Take a fresh look at your lifestyle.

زياد أبو زياد يكتب – لا تنشغلوا بالجرعات منتهية الصلاحية وابحثوا عما وراء ذلك

0 131

المحامي زياد أبو زياد *- 20/6/2021

في الوقت الذي ينظر العالم بحذر وترقب الى الأداء المرتقب للحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة نفتالي بينيت رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية سابقا والمنادي بضم الضفة كلها او على الأقل 60% منها وهو ما يسمى منطقة C لإسرائيل، والى إمكانية قيام هذه الحكومة المتطرفة بخطوات وقرارات تفجيرية استيطانية وسياسية سواء فيما يتعلق بضم أجزاء من الضفة أو تهويد القدس والمسجد الأقصى أو قطاع غزة ، تأتي السلطة الفلسطينية لتمد يدها لإنقاذ سمعة هذه الحكومة وتقدمها للعالم بوجه جميل مشرق يصفها بالحرص على سلامة الفلسطينيين وتزويدهم بمليون ومئتي ألف جرعة تطعيم فايزر ضد الكورونا، لأن هذه الجزئية الصغيرة هي ما يرسخ في أذهان العالم وليس ما تلاها من تطورات تتعلق بعدم صلاحية اللقاحات وبأنها على وشك انتهاء الصلاحية أو انتهت لأن صلاحيتها حسب الشركة المنتجة هي لشهر حزيران الحالي، وانه حتى لو افترضنا أن بالإمكان قبل نهاية الشهر إعطاء الجرعة الأولى منها فإن صلاحيتها تنتهي قبل حلول موعد الجرعة الثانية وأن رئيس الوزراء د. محمد اشتية أوعز بإلغاء الصفقة وإعادة الجرعات لإسرائيل. فالنبأ الذي أخذ الوهج والبريق الإعلامي العالمي هو قيام إسرائيل بتزويد السلطة بجرعات فايزر. وأن هذا العمل الإيجابي هو نتاج أولي لوجود وزير صحة من حركة ميرتس في هذه الحكومة وأن اليسار في هذه الحكومة يستطيع فعل ما يريد ولذا فعلى العالم أن يتقبل هذه الحكومة ويفتح أبوابه أمامها.

وإضافة الى حقيقة ان هناك صفقة فساد مذهلة تتجاوز قيمتها اثنان وعشرين مليون دولار تذهب لجيوب متنفذين يجب الكشف عن هويتهم وتقديمهم للعدالة إلا انه بالنسبة لي كمراقب سياسي فإن المسألة ليست مسألة صلاحية اللقاح من عدمها وإنما هي التورط في صفقة الفساد تلك وفي التعامل المباشر مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة من قبل وزارة فلسطينية وتلميع وتجميل وجه الحكومة الفاشية المتطرفة التي يملك القرارات فيها وزراء أمثال نفتالي بينيت وأييلت شكيد وجدعون ساعر وغيرهم من غلاة المتطرفين اليمينيين الذين ينكرون أصلا ً وجود الشعب الفلسطيني ويعملون كل ما في وسعهم لتحقيق حلم أرض إسرائيل الكبرى ولو على حساب تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم من جذورهم، ويقفون على رأس الوزارات الرئيسية التي تتحكم بمصير إسرائيل والتي تعمل على تثبيت وتوسيع الضم والاستيطان وتهويد القدس وتكريس يهودية الدولة وتهميش غير اليهود وهم بالطبع العرب.

وبمعزل عن كل المناكفات والانتقادات التي وجهت لوزيرة ووزارة الصحة فإن من حقي أن أتساءل: هل هناك خط اتصال مباشر بين وزارة الصحة الفلسطينية ومكتب منسق الاحتلال باعتباره القناة لوزارة الصحة الإسرائيلية، وهل اتصال وزارة الصحة الفلسطينية معه كان بمعزل عن المرجعية السياسية الوطنية لوزارة الصحة ووزيرتها الدكتورة مي الكيلة التي شغلت مناصب دبلوماسية حساسة في الماضي من بينها سفيرة في التشيلي وفي إيطاليا والتي هي نفسها من المحاربين القدماء من بين كوادر حركة فتح من قبل أن تقوم السلطة والتي يفترض أنها أدرى من غيرها بحساسية البعد السياسي والوطني لأي اتصال مع الجانب الآخر ؟ وهل المنسق ما زال يتمتع بصلاحيات الملك ورئيس الوزراء الأردني التي أنيطت به بموجب أوامر عسكرية إسرائيلية صدرت بالتتابع غداة احتلال الضفة الغربية عام 1967 والتي ربما نسيها الكثيرون منا، وأنه ما زال يمارس تلك الصلاحيات مباشرة دون اعتبار لوجود ما يسمى بالسلطة الفلسطينية من زاوية نظره؟

وهذا التساؤل يقودني الى تساؤل آخر:

هل هناك وزارات أو دوائر حكومية وغير حكومية تقيم علاقات مباشرة مع الإدارة “المدنية” الإسرائيلية ومكتب المنسق الذي يشكل حلقة الوصل بين الحكومة الإسرائيلية بوزاراتها المختلفة وبين الجانب الفلسطيني، والى أي مدى يتم الالتزام بالاتفاق الموقع بين م ت ف وإسرائيل فيما يتعلق بالإرتباط المدني والعسكري وفي المجالات والقنوات التي حددها الاتفاق حصرا ً أم أنه تم تجاوز ذلك بحكم الأمر الواقع خلال ربع قرن من الزمن أعقب ذلك الاتفاق أفرز خلالها ثغرات وخروقات إسرائيلية للجبهة الفلسطينية.

لست بصدد توجيه الاتهامات لأحد، فليس هذا من حقي، ولكنني أعتقد أن ما حدث يشير الى وجود خلل بنيوي وأن هذا الخلل ليس الوحيد من نوعه ولا يقتصر على جهة واحدة وأن هناك حاجة لتقييم شامل وتحقيق أشمل لوضع السلطة بوزاراتها وأذرعها المختلفة، لوضع الأصبع على مواقع الخلل سواء في الأداء أو في التعامل مع الجانب الآخر.

وأقول وللأسف الشديد بأنني لا أعتقد بأن هناك في الوضع القائم أية جهة نزيهة وحصينة من البطش والعقاب تستطيع التحقيق والمحاسبة دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء سواء بأفرادها أو كيانها. وعلينا أن نعترف بأن تغييب المجلس التشريعي عن أداء دوره أسهم الى حد كبير في إحداث الخلل القائم والمتزايد بشكل مضطرد في أداء السلطة التنفيذية وما يتفرع عنها أو يوازيها مما تبقى من السلطة القضائية أو أذرع الحكم المختلفة. ولا شك بأن كل من يساهم أو يؤيد أو يقبل استمرار تعطيل الحياة الديمقراطية وتغييب المساءلة والمحاسبة البرلمانية يتحمل بشكل مباشر المسؤولية عما حدث ويحدث من خلل أو فساد.

وإذا كان الحديث يدور اليوم عن وزارة الصحة فإن من الظلم قصره عليها ذلك لأن عمل الحكومات المتعاقبة منذ الانقسام المشؤوم عام 2007 بدون مراقبة ومساءلة برلمانية أدى بشكل طبيعي الى حدوث خلل وسوء إدارة وتجاوزات على القانون سواء بقصد أو بغير قصد في جميع الوزارات والدوائر الحكومية والعامة التي تعمل في ظل فراغ دستوري وغياب للمساءلة والشفافية.

ويستطيع المراقب أن يلاحظ أن هناك استهداف مقصود لوزارات معينة أو وزراء بعينهم وبشكل خاص وزيري الصحة والخارجية علما بأن هناك وزارات ووزراء آخرين ليسوا منزهين عن الخطأ او سوء الأداء المقصود وغير المقصود والذي يتداخل في أحيان كثيرة مع شبهة الفساد، وأن الأولى التعامل مع الأمور بشكل موضوعي والبحث عن أسباب الترهل والتسيب والخلل والفساد وهو كما أسلفت غياب المساءلة والرقابة البرلمانية على أداء السلطة التنفيذية في كل الوزارات.

وهناك على سبيل المثال حملة انتقادات واسعة ضد السلك الدبلوماسي الفلسطيني تنعكس في كثير من الأحيان على أداء وزير الخارجية وتتخذ صورة هجوم سافر عليه. ومع أني لا أوافق على هذا الاستهداف الشخصي لأي وزير فإنني أجزم بأن الانتقادات ضد أداء السلك الدبلوماسي الفلسطيني هي انتقادات مبررة ومحقة ولكن الفوضى والفساد المستشري في السلك الدبلوماسي وخاصة السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية في الخارج لا يمكن نسبته لوزير الخارجية وحده لأن الوزير لا يملك الصلاحيات المطلقة للتغيير ولأن التعيينات والتنقلات والإحالات على التقاعد ليست بيد الوزير ولا حتى بيد مجلس الوزراء فالتداخل الذي لا زال قائما بين السلطة والمنظمة والمحاور ومراكز القوى الموجودة على الساحة يحول في كثير من الأحيان دون الإصلاح الحقيقي.

وأخيرا ً لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يستحوذ موضوع جرعات التطعيم المنتهية الصلاحية على جل اهتماماتنا، بل يجب أن يكون مؤشرا ً ينذرنا ويحذرنا من الخلل الكبير عندنا والذي تحول الى دولة عميقة تتحكم في حياتنا وتقرر مصيرنا. وهذا الخلل لا يمكن اصلاحه جزئيا ً بل يحتاج الى اصلاح جذري شامل خطوته الأولى هي العودة الى الشعب ليقول كلمته ويختار من يتولى زمام أموره.

المحامي زياد أبو زياد وزير سابق ومحرر مجلةفلسطينإسرائيلالفصلية الصادرة بالإنجليزيةالقدس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.