أقلام وأراء

زياد أبو زياد – الطائفية والصراع على رئاسة المجالس البلدية

المحامي زياد أبو زياد ٣-٤-٢٠٢٢م

كانت القيادة الفلسطينية برئاسة الشهيد الراحل أبو عمار منهمكة في نهاية عام 1995 في الإعداد للانتخابات التشريعية التي جرت لاحقا في كانون ثاني 1996.
ذات مساء كنت والمرحوم فيصل الحسيني في غزة بمكتب أبو عمار وكان الحضور لا يتجاوزون خمسة أشخاص وهم الدكتور نبيل شعث أطال الله في عمره والمرحومين الطيب عبد الرحيم وفيصل الحسيني وحسن طهبوب وأنا. وكان موضوع الحديث هو الانتخابات وكان الرئيس عرفات يولي أهمية خاصة للانتخابات وقد قال لي قبلها بأيام وفي لقاء لم يجمع أحدا ً سوانا ” ديروا بالكم، الثورات تُسرق، فلا تدعوا أحدا ً يسرق هذه الثورة”.
في تلك الليلة وفي الاجتماع الذي ضم الأخوة المذكورين أعلاه سألنا أبو عمار عن أحد الأخوة المسيحيين قائلا ً أن القس رياح أبو العسل اقترح عليه وألح عليه ترشيحه على قائمة فتح وقال أنا لا أعرفه وأريد أن أسمع رأيكم وأجاب بعضنا على تساؤله ووضعه لاحقا ً على قائمة فتح وفاز في الانتخابات التي أجريت لاحقا ً.
وفي تلك الليلة سأله المرحوم فيصل الحسيني عن عدد المقاعد المخصصة للقدس فقال خمسة مقاعد ثلاثة للمسلمين ومقعدين للمسيحيين. ولا أدري كيف وبشكل عفوي وبدون تفكير صرخت قائلا ً بأن أحدا ً في القدس لن يقبل بهذا العدد وأن لا تناسُب في توزيع الأعداد بين المسلمين والمسحيين وأنه إذا أراد إعطاء مقعدين للمسيحيين فلتكن خمسة مقاعد على الأقل للمسلمين.
فصرخ أبو عمار في وجهي قائلا ً: “نعم يا خويا! هو ال 300 سامري بطلع لهم مقعد!؟ ده قرار سياسي! الله يفتح عليك “. وأعطانا الانطباع بأنه يرفض ما اقترحته عليه. وفي نهاية الاجتماع عدنا للقدس يرافقنا الشعور بالخيبة.
وقد فوجئنا في اليوم التالي أن أبو عمار أخذ بما قلته وعارضه في حينه وقرر رفع عدد المقاعد المخصصة لمحافظة القدس الى سبعة مقاعد بدل خمسة ورفع عدد المقاعد المخصصة للمسلمين من ثلاثة الى خمسة.
هذه الحادثة أذكرها دائما ً كدليل على أن أبو عمار رغم كل ما كان يُشاع عن أنه فردي ويفعل ما برأسه كان على العكس يستمع للعشرات إن لم يكن للمئات من خلال اللجان والمجالس المختلفة التي كان يعقد اجتماعاتها ويستمع لأقوال من يحضرونها ويسجل الملاحظات ويأخذ بما يمكن أن يقتنع به ولا يوصد أو توصد من حوله الأبواب ويستمع فقط لعدد محدود جدا ً ممن هم حوله يحتكرون التأثير في قراراته ويحجبون عنه ما لا أو من لا يروق لهم.
كان أبو عمار حريص جدا ً على حفظ التوازن الاجتماعي والمجتمعي وعلى مراعاة مشاعر غير المسلمين والتأكيد لهم بأنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الوطني الفلسطيني.
وأذكر حين قرر أبو عمار أن يكون رؤساء المدن والبلدات ذات الأكثرية المسيحية أو ذات الطابع المسيحي بأن يكونوا من المسيحيين، أنه قال لنا ذات يوم ممازحا ً:” تخيلوا يكون رئيس بلدية بيت لحم تعمري ويروح يقابل البابا!”.
واليوم هناك عدد ٌ من المدن والبلدات والقرى التي أصدر أبو عمار في حينه قرارا ً بأن يكون رئيس البلدية فيها مسيحيا ً. والآن وبعد رُبع قرن من أول انتخابات فلسطينية للمجلس التشريعي وبعد عدة انتخابات للمجالس البلدية كان آخرها في ال26 من الشهر الماضي فإن علينا مراجعه حساباتنا وتفحّص المنظومة التي حاولنا أو نحاول بنائها.
لقد كانت قرارات أبو عمار في وقت اتهمنا فيه زورا ً من قبل بعض الجهات التبشيرية بأننا نلاحق المسيحيين ونسيء معاملتهم وكانت هناك حاجة لدحض هذه الاتهامات فكانت هناك الكوته المسيحية في المجلس التشريعي، وأنا مع أن تبقى لأهمية وجود ممثلين في المجلس التشريعي يسمعون الصوت المسيحي ويشاركون في أعمال المجلس. ولكن تجربة المجالس البلدية انزلقت وحادت عن الأسباب التي وجدت من أجلها. فقد رأينا مثلا ً أن هناك في رام الله من يُفرق بين المسيحي “الأصيل” أي الذي أصله من عائلات رام الله وبين المسيحي الذي قدم الى رام الله حتى اولئك الذين هاجروا الى رام الله حين كانت قرية في عالم 1948 وساهموا في بنائها وإعمارها الى أن وصلت ما هي عليه اليوم.
ونحن نشهد هذه الأيام صراعات وجولات تتعلق فيمن يتولى منصب رئاسة البلدية في كل من بيت لحم وبيت جالا من بين رؤساء كتل شاركت في الانتخابات ليس على أساس قوائم ذات فصائلية وبرامج سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وإنما قوائم تم تشكيلها على أساس عائلي وعشائري.
إن جذور الكارثة التي ألمت بالبلد الشقيق لبنان والتي أوصلته الى حضيض الانهيار السياسي والاقتصادي تكمن في أساسها في التركيبة الطائفية لمؤسسات الحكم والصراعات بين الطوائف المختلفة والتي شكلت أساسا ً ومنطلقا ً للفساد والفوضى. ونحن هنا في فلسطين لسنا بحاجة الى لبننة (من لبنان) النظام الفلسطيني حتى ولو على صعيد الحكم المحلي. وإذا أردنا أن نبني مجتمعا ً ديمقراطيا ودولة مدنية فإن علينا أن نتحرر من قيود الطائفية وأن نبني المؤسسات على أساس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.
وعليه فإنني أقترح الغاء كوتة رئاسة البلديات باستثناء بلدية بيت لحم بما لها من امتدادات دولية ودينية. وأقترح أن يتم انتخاب رؤساء البلديات في جميع المدن والبلدات الفلسطينية انتخابا مباشرا ً من قبل المواطنين وليس من قبل أعضاء المجلس البلدي وأن يوضع قانون ينظم الانتخاب المباشر لرؤساء البلديات بحيث يتوجب على رئيس البلدية أن يفوز بثلثي أصوات الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في العملية الانتخابية. وإذا لم يفز بأغلبية الثلثين أي من المرشحين في الجولة الأولى تُجرى جولة ثانية خلال ثلاثة أسابيع بين أعلى اثنين من المرشحين ويكون الفائز من يفوز بأغلبية الأصوات.
نحن بأمس الحاجة للتحرر من الطائفية وبناء مجتمع قائم على أسس ديمقراطية تحقق العدالة الاجتماعية.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى