أقلام وأراء

زياد أبو زياد: لماذا لا تُلغى تعقيدات السفر على الجسور ويُتاح للمواطن العادي السفر بسيارته الخاصة!

المحامي زياد أبو زيّاد 4-09-2022

رغم أن العاصفة التي أثيرت عقب الإعلان عن فتح الباب أمام الفلسطينيين للسفر من مطار ميرون (تمناع) القريب من مدينة ايلات (ام الرشراش) والبعيد مئات الكيلومترات عن المناطق الفلسطينية، إلا أنه ما زال فاعلا ً والسفر منه ممكنا ً والخطر من تطبيع التعامل معه قائما.
ولقد آثرت متابعة ما أمكن من ردود الفعل – ولا أدعي أنني تابعتها كلها – وأود أن أعرض هنا بعض الملاحظات وخاصة على الصعيد الرسمي وليس الشعبي لأني لا ألوم من في السجن اذا فرح اذا قرر السجان تمديد فترة “الفورة” أو سمح للسجناء في قسم ما الى زيارة سجناء آخرين في قسم مجاور – وهذا أمر يحدث من حين لآخر – ويُشكل لبعض السجناء وكأنه نصف إفراج!
كانت بكورة ردود الفعل الرسمية الفلسطينية، وعلى مستوى وزاري، هي التهديد والوعيد باتخاذ أقسى العقوبات بحق كل من تسول له نفسه السفر من هذا المطار.
أما على الصعيد الأردني فبالرغم من الهجوم الذي شنه بعض النواب والوزراء الأردنيون على السلطة الفلسطينية باعتبارها هي التي تعطي التصاريح للمكاتب السياحية التي تنقل المسافرين الى مطار ميرون – حسب زعمهم – إلا أن المواطن الفلسطيني كان أيضا هدفا ً للتهديد والوعيد من قبل بعض هؤلاء المسؤولين الأردنيين الذين طالبوا بسحب الجواز الأردني المؤقت من أي فلسطيني يسافر من هذا المطار ومنعه من دخول الأردن.
في المحصلة فإن الملاحظ وعلى الصعيد الرسمي العربي فلسطينيا ً وأردنيا ً هو أن التعامل مع المواطن العادي هو فقط بالكرباج. فالمواطن في المفهوم الرسمي العربي ، وليس فقط في هذين البلدين، هو العبد المطيع لأن النظام معصوم من الخطأ أو ربما لأن بعض الأنظمة العربية تحكم بمفهوم التفويض الإلهي.!
وقد لاحظت أنه وبعد صرخات التهديد والوعيد وهز الكرابيج أمام الناس الغلابى بدأ الحديث عن اتصالات أردنية فلسطينية لتحسين ظروف وشروط والخدمات التي تُقدم للمسافرين. فقد أعلنت الحكومة الأردنية عن خطة بتكلفة حوالي مائة وخمسون مليون دينار !!..لتطوير وتحسين الخدمات والمرافق على الجسور والله أعلم متى ستوضع تلك الخطة موضع التنفيذ الفعلي بالكامل، بينما قام وزير المواصلات الفلسطيني بالسفر الى الأردن بالطرق الاعتيادية !! مثل أي مواطن وليس ببطاقة ال VIP التي يحملها بصفته وزيرا ً، لكي يرى كيف يعاني المواطن العادي وما يتعرض له.
ولكن معالي الوزير أخفق مسبقا ً في تحقيق الهدف من هذه الزيارة لأنه لو كان جادا ً في ذلك لأخفى صفته الوظيفية وتخفى بين المواطنين ورأى ما يرونه وعانى ما يعانون، أما أن يسافر كشخص عادي ولكن برفقة كاميرا تلفزيون وصحافة فهذه خطوة استعراضية دعائية تخفق الى حد ما في رؤية الصورة الحقيقية لما يشهده ويمر به المواطن العادي مجهول الهوية حين يسافر على طريق الآلام الى عمان!
ومع احترامي لكل المسؤولين الأردنيين والفلسطينيين، وأستميحهم العذر إن كنت قد قسوت بعض الشيء في هذا المقال، فإنني أقول أولا ً وقبل كل شيء، رجاء احترموا انسانيتنا فنحن بشر، ومن حقنا أن نُحترم وألا نُعامل بالتهديد والوعيد ولا بالترهيب والترغيب، ولا بالعصا والجزرة!
المشكلة التي نعاني منها هي أن هناك لدى الأطراف الثلاثة ذات العلاقة بالسفر عبر الجسور من والى الأردن وأقصد إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن من يعتقدون بأن المواطن الفلسطيني هو بقرة حلوب وأن من المستباح أن تشارك الأطراف الثلاثة في استحلاب هذا المواطن الى حد رؤية الدم يسيل من ثدييه دون أن يتحرك لديهم ساكن! وأقول هذا والألم يعتصر قلبي. فبالإضافة للرسوم الباهظة المضنية التي تُفرض على المسافر العادي تم ابتكار وسيلة ما يسمى ب ال ” VIP ” بل وحتى تصنيفها الى مرتبتين وتحصيل ما يتراوح بين 110 الى 150 دولارا عن كل مسافر حسب المرتبة التي يختارها. مما يُدر على جهات معينة مرتبطة بأجهزة معينة لدى الأطراف الثلاثة دخلا ً يتجاوز في بعض الأحيان مئة ألف دولار باليوم الواحد! ثم وضع العراقيل أمام السفر بالطرق العادية، سواء بقصد أو بغير قصد، ليضطر الناس الى استخدام خدمة ال ” VIP”، فالذي يتحكم بعملية سفر المواطنين عبر الجسور هو فلسفة جمع المال وتحقيق الكسب غير المشروع على حساب المواطن العادي المضطر بطبيعة العلاقة الخاصة بين الشعبين الأردني والفلسطيني والحصار المفروض إسرائيليا ً عليها، أن يسافر عبر الجسور ولا غنى له عن ذلك.
وثانيا، وفي صلب الموضوع أقول، لقد مضى على هذا الاحتلال أكثر من خمسة وخمسين عاما، فهل يجوز الاستمرار في التعامل معه وكأنه حالة مؤقتة! والى متى سنبقى نحن المقهورين تحت الاحتلال، البقرة الحلوب لذوي الجيوب التي لا قاع لها!
ليس المطلوب تحسين المرافق على الجسور ولا تخفيف القيود والمعاملات البيروقراطية وانما تغيير منهج السفر على الجسور من أساسه والتعامل معها كحدود مفتوحة لحرية التنقل للناس ولوسائط النقل الخاصة بالاتجاهين.
فإذا كان بإمكان المواطن الأردني أن يحضر للضفة الغربية بسيارته وبإمكان المواطن الإسرائيلي أن يسافر للأردن بسيارته، ويستطيع كبار المسؤولين الفلسطينيين السفر للأردن بسياراتهم الخاصة عبر الجسور ويستطيع ممثلو السفارات والهيئات الأجنبية أيضا ً السفر بسياراتهم، فما المانع من أن يسافر المواطن العادي الفلسطيني بسيارته هو الآخر بين ضفتي الأردن أسوة بغيره!؟ أليس من حقنا نحن أيضا ً أن تُطبق علينا شُرعة حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة ويتبناها المجتمع الدولي المتحضر ومن ضمنها حرية التنقل! والى متى ستبقى ذريعة الأمن الوسيلة البشعة لتسويغ وشرعنة كل الممارسات غير الإنسانية التي ترتكب ضد الانسان الفلسطيني؟
فالمواطن الأردني القادم بسيارته للضفة هو في أغلب الأحوال من أصل فلسطيني فما الفرق بينه وبين الفلسطيني ابن الضفة؟ واذا كانت إسرائيل تريد استخدام حجة الأمن لتبرير ممارساتها على الحدود مع الأردن فهذه حجة مردودة عليها لأنها أقامت جدارا ً بينها وبيننا، ولأنها تستطيع تفتيش المركبات التي تمر من شرقي النهر الى غربه وبالعكس.
لا يوجد في القاموس السياسي العالمي شيء اسمه احتلال يستمر أكثر من نصف قرن، ولا يوجد في القاموس السياسي الدولي شيء اسمه دولة في الهواء لا سيطرة لها على الأرض سوى الاتجار بعذابات من تدعي تمثيلهم والإثراء الفاحش لبعض المتنفذين فيها على حساب هذه العذابات حتى لو حولوا شعبهم الى مصدر تمويل للاحتلال وتخفيف للأعباء المالية عن كاهله واعفائه من تنفيذ التزاماته تجاه الشعب الذي يقوم باحتلاله وتنطبق عليه أحكام معاهدة جنيف الرابعة بشأن حقوق المدنيين في ظل الاحتلال كل ذلك من خلال تصديق كذبة لم تعد تنطلي على أحد ومن خلال مطاردة وهم يعرفون في قرارة أنفسهم أنه ليس ممكنا ً أبدا.
وبدون استرسال أو إطالة أقول: لا لكل أشكال ومسميات الرسوم التي تُجبى من المواطن عند سفره عبر الجسور ويجب أن تُلغى كل هذه الرسوم والضرائب بمسمياتها المختلفة، ولا لخدمة ال VIP والتي يجب الغاؤها فورا ً ّ ، ولا لكل تعقيدات السفر ومحطاته المرهقة. ونعم لفتح الابواب أمام كل مواطن للسفر بسيارته الى حيث يشاء عبر الجسور.
خمسة وخمسون عاما ً واحتلال واستيطان وتلاشي كل الأحلام والأوهام تستوجب إعادة النظر في مجمل ما يجري على الجسور وإعادة الكرامة المسلوبة الى المواطن الذي أرهقته كل أساليب الابتزاز. لقد كنا والأردنيون شعبا ً واحدا ً ، وما زلنا نشعر كذلك، وقدمنا نحن وهم أرقى نموذجا ً للوحدة العربية التي لم تنفك عراها إلا بفعل الاحتلال ونحن بحاجة الى إعادة صياغة علاقاتنا على أسس بناءة تُعيد تحقيق تلك الوحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى