ريسبونسيبل كرافت- جورجيو كافييرو- هكذا يختلف قرار التطبيع السوداني عن اتفاقات الإمارات والبحرين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ريسبونسيبل كرافت- جورجيو كافييرو- هكذا يختلف قرار التطبيع السوداني عن اتفاقات الإمارات والبحرين

0 73

ريسبونسيبل كرافت  –  جورجيو كافييرو   – 8/10/2020

منذ أن طبعت الإمارات والبحرين العلاقات مع (إسرائيل) رسميا، انتشرت التكهنات بأن السودان سوف يحذو حذوهما قريبا. 

وأفادت تقارير بأن إدارة “ترامب” تقترح إزالة السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب للمرة الأولى منذ 27 عاما مقابل اتفاق دبلوماسي بين الخرطوم وتل أبيب.

وبالرغم أن كل من إدارتي “أوباما” و”ترامب” اتخذتا خطوات لتحسين العلاقات بشكل كبير مع السودان، بما في ذلك رفع بعض العقوبات الاقتصادية، إلا أن استمرار إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب يظل عقبة رئيسية أمام التخفيف من الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد.

ويمنع هذا التصنيف الحكومة الأمريكية من تقديم مساعدات اقتصادية للسودان، ويتطلب من واشنطن معارضة القروض والمنح للخرطوم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين يهيمن عليهما الغرب، ما يترك البلاد معتمدة بشكل كبير على أعضاء مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما الإمارات والسعودية، من أجل استقرار الاقتصاد.

ومن الواضح أن إدارة “ترامب” وحلفائها داخل المؤسسات المالية الدولية تضغط على السودان لتصبح الدولة العربية القادمة التي توقع اتفاقية تطبيع مع (إسرائيل)، ويفضل أن يكون ذلك قبل الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.

وفي الوقت نفسه، تحاول الإمارات جاهدة إقناع الحكومة السودانية، وكذلك الأنظمة الأخرى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بأن تحذو حذوها هي والبحرين في إقامة علاقات رسمية مع (إسرائيل)، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من عزلة أبوظبي في هذه القضية.

وظهر الدعم الإماراتي لجهود إدارة “ترامب” لإدخال السودان إلى زمرة المطبعين عندما التقى وزير العدل السوداني “ناصر الدين عبد الباري” بمسؤولين أمريكيين في أبوظبي، في 21 سبتمبر/أيلول، لمناقشة إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والقضايا الثنائية الأخرى، بما في ذلك تعويض الضحايا الأمريكيين عن الأعمال الإرهابية التي رأت المحاكم الأمريكية أن السودان متورط فيها.

وانتهت المحادثات دون اتفاق. وقال مسؤول سوداني لصحيفة “نيويورك تايمز” في وقت لاحق إن واشنطن وأبوظبي عرضتا على الخرطوم مساعدة واستثمارات مجتمعة بقيمة 800 مليون دولار، تقدم (إسرائيل) منها 10 ملايين دولار.

لكن السودان رفض العرض بحجة أن الحكومة الجديدة تطلب أكثر بكثير، بين 3 و4 مليارات دولار، للتغلب على الأزمة الاقتصادية الحالية.

ووفقا لعدد من الخبراء في السودان، فإن الضغط الخارجي على السودان لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات مع (إسرائيل) في ظل الظروف الحالية يمكن أن يؤثر سلبا على انتقال البلاد الهش إلى الديمقراطية.

وقال “أحمد سليمان”، المحلل في “تشاتام هاوس” في لندن: “يعد تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) موضوعا حساسا من الناحية السياسية في السودان، وهو موضوع تختلف حوله الآراء. ونظرا لعدم استقرار المرحلة الانتقالية، فمن المحتمل أن يؤدي إلى مزيد من الانقسامات الداخلية، بما فيذلك بين عناصر قوى التغيير”.

ومن المرجح أن تتم عملية التطبيع بشكل مختلف تماما في السودان عنها في الإمارات أو البحرين.

وهناك عوامل عديدة تنفرد بها السودان من شأنها أن تميز أي اتفاق دبلوماسي بين الخرطوم وتل أبيب عن اتفاقيات التطبيع الإماراتية والبحرينية الإسرائيلية الموقعة في البيت الأبيض الشهر الماضي.

•تاريخ العداء

أولا، قد يشكل اتفاق سوداني-إسرائيلي “اتفاق سلام” حقيقي، على عكس اتفاقيات التطبيع الخليجية. وخاض السودان حربا رسمية ضد (إسرائيل) عامي 1948 و1967؛ بينما بقيت الإمارات والبحرين خارج كل النزاعات العربية المسلحة مع (إسرائيل).

بالإضافة إلى ذلك، قامت تل أبيب، كجزء من عقيدة “التحالفات على الأطراف”، بتدريب وتسليح جماعة أنيانيا، وهي جماعة انفصالية مسيحية في جنوب السودان قاتلت الحكومة السودانية في الحرب الأهلية السودانية الأولى من 1955 إلى 1972. واتهمت الخرطوم تل أبيب مرارا بدعم الجماعات المتمردة في دارفور مرة أخرى خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وإذا كان السودان ينظر إلى (إسرائيل) على أنها تهديد خطير، فإن الشعور كان متبادلا إلى حد ما، خاصة بعد الانقلاب العسكري في السودان عام 1989 بدعم من الإسلاميين.

وفي عهد “عمر البشير”، قدمت الخرطوم الدعم في أوقات مختلفة لعدد من الفصائل الفلسطينية والعربية، بما في ذلك منظمة “أبو نضال” و”حماس” و”القاعدة” و”حزب الله” اللبناني.

وأدت شراكة الحكومة السودانية القوية مع إيران إلى تعزيز نظرة (إسرائيل) إلى التهديد الذي تشكله الخرطوم. وفي أعوام 2009 و2011 و2012، نفذ الإسرائيليون ضربات عسكرية في السودان لمنع التدفق المزعوم للأسلحة عبر السودان إلى غزة عبر مصر وربما أيضا لإرسال رسالة إلى طهران بشأن إبقاء أسلحتها خارج أفريقيا والبحر الأحمر.

ومع وجود “البشير” على رأس السلطة، استخدم النظام السوداني تلك الأحداث لتعزيز الروح القومية العربية المعادية للصهيونية، على الصعيدين المحلي والإقليمي.

وقال رئيس مجلس النواب السوداني، “أحمد إبراهيم الطاهر”، بعد هجوم عام 2012: “إذا كانت (إسرائيل) تستهدف السودان بسبب وقوفها إلى جانب المقاومة الفلسطينية، فإن السودان سيواصل السير في هذا الطريق بما يمليه الدين والتاريخ والمصير المشترك مع الشعب الفلسطيني”.

•المجتمع المدني والتعددية السياسية

ومن الأمور ذات الصلة أيضا بمسألة التطبيع حقيقة أن السودان، على عكس الإمارات، لديه مجتمع مدني نابض بالحياة يتألف من نقابات عمالية وجمعيات مهنية ومنظمات غير حكومية أخرى.

وأظهرت فصائل مستقلة مختلفة مرونتها وقوتها خلال ثورة 2018-2019، ومرة ​​أخرى عندما حاول الجيش الاستيلاء على السلطة بعد فترة وجيزة من الإطاحة بـ”البشير”.

ويعارض كثير من هؤلاء، بما في ذلك “حزب الأمة الوطني” و”الحزب الشيوعي” والجماعات القومية العربية، تطبيع العلاقات مع (إسرائيل)، مشيرين إلى ضرورة التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية.

وحذر “بايتون كنوبف” و”جيفري فيلتمان”، في تقرير حديث لمعهد السلام الأمريكي، قائلين: “إذا كان التطبيع ناتجا عن استغلال اليأس الاقتصادي والإنساني في السودان، فسيكون الأمر أكثر استقطابا بين الجمهور، وسيعجل بتآكل الدعم للعملية الانتقالية”.

وليست فقط قوى المجتمع المدني الأكثر ليبرالية وعلمانية هي التي من المرجح أن تعارض التطبيع. بل إن الفصائل الإسلامية التي ما زالت قوية ستعتبر مثل هذه الخطوة استفزازا قد يؤدي إلى تطرف أتباعها.

وسيتم استثمار قضية التطبيع من قبل شخصيات النظام السابق والجماعات الإسلامية التي تسعى لعرقلة الحكومة.

ولا شك في أن هذه العوامل تعززت في أواخر أغسطس/آب عندما رفض رئيس الوزراء “عبد الله حمدوك” تطرق وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” إلى اعتراف السودان بـ (إسرائيل). وقال “حمدوك” لـ”بومبيو” إن الحكومة السودانية “ليس لديها تفويض” لتوقيع اتفاق مع (إسرائيل) قبل استكمال انتقال البلاد إلى الديمقراطية.

•لحظة هشة

ولا يخفى على أحد هشاشة الوضع السياسي في السودان. وبعد 3 عقود من الديكتاتورية، يرتكز الاستقرار على توازن دقيق بين مركزي ثقل، “الدولة العميقة” التي يهيمن عليها الجيش من جهة، ومكون بقيادة مدنية أكثر شعبية وشرعية في نظر معظم المواطنين كمركز آخر، وهما يشتركان معا في الحكم وفق اتفاقية تقاسم السلطة الموقعة في أغسطس/آب 2019.

وبينما تفضل “الدولة العميقة”، التي تدعمها الإمارات، اتفاقا مع (إسرائيل)، يبدو أن العنصر المدني والأكثر ديمقراطية مصمم في الوقت الحالي على تأكيد استقلال السودان عن الإمارات ومقاومة الضغط من واشنطن، وفقا لـ “جليل حرشاوي”، الخبير في شؤون المنطقة.

وبالرغم من ذلك، فمع وضع الاقتصاد السوداني في مثل هذه الظروف الرهيبة، قد يتبين أن الضغط الأمريكي والإماراتي على السودان لأجل التطبيع مع (إسرائيل) لا يمكن مقاومته، بالرغم من المخاطر المحلية.

وفي النهاية، يهدد ضغط واشنطن وأبوظبي على الخرطوم للتواصل رسميا مع (إسرائيل) بتقويض شرعية الحكومة الانتقالية.

وإذا كانت الولايات المتحدة تريد حقا دعم التحول الديمقراطي في السودان، فإن فك ارتباط تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب عن موقف الخرطوم بشأن (إسرائيل) سيساعد كثيرا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.