زياد أبو زياد يكتب - فصل د. القدوة ليس حلا للأزمة المستفحلة داخل "فتح" - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

زياد أبو زياد يكتب – فصل د. القدوة ليس حلا للأزمة المستفحلة داخل “فتح”

0 99

بقلم المحامي زياد أبو زياد * –  14/3/2021

الأحد… وكل يوم أحد

فصل د. القدوة ليس حلا

للأزمة المستفحلة داخل “فتح”

الكتابة هذه الأيام كالسير في حقول الألغام لا تدري متى ينفجر اللغم تحت أقدامك ، والذين أدمنوا السير في حقول الألغام يفقدون القدرة على الخوف لأنهم يعشقون مهنة المتاعب.

لقد عرفت الدكتور ناصر القدوة عن قرب والتقيت معه في الكثير من المناسبات وأؤكد احترامي الكبير لهذا الرجل الوطني الذي يشكل قيمة وقامة فكرية وسياسية تميزت بخبرته في الشؤون السياسية الدولية وأبعاد تأثيرها على القضية الفلسطينية. فقد كان مندوبا لفلسطين في الأمم المتحدة ووزيرا للخارجية ولعب من خلال الأمم المتحدة دورا على الساحة الإقليمية والدولية وكان عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح حتى الأيام الأخيرة حيث أعلن قرار فصله منها ومن حركة فتح ، ذلك القرار الذي أثار كثيرا من ردود الفعل التي تراوحت بين الشجب والاستنكار من جهة والتأييد والتبرير من جهة أخرى.

ولا شك بأن قراره خوض الإنتخابات التشريعية بقائمة غير القائمة الرسمية لحركة فتح تحت مسمى ” الملتقى الوطني الديمقراطي ” يعكس مدى خطورة الأزمة الداخلية في الحركة.

فالملتقى الوطني الذي أعلن عنه القدوة لا يقتصر على شخصيات فتحاوية بل يضم عددا من المستقلين ومن كوادر الجبهة الشعبية ومن تنظيمات أخرى الذين خرجوا في سنين سابقة من الجبهة أو من تنظيماتهم ولكنهم ظلوا في الساحة السياسية أو الإعلامية ، ربما لأنه أراد إعطاء الانطباع بأنه لا يسعى لتشكيل حركة جديدة وإنما ملتقى Forum للتعاطي مع الشأن السياسي الوطني بشكل يضم الكل الوطني.

ومع ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل يجوز للأخ د. ناصر القدوة أن يترأس قائمة منافسة لفتح في الانتخابات التشريعية ويظل في نفس الوقت عضوا في فتح بل وفي لجنتها المركزية ؟ والجواب بكل بساطة هو ” لا ” ! لأنه لا يستطيع البقاء في فتح ومنافستها في نفس الوقت ولذا فقد كان عليه أن يختار إما البقاء داخل الحركة والالتزام بقراراتها وإما إعلان استقالته من الحركة ومن ثم تشكيل حركة جديدة أو حزب جديد وخوض الانتخابات بهذه الصفة . ولو فعل ذلك فهذا حق له ولكل مواطن. أما أن يحتفظ بعضويته في فتح وفي لجنتها المركزية ويرشح نفسه على رأس قائمة مناوئة أو على الأقل منافسة لفتح فهذا أمر لا يجوز وغير مقبول في أبسط الأعراف الحزبية والانتخابية ، اللهم إلا إذا كان يريد جر القيادة لاتخاذ قرار بفصله اعتقادا ً منه بأن ذلك سيحرجها ويخلق حالة من التعاطف الجماهيري معه.

تشكيل حركة تحت مسمى ” الملتقى الوطني الديمقراطي ” لتغيير النظام السياسي يُعطي الانطباع بأنها ليست حركة سياسية جديدة وإنما تجمع لأشخاص مستقلين ومن خلفيات فصائلية أخرى تجمعهم الرغبة في ” تغيير النظام السياسي ” دون توضيح ما هو النظام السياسي الجديد الذي تريده أو ما هو المقصود بتغيير النظام السياسي وهل ذلك تغيير للنظام السياسي أم تغيير للبرنامج السياسي وما هي ماهية النظام السياسي الجديد المقترح.

لقد كان الأجدر بالأخ ناصر القدوة أن يحسبها جيدا وأن يأخذ زمام المبادرة ويعلن مسبقا خروجه من فتح لا أن ينتظر قرار فصله.

أما وقد كان ما كان فإنني لا أعتقد بأن المعركة الانتخابية القادمة هي سبب خروج د. القدوة عن إرادة الحركة فقد سبق أن أعلن استقالته من اللجنة الركزية في الماضي ولكن الأخ أبو مازن لم يقبلها ، ولقد سبق أن تذمر من مجريات الأمور داخل الحركة وعدم رضاه أو موافقته على الكيفية التي تُدار بها أمور الحركة وأدائها السياسي والوطني سواء على الصعيد الداخلي أو صعيد الصراع مع الاحتلال أو على الساحة الدولية ، ولكنه لم يثبت إبان وجوده داخل الحركة القدرة على أخذ زمام المبادرة ومحاولة خلق التغيير الذي يتحدث عنه.

قد تكون مشكلة الدكنور القدوة أنه يمت بصلة قرابة مباشرة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات أورثته بعض المحبين وبعض الحاقدين الين يسعون لتصفية حسابات قديمة ، وقد تكون مشكلته هي أن حجم طموحاته وتوقعانه كان أكبر كثيرا جدا من الفرص التي أتاحتها له الحركة وربما كلتا الحالتين معا.

وحتى لو كان على حق في انتقاداته لأداء قيادة الحركة فإن اللجوء لخلق الظروف التي تعطي المبررات لإخراجه من الحركة لم يكن تصرفا ً حكيما وقد كان الأجدر به أن يقاتل من داخل الحركة لتصويب الأمور ، لأن مجرد الخروج من القلعة يفقده القدرة على إحداث أي تأثير داخلها.
ولا أبالغ إذا قلت بأن خروج الدكتور ناصر القدوة من الحركة التي نشأ في داخلها قد يكون بداية الطريق للخروج من الحياة السياسية العامة لأن تجربة الانشقاق أو الحرد أثبتت بأن لا مستقبل سياسي لكل من خرج أو يخرج من أو عن إطار فتح التي هي الحركة الأم للتحرر الوطني الفلسطيني وهي الوارث لتلك الثورة التي ” حملت الرشاش لتحمل الأجيال من بعدها منجل ، وهي الحركة الغلابة ذات اليد التي تفجر دبابة ، وهي الحركة التي ستطلع للعدو من كل واد وحارة وشارع ” … ذاك هو رصيد فتح وموروثها الثوري النضالي. وسواء كانت اليوم تصون ذلك الموروث أم تتخلى عنه إلا أنه يظل هو الذي يرسم صورتها وهويتها في اللاوعي الجماهيري.

عضوية فتح ليست وظيفة يُمكن أن يُطرد الواحد منها بل هي انتماء ينبع من داخله ولا أحد يستطيع أن ينتزع منه ذلك الانتماء. وفصل أن عضو من الحركة لا يستطيع أن يُغير شيئا طالما كان المرؤ ينتمي بوجدانه وعواطفه وقناعاته للحركة.

فصل الأخ القدوة من حركة فتح يعكس حقيقة أن هناك أزمة عميقة داخل هذه الحركة العملاقة وأن هذه الأزمة ناتجة عن غياب الديمقراطية داخل الحركة وهيمنة الفردية واتباع منهج التفصيل والشخصنة في اختيار أطرها القيادية بدءا ً من القاعدة فصاعدا ً. وإذا لم تتدارك القيادة الحالية للحركة عمق الأزمة التي تعيشها وتسارع ، بمشاركة القدوة وأمثاله من أعضائها القياديين الذين حملوا لواء الحركة في أوج نضالاتها ومعظمهم يجلسون اليوم على الجدار أو تم دفعهم الى الهامش ، إلى تصويب أوضاعها الداخلية وإعادة تركيب وتكوين ذاتها من حيث القيادة واللجنة ومجلسها الثوري والاستشاري على أسس ديمقراطية سليمة وتبني البرنامج السياسي الذي يليق بحركة في تاريخ وتراث حركة فتح ، ويلبي تطلعات الجماهير وتوقعاتهم منها ، فإنها وللاسف الشديد ستظل عل طريق الانشطار والتفتت والتشرذم حتى لو ظن البعض بأن التعنت برأيه هو الطريق للحفاظ على الحركة وتحقيق الهدف الذي قامت من أجله وهو التحرير الوطني الذي بات في مهب الريح.

المحامي زياد أبو زياد – وزير سابق ومحرر مجلة “فلسطين- إسرائيل” الفصلية الصادرة بالإنجليزية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.