤل عن مغزى هذا الموقف التشادي وكذلك النيجري؟ والإجابة على هذا السؤال نجدها في دراسة للدكتور مروان الزعبي الموسومة: “من يقف خلف إثارة الصراعات الداخلية في ليبيا في الآونة الأخيرة؟”

يؤكد الباحث أن كل من تشاد والنيجر مصران على التعامل مع ليبيا الجديدة أي ليبيا ما بعد القذافي بمنطق التفاعل الصراعي.

ويمضي أن تشاد والنيجر وبحكم تفوقهما العسكري على ليبيا على خلفية تدفق الأسلحة الليبية إليهما والأموال الليبية الطائلة يجدان في تدني القوة الليبية القتالية الضالة المنشودة لمزيد من الإضعاف والإنهاك.

وانتهى إلى أن البلدين يستغلان وجود مجموعات موالية للقذافي من أجل إدارة هذا التفاعل الصراعي مع ليبيا.

العامل الدولي: يفترض التحليل النظري للمواقف الدولي من الاستمرار في ليبيا أن الدول الكبرى المختلفة فيما بينها بشأن إدارة الصراعات المحتدمة في سوريا ومع إيران والأزمات في البحرين ومصر وكوريا الشمالية حيث استهلكت جهودها في هذه الأزمة، ولعل أوضح مثال ودليل على ذلك الموقف العاجز من الأحداث في مالي ثم الانقلاب العسكري في غينيا بيساو.

انطلاقا من التحليل السالف يمكن القول أن هذه العوامل الثلاثة قد تشكل عوامل عرقلة وإعاقة للجهود من قبل البلدين لإعادة ترميم بل وتفعيل هذه العلاقات.

هل وفرت الزيارة الفرصة لإعادة بناء علاقات جزائرية ليبية جديدة؟

نعود ونؤكد حقيقة أن هذا الاجتماع على مستوى القمة بين البلدين الأول منذ سقوط نظام القذافي ومقتله في 21 أكتوبر يمثل فرصة لمناقشة ملفات هامة وساخنة لم تكن تتأتى مناقشتها ووضع الحلول لها إلا على هذا المستوى من الاتصال.

وبالفعل فلقد كانت هذه الملفات حاضرة في صدارة المحادثات وحظيت باهتمام الجانبين ليست فقط على صعيد إثارتها بل في اقتراح الحلول لها، ومن أبرز هذه الملفات:

الملف الأمني: كان هذا الملف عاملا على خلق أجواء التوتر بين البلدين وذلك على خلفية انتقال الأسلحة من ليبيا وإلى الجزائر عبر الصحراء شملت أسلحة متطورة مضادة للطائرات من نوع إيجلا وراجمات صواريخ وأسلحة ثقيلة.

المحادثات حول هذا الملف اعتبرت الأهم والأطول والتي أولاها الطرفين أهمية خاصة ليس فقط من قبل الرئيسين وإنما أيضا من قبل المسؤولين في هذين البلدين.

وكان قد مهد لمناقشة هذا الملف سيل من تصريحات لمسؤولين ليبيين وجزائريين حول أهمية

الناطق الرسمي في وزارة الخارجية الليبية سعد الشلماني تطرق إلى ذلك قبل الزيارة وأوضح أن الملف الأمني سيكون في صلب محادثات رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

وبالفعل وفي خضم مناقشة هذا الملف توصل الجانبين إلى تفاهمات تتعلق بهذا الجانب ومن بين هذه الجوانب:

–      تنسيق الجهود الأمنية لمنع تهريب الأسلحة من ليبيا إلى الجزائر من خلال وضع آليات صارمة وفاعلة.

–      التعاون الأمني الثنائي في مجال تأمين الحدود المشتركة من خلال دوريات على الحدود.

–      مكافحة الهجرة غير الشرعية.

–      تفاهم بين الرئيسين على عدم السماح لأية عناصر  وعلى الأخص من الجانب الجزائري باستخدام الأراضي الجزائرية منطلقا لإثارة الاضطرابات في ليبيا، الرئيس الجزائري بوتفليقة عاد وأكد أن الجزائر لن تحتضن كل من يشكل خطرا على أمن ليبيا بالتحريض أو التمويل.

في هذا السياق تم التعرض إلى وضع أفراد عائلة القذافي المتواجدين في الجزائر زوجته صفية وابنته عائشة ونجليه محمد وحنبعل.

وقد تباينت التقارير في إعطاء صورة حقيقية لما توصل إليه الجانبين حول مسألة تسليم أفراد أسرة القذافي أو السماح لهم بالبقاء ولكن في ظل قيود تمنعهم من ممارسة أي نشاط معاد للسلطة الجديدة في ليبيا.

المهم أن مصطفى عبد الجليل حصل على ضمانات من الرئيس الجزائري بعدم التعاون مع أي نشاط ضد ليبيا.

الملف القضائي: حظي هذا الملف بنصيب وافر من النقاش نظرا لأهميته وارتباطه بالجانب الأمني حيث توصل الطرفان إلى تفاهمات في هذا المجال.

لكن هذه التفاهمات لا بد من صوغها في اتفاق للتعاون القضائي.

وقد يسمح مثل هذا الاتفاق في حالة التوصل إليه للسلطات الليبية بأن تتقدم بطلبات إلى السلطات الجزائرية لتسليم أي شخص ارتكب عملا جنائيا ضد الدولة الليبية.

يذكر أنه كانت هناك مقدمات للتعاون الأمني بين البلدين حيث زار الجزائر وزير الداخلية الليبي فوزي عبد العال مع مسؤولين أمنيين آخرين حيث تم الاتفاق على الاستعانة بالخبرة الجزائرية في مجال بناء المؤسسة الأمنية وكذلك تدريب الكوادر الليبية الأمنية سواء في الجزائر أو ليبيا.

الملف الإقليمي: المحادثات شملت الملف الإقليمي بأهم جوانبه وأبعاده الوضع في منطقة المغرب العربي في تونس وفي موريتانيا وملف الصحراء على ضوء موقف المغرب المتصلب حيال هذه القضية، كما تطرقت المحادثات إلى الوضع في منطقة الساحل والصحراء على خلفية الانقلاب العسكري في مالي ثم سيطرة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد على شمال مالي.

الزعيمان توصلا إلى نظرة مشتركة حول تداعيات هذه الأوضاع على الأمن الإقليمي وأمن البلدين وإلى الحاجة لبذل الجهود من أجل احتواء مخاطرها.

تقييم أولي لنتائج الزيارة

من المبكر إيجاد عملية تقييم صائبة ودقيقة للنتائج التي أسفرت عنها محادثات رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إذ أن أمرا كهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت وإلى المزيد من المعطيات لتبين النتائج الملموسة على الأرض.

لكن الكثير من المؤشرات والدلائل تقطع أن الزيارة حققت نتائج هامة في تسوية بعض الملفات الرئيسية وعلى الأخص الملف الأمني، وأن الملفات الأخرى في طريقها إلى المعالجة.

هناك رؤية لدى الجانب الجزائري بشأن تسوية جميع الملفات بين البلدين، هذه الرؤية تقوم على أن تسوية الملفات مرهونة باستقرار ليبيا عن طريق تكريس المصلحة والوفاق الداخلي وقيام دولة المؤسسات وإنجاز مراحل تحول ليبيا إلى الديمقراطية ودولة القانون كما صرح بذلك مسؤول في الخارجية الجزائرية.

في الختام لا يمكن إنكار أهمية هذه الزيارة وما ستسفر عنه في المستقبل من تحسن بل وتطور في العلاقات الشاملة بين البلدين.

 من إعداد: مضر حلمي الزعبي 18/4/2012

المركز العربي للدراسات والتوثيق المعلوماتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.