6 صراعات ترسم الخريطة الجيوسياسية للبحر الأحمر - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

6 صراعات ترسم الخريطة الجيوسياسية للبحر الأحمر

0 176

زاك فيرتنلوفير  * –  19/12/2019 

يمثل البحر الأحمر منذ فترة طويلة رابطا حاسما في شبكة من الممرات المائية العالمية الممتدة من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى المحيط الهندي والمحيط الهادئ، وهو طريق استراتيجي واقتصادي أطلق عليه أحد مسؤولي الدفاع الأمريكيين لقب “الطريق السريع 95 للأرض”. ومن الإسكندر إلى نابليون، جعلت مركزية البحر الأحمر للتجارة البحرية النقاط البحرية الممتدة عبره موضع اهتمام جيوسياسي منذ قرون من الزمن. لكن الأعوام الأخيرة تشهد فصلا من التنافس الجيوسياسي غير المسبوق على البحر الأحمر، حيث تختفي بسرعة حدود المنطقتين اللتين يربطهما، وهما الخليج العربي والقرن الأفريقي.

وسعت القيادات السياسية في دول الخليج الغنية بالموارد، مدفوعة بطموحاتها لتحقيق النفوذ، إلى إبراز القوة عبر مساحات متزايدة من الأرض والبحر. ويشمل ذلك اليمن، موطن إحدى أكثر الحروب دموية في العالم، ومنطقة القرن الأفريقي، التي تستضيف ثلاثة تحولات سياسية حساسة للغاية. وفي كل دولة، تتنافس دول الخليج والمنافسون من الشرق الأوسط على الوصول والوكلاء والتأثير في صراع محتدم من أجل التفوق الإقليمي.

في الوقت نفسه، تم تغيير الديناميات الديمجرافية في هذه المنطقة بسبب الهجرة وتدفقات اللاجئين، حيث يتجاوز عدد سكان تلك المنطقة مجتمعين اليوم عدد سكان الولايات المتحدة. وقد تم إنشاء أول قاعدة بحرية خارجية للصين على الإطلاق عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. واحتل الاقتصاد الجغرافي للمنطقة مكانة بارزة؛ فبالإضافة إلى 700 مليار دولار من التجارة المنقولة بحرا التي تعبر بالفعل الطريق كل عام، تسبب طريق الحرير البحري الصيني الجديد، وتصاعد الاستهلاك في أفريقيا، واكتشافات المواد الهيدروكربونية في القرن الأفريقي، تسبب في زيادة اهتمام الدول الباحثة عن النفوذ بإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة.

وبعد 30 شهرا من العمل المحتدم، يبدو أن الجهود الأولية لإسقاط النفوذ لا زالت تسير في طريقها. وبينما يفكر أبطال قصة البحر الأحمر في تحركاتهم التالية، نستعرض معا خلاصة الأحداث بالنظر إلى 6 خطوط رئيسية سترسم معالم الموسم الجيوسياسي القادم في البحر الأحمر.

صراع النفوذ

عندما قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين (إضافة لمصر) العلاقات السياسية مع دولة قطر المجاورة عام 2017، وقاموا بفرض حصار اقتصادي عليها، فقد تم تصدير الخلاف الناتج عن ذلك، والذي نشأ في الأساس في مصر وتركيا، على الفور إلى القرن الأفريقي. وسارعت القوى المتخاصمة إلى كسب الأصدقاء والتعهدات بالولاء والتعاون، بما في ذلك الاندفاع الجنوني للسيطرة على الموانئ التجارية والمواقع العسكرية على ساحل البحر الأحمر في أفريقيا. وفي حين أظهرت هذه الدفعة من الاهتمام والمال الأجنبي إمكانات هائلة للتنمية الاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي، إلا أنها كشفت أيضا عن مدى الخطورة التي تتعرض لها المنطقة في خضم الصدامات الخارجية.

وعلى الرغم من أن أزمة الخليج أثارت موجات جديدة من التدخل، إلا أنها لم تكن البداية. وكانت السعودية والإمارات قد حولتا اهتمامهما للمرة الأولى إلى مصر عام 2011، حين شعرتا بالقلق من اضطرابات الربيع العربي وصعود جماعة “الإخوان المسلمون”. وفي عام 2014، قام السعوديون والإماراتيون بشراء النفوذ في السودان وإريتريا لمنع إيران من تأسيس موطئ قدم لها على الجهة الغربية للخليج. وفي العام التالي، أنشأ البلدان قاعدة عسكرية في القرن الأفريقي، من أجل تعزيز موقفهم في الحرب المتنامية ضد الوكلاء الإيرانيين والخصوم الإسلاميين في اليمن.

وبحلول عام 2017، تسبب التنافس بين القوى الكبرى في زيادة حدة الصراع حول البحر الأحمر. وعندما أنشأت بكين أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي في المنطقة الرابطة بين البحر الأحمر وخليج عدن، بدأت مؤسسة الدفاع الأمريكية، سواء في البنتاغون أو في مقر القيادة المركزية المسؤولة عن أفريقيا والشرق الأوسط والمحيط الهادئ والهندي، في إيلاء اهتمام وثيق للمنطقة. فمع وجود “جيش التحرير الشعبي الصيني” عند هذا التقاطع الحيوي لطرق التجارة وحرية الملاحة في جميع أنحاء العالم، أصبحت منطقة القرن الأفريقي فجأة تلعب دورا حاسما في التماس الكبير بين القوة العظمى. وفي الوقت نفسه، تسببت المصالح التجارية المضطربة وأزمات الهجرة في دفع الدول الأوروبية للاهتمام بتطورات البحر الأحمر.

اليمن والصومال

ويعتبر الخط الأول من بين خطوط الصراع الستة التي يجب الاطلاع عليها هو الحرب في اليمن، التي دفعت الرياض وأبوظبي عام 2015 إلى إنشاء مواقع عسكرية على الشواطئ الأفريقية القريبة. وعندما تسببت الخلافات مع جيبوتي، بسبب سوء إدارة مزعوم من قبل الإمارات لمينائها التجاري هناك، في منع قوات التحالف الخليجية من إنشاء منصة انطلاق في البلاد، نقل البلدان اهتمامهما شمالا إلى إريتريا. وبعد أن أقنع الزعماء السعوديون والإماراتيون الرئيس “أسياس أفورقي” بوعود الدعم المالي، بدأت الطائرات المقاتلة والسفن الحربية الإماراتية في شن هجمات من إريتريا باتجاه مدينة عدن الساحلية المتنازع عليها، على بعد 150 ميلا فقط إلى الشرق.

ومنذ ذلك الحين، فشلت المحاولات الدولية لوقف القتال في اليمن أو الوصول إلى تسوية سياسية. لكن الحرب استمرت لفترة أطول مما كان يأمله شيوخ الرياض وأبوظبي، وفي الوقت نفسه ظهرت المزيد من التوترات مع إيران في أراضي ومياه الخليج. ودفع ذلك القوات الإماراتية إلى التراجع في اليمن في الأشهر الأخيرة، بينما يضطر السعوديون، الذين لم يحققوا أهدافهم كاملة، إلى البقاء في محاولة صنع إنجاز ما.

وبعد هجمات طالت منشأتين نفطيتين سعوديتين في سبتمبر/أيلول 2019 كشفت عن ضعف القطاع الاقتصادي الأهم في البلاد، بدأت الرياض في التحدث مباشرة مع الحوثيين، عازمة على ما يبدو على إنهاء الصراع الكارثي، ووضع مسافة بين الحوثيين وطهران، وكذلك تلميع سمعتها المشوهة. وسوف تلعب العديد من القضايا دورها في تشكيل الصفقة النهائية التي سيتم بموجبها إنهاء الحرب في اليمن بما في ذلك الاعتبارات الإقليمية وحقوق السيطرة على الموانئ على ساحل اليمن البالغ طوله 1200 ميل، وضمانات سلامة مضيق باب المندب ذي الموقع الاستراتيجي.

وهنا يتكشف الخط الثاني الذي يجب متابعته عبر البحر الأحمر. ولا يزال الصومال أكثر دول القرن هشاشة، حيث كان لدى الرئيس “محمد عبدالله فارماجو” وحكومته بداية مضطربة بشكل خاص في خضم أزمة الخليج. وبعد أن قاوم “فارماجو” الضغط للانحياز إلى طرف بعينه في نزاع عام 2017، واتهامه للإمارات في وقت لاحق بالرشوة حين أعلن مصادرة 10 ملايين دولار من النقد الإماراتي على مدرج المطار في مطار مقديشو، توترت علاقات أبوظبي مع الحكومة المركزية. ونظرا لغضبها من العلاقات السياسية والمالية بين حكومة “فارماجو” والدوحة، حولت الإمارات اهتمامها ودفتر شيكاتها إلى أقاليم الصومال الفيدرالية وأطرافها الانفصالية. وأدى ذلك إلى نشوب معركة محتدمة من أجل النفوذ الأجنبي في الصومال، وفاقم من التصدعات العميقة التي تمزق البلاد.

لكن بعد عامين من القطيعة مع المشهد السياسي في مقديشو، والقلق المستمر بشأن النفوذ التركي والقطري، يتطلع الإماراتيون إلى إعادة تأسيس أنفسهم في العاصمة قبل انتخابات الصومال عام 2020. ففي حين أن دول الخليج استخدمت النقود لكسب النخب المحلية، فقد أثبت الصوماليون أيضا براعتهم الكبيرة في التلاعب بأدوار الرعاة الخارجيين في خدمة مصالحهم الانتخابية الخاصة. ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أننا ننتظر موسما آخر من الخدع وتوجيه أصابع الاتهام والمساهمات غير المشروعة.

إثيوبيا والسودان

ويتعلق الخط الثالث بالتغيير التحولي في إثيوبيا والسودان، حيث يحاول القادة الجدد إحداث تحولات سياسية قوية بعد التخلص من الأنظمة البائدة. وتسعى دول الخليج للتأثير على مجريات السياسات في كلا البلدين، ويبدو أنها حققت نتائج متباينة في ذلك.

ورغم أن المؤسسة المسيحية الأرثوذكسية في إثيوبيا ظلت تشعر بالقلق منذ فترة طويلة من النفوذ الإسلامي من الخارج، إلا أن رئيس الوزراء “آبي أحمد” قبل حزمة المساعدات والاستثمارات التي تمس الحاجة إليها من الإمارات بقيمة 3 مليارات دولار في أبريل/نيسان 2018. وبعد أشهر، استضافت العائلة المالكة السعودية والإماراتية “آبي أحمد” والرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” للاحتفال باتفاقية السلام التاريخية، التي منحت “آبي” في وقت لاحق جائزة نوبل للسلام لهذا العام. وتحدث “آبي” عن تنشيط الموانئ البحرية وأنابيب النفط والاتصالات اعتمادا على الاستثمارات الخارجية، لكنه سعى بحكمة لتحقيق التوازن في علاقاته الخارجية، وأتبع تواصله مع السعودية والإمارات بزيارات رسمية إلى قطر و(إسرائيل).

وكان صعود “آبي” مصحوبا بانفتاح سياسي تاريخي في إثيوبيا. وبينما تم الاحتفال برؤيته الحديثة على نطاق واسع، إلا أن التغيير قد أدى أيضا إلى اضطرابات اجتماعية وعدم يقين سياسي وتصاعد في الخطاب الإثني القومي. ووضع الشركاء الخليجيون، والكثيرون في الغرب، إيمانا شخصيا كبيرا في شخص “آبي” كمصلح كاريزمي، على أمل أن يتمكن من قيادة تنمية سياسية واقتصادية مستقرة وإتاحة الوصول إلى سوق يبلغ قوامه 100 مليون مستهلك. ويمكن للمساعدة من الشركاء العرب الأثرياء أن تساعد في تعزيز الانتقال في إثيوبيا، ولكن المصالح طويلة الأجل لدول الخليج وإثيوبيا سيتم خدمتها على أفضل وجه إذا تجنبت تلك الاستثمارات لمس الوتر الحساس للسياسات العرقية المعقدة في البلاد. كما ينبغي توجيهها نحو المؤسسات والقطاعات التي تخدم جميع الإثيوبيين، وليس نحو خدمة مصالح فرد أو أفراد معينين.

وفي السودان، عندما اجتاحت الاحتجاجات الشبيهة بالربيع العربي البلاد عام 2018، شعرت الرياض وأبوظبي أن وقت الرئيس “عمر البشير” قد حان أخيرا. وبعد مغازلة الديكتاتور الانتهازي الشهير لأعوام، أوقف الرعاة الخليجيون المساعدات النقدية التي دعمت نظامه، ما عجل بزواله في أبريل/نيسان 2019. وبالمثل، شعرت السعودية والإمارات بعدم الارتياح إزاء علاقات نظام “البشير” مع قطر وتركيا، ويبدوا أنهم رأوا ثورة السودان من خلال منظور الثورة المصرية، وهو ما دفع البلدين إلى التحرك سريعا من أجل تحجيم الإسلام السياسي وصياغة شريك سوداني ودود جديد. وبالإضافة إلى تقديم مليارات الدولارات من المساعدات، استثمر السعوديون والإماراتيون في بوليصة تأمين قصيرة الأجل لضمان الاستقرار عبر دعم حكم قوي يهيمن عليه العسكريون.

لكن التدخلات الخليجية قوبلت بالغضب في شوارع الخرطوم. وجاءت الهتافات الرافضة للتدخل من الجماهير المجتمعة التي رأت أن القوى الخليجية تسعى لاختطاف ثورتها. ودفع ذلك السعوديين والإماراتيين إلى تعديل خطتهم، وظهرت في نهاية المطاف حكومة مدنية وعسكرية مختلطة. وعلى الرغم من أنهم ما زالوا يتحوطون في رهاناتهم، تعهد الشركاء الخليجيون بدعم سياسي ومالي للسلطة الانتقالية. ورغم ذلك، لا يزال يتعين على حكومة السودان الجديدة التغلب على الانقسامات الداخلية وإعادة تشكيل دولة دمرها الفساد وسوء الإدارة والعزلة. وسوف يعتمد نجاحها بشكل كبير على المساعدات الخارجية، ليس أقلها من دول الخليج التي يمكنها دفع الأموال بسرعة أكبر من الغرب. وتعد التحولات في السودان وإثيوبيا محفوفة بالمخاطر، وسوف تسهم بلا شك في تشكيل مستقبل منطقة القرن وسباق النفوذ في البحر الأحمر الأوسع لجيل قادم على الأقل.

منتدى البحر الأحمر

ويتعلق الخط الرابع بإنشاء ما يسمى بمنتدى البحر الأحمر. وقد ذكر تقرير جديد لمؤسسة “بروكينجز” أن الدبلوماسيين من دول ضفتي البحر الأحمر وأوروبا استغرقوا فترات طويلة من العام الماضي في وضع الأسس لما يرون أنه منتدى للحوار متعدد الأطراف. وتدور الفكرة حول إنشاء حدث يمكن أن تتجمع فيه الدول الساحلية لمناقشة المصالح المشتركة وتحديد التهديدات الناشئة وتصميم الحلول المشتركة. وفي تجسيده المثالي، يمكن للمنتدى أن يساعد الدول الأفريقية والخليجية في مواجهة قضايا متنوعة مثل تنمية التجارة، والبنية التحتية، والأمن البحري، والهجرة، وإدارة الصراع. وكحد أدنى، يمكن لمثل هذا المنتدى رفع تكاليف النشاط المزعزع للاستقرار من قبل أي دولة منفردة، وتزويد الدول الأفريقية بمنصة لإشراك دول الخليج في صناعة السياسات بشكل مؤسسي.

لكن الرؤى المختلفة حول منتدى البحر الأحمر لا تزال قائمة، مثل كيف ينبغي تنظيمه، ومن الذي يجب دعوته، وما هي أولوياته. وسوف تحدد الإجابات على هذه الأسئلة ما إذا كان المنتدى قد يخدم المصالح الجماعية للدول على كلا الضفتين، أو ما إذا كان سيدعم خدمة أجندات أضيق. ويشعر بعض المراقبين بالقلق من أن السعوديين، الذين قفزوا على المبادرة المصرية منذ ذلك الحين ولعبوا دورا رائدا في إنشاء المنتدى، قد يركزون بشكل لا مبرر له على مواجهة إيران.

ويتعلق الخط الخامس بالديناميات الداخلية للصراع الخليجي. وقد بدأت أزمة الخليج قبل أكثر من عامين بجرعة من الدراما المكثفة شملت حصارا سعوديا إماراتيا لدولة قطر، وقائمة تضم 13 مطلبا، ومؤامرة مزعومة لإسقاط أمير البلاد. لكن الخلاف لم ينتج سوى القليل منذ ذلك الحين، بينما أدى إلى تعطيل التدفقات التجارية، وزعزع استقرار المناطق المجاورة، وترك الخصوم الخليجيين فريسة للتغول الإيراني. وعلى الرغم من أن الرئيس “ترامب” قام في البداية بتكرار الخطاب المعادي لقطر من قبل خصومها كالببغاء، إلا أنه قام فيما بعد بدعوة أمير قطر لزيارة البيت الأبيض في يوليو/تموز. وفي حين كانت دول الحصار تأمل أن يلعب البيت الأبيض دورا في الضغط على الدوحة، قطعت الصور الودية لـ”ترامب” مع أمير قطر أي أمل لدى السعوديين والإماراتيين في استسلام الدوحة.

ويعد هذا من بين الأسباب التي جعلت كلا من الرياض وأبوظبي يشرعان في إعادة تقييم نتائج السياسات الخارجية للتحالف بينهما، وهو ما تسبب في ظهور المسائل الخلافية إلى السطح بما في ذلك حرب اليمن والموقف المتباين تجاه إيران، والمخاوف الإماراتية حول سمعة الرياض العالمية المزعجة، والمنافسات الاقتصادية الكامنة بين البلدين. ورغم أنه من غير المرجح أن يفترق الحليفان في طريقين منفصلين، فإن شكل الشراكة بينهما قد يكون مختلفا في الموسم المقبل.

أما الخط السادس والأخير فيتعلق بالمنافسة بين القوى الكبرى. وفي وصفه للبحر الأحمر بأنه “الطريق السريع 95” في العالم، في إشارة إلى الطريق السريع الممتد من الساحل الشرقي إلى فلوريدا، كان الضابط العسكري الأمريكي يؤكد أهمية الممر المائي بالنسبة لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تعنى الحفاظ على المشاعات العالمية، بما في ذلك المسارات البحرية المفتوحة.

وتشمل نقاط المرور الرئيسية في البحر الأحمر قناة السويس المصرية، والمضيق الذي يبلغ عرضه 20 ميلا بين اليمن وجيبوتي، المعروف باسم “باب المندب”. ويعرّف الاستراتيجيون العسكريون هذا الأخير بأنه ممر يمكن إغلاقه، إلى حد كبير، في حالة حدوث نزاع كبير. ولا يعد “باب المندب” فقط موطنا لكل من القواعد العسكرية الأمريكية والصينية، ولكن يخضع أيضا لمراقبة من قبل الحرس الثوري الإيراني كهدف محتمل إذا وجه خصوم طهران أنظارهم إلى مضيق هرمز.

هل تبرز واشنطن من جديد؟

ظلت إدارة “ترامب” في أغلب الأوقات على الهامش في صراع البحر الأحمر، ولم تشارك في الجهود المبذولة لإنشاء منتدى على البحر الأحمر رغم أن المسؤولين الأوروبيين، الذين يدركون أهمية المنطقة وحدود نفوذهم مع اللاعبين الرئيسيين، دعوا إلى زيادة المشاركة الأمريكية، لكن جهودهم وقعت على آذان صماء بسبب البيروقراطية الأمريكية وعدم وجود جهة سياسية أو عسكرية مختصة تحديدا بالتعامل مع التحديات في منطقة البحر الأحمر.

لكن هذا النهج يجب أن يتوقف. وينبغي على واشنطن أن تستعيد تواجدها خلال الموسم الجيوسياسي الجديد للصراع حول البحر الأحمر نظرا لأن غياب الولايات المتحدة المستمر يُحبط الحلفاء ويفوت فرصا لتعزيز المصالح الأمريكية. وتوجد طرق بسيطة للبدء، دون حاجة لإصلاح المؤسسات أو إعادة رسم الأوامر القتالية.

على سبيل المثال، ينبغي أن يقوم مساعدو وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وأفريقيا بجولة دبلوماسية في منطقة البحر الأحمر. وربما يشاركون في رعاية نوع من المؤسسات مثل “منتدى البحر الأحمر” الذي لا يمكن للولايات المتحدة أن تتخلف عنه. وبالنظر إلى صمت الولايات المتحدة حتى الآن، فإن مجرد إظهار الاهتمام الأمريكي قد يغير الحسابات في المنطقة، ويكشف عن فرص للتعاون، ويساعد في دفع الحلفاء على كلا الضفتين نحو التعاون والتكامل.

وكان تاريخ علاقة منطقة الخليج مع القرن الأفريقي مقسما بين عهود التعاون وعقود الانقسام. ومع زيادة المنافسة حول الطريق البحري الضيق في ظل تغير مراكز القوى، وزيادة الهجرة، والمطالبات الشعبية بالديمقراطية، والتنافس التجاري البحري الكبير، أصبحت الحدود عبر البحر الأحمر أكثر سيولة كما لم يحدث من قبل، بما يعني أن المنطقة تتهيأ لنظام إقليمي جديد لا ترغب أي من القوى الإقليمية والعالمية في التخلف عن ركبه.

*باحثة بمركز كارنيغي للشرق الأوسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.