ريسبونسيبل ستيتكرافت - غاريث سميث - عودة “الإمبراطورية” في السياسة الدولية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ريسبونسيبل ستيتكرافت – غاريث سميث – عودة “الإمبراطورية” في السياسة الدولية

0 39

ريسبونسيبل ستيتكرافت –  غاريث سميث* –19/7/2020

مر أكثر من 70 عامًا على غروب الشمس على “الراج” البريطاني. وانقضى قرن منذ أن أعلن الرئيس الأميركي وودرو ويلسون انتصار مبدأ “تقرير المصير الوطني” على أنقاض سلالات رومانوف وهابسبورغ. ومع ذلك، ثمة الآن حديث متزايد عن “الإمبراطورية”.

في مؤتمر ميونيخ الأمني الذي انعقد في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قال مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، إن لدى كل من روسيا والصين “رغبات إمبراطورية”. وفي الشهر نفسه، في لشبونة، ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن “إمبراطورية إيران تترنح”.

وثمة كتب حديثة لكبار الأكاديميين، والتي تردد صدى الثيمات الإمبراطورية. في “إمبراطورية أردوغان”، يجادل سونير كاجابتاي بأن الكثير من سلوك تركيا الحالي -في ليبيا وسورية وأماكن أخرى- ينبغي أن يُفهم في سياق الماضي العثماني. ويصوِّر فيلم “مفارقة بوتين” لريتشارد ساكوا الرئيس الروسي على أنه غير مبالٍ بنهاية الشيوعية في حين أنه ينظر إلى زوال الاتحاد السوفياتي على أنه “كارثة جيوسياسية كبرى”. وفي “حرب المائة عام على فلسطين” The Hundred Years War on Palestine، يحلل رشيد الخالدي قرنًا من “حرب صهيونية استعمارية شنت على السكان الأصليين… لإجبارهم على التخلي عن وطنهم”.

إمبراطورية. استعمار. إمبريالية.

هل أصبح استخدام هذه الكلمات مفرطاً وتبسيطياً لدرجة أنها فقدت معناها؟ يمكن لكل من يبحث عن نظرة عامة تاريخية أن يتحول إلى إمبراطورية دومينيك ليفين في كتابه: “الإمبراطورية الروسية وخصومها”، الذي نُشر لأول مرة في العام 2000. وقد هاجر ليفين من كونه مؤرخًا لروسيا القيصرية -التي توسعت إمبراطوريتها بشكل كبير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر- إلى السياسات المقارنة في مدرسة لندن للاقتصاد.

بدلاً من تقديم تعريف محدد وواضح لـ”الإمبراطورية”، استكشف ليفين الطرق التي استخدمت بها الكلمة منذ مفهوم “منطقة الهيمنة”، أو “الإمبراطورية” imperium الرومانية -الهيمنة، ومنها الإمبريالية- حيث فحص أولاً العلاقات بين الإمبراطورية والمستعمرة colonia، ومنها الاستعمار colonizationوالاستعمارية colonialism. ووجد ليفين سمات مشتركة في أربع إمبراطوريات -روسيا-الاتحاد السوفياتي؛ وبريطانيا؛ وإمبراطورية هابسبورغ؛ والعثمانية. وخلص إلى أن الإمبراطورية هي “قوة عظمى جداً تركت بصمتها على العلاقات الدولية لحقبة… كيان سياسي يحكم مناطق واسعة والعديد من الشعوب… ليست كياناً سياسياً يحكم بموافقة صريحة من شعوبه”.

كمؤرخ، تجنب ليفين استخدام المعايير الديمقراطية الليبرالية الحديثة في تحليل الماضي. في الواقع، لفت الانتباه إلى ملامح الإمبراطوريات السابقة التي تبدو اليوم “تقدمية”. وكتب أن التعددية القومية وغيرها من سياسات الإمبراطورية الرومانية المقدسة وإمبراطورية هابسبورغ تقارن جيداً مع “الأمة اليعقوبية أو القومية العرقية المحمومة التي دمرت أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين”.

في الوقت نفسه، قد يكون لدينا الكثير لنتعلمه عن سلوك روسيا اليوم من التاريخ السوفياتي أو القيصري. في “مفارقة بوتين”، يشير ريتشارد ساكوا إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين برر في العام 2014 ضم شبه جزيرة القرم، وهي جزء من أوكرانيا المستقلة منذ العام 1991، بفشل نظام الأمن الأوروبي، وكدفاع عن “العالَم الروسي”.

وكان الروس قد استولوا على شبه جزيرة القرم المسلمة بشكل رئيسي في القرن الثامن عشر من الإمبراطورية العثمانية، وهو ما دفع في ذلك الحين نحو 100 ألف من التتار إلى الفرار. وكتب المؤرخ البريطاني ألان تيلور AJP Taylor، أن البريطانيين والفرنسيين شاركوا إلى جانب القوات العثمانية في حرب القرم 1853-1856، “ضد روسيا أكثر مما هو تفضيل لتركيا”.

في حالة تركيا، أخبرني سونر كاجابتاي أن كلمة “إمبراطورية”، في حين أنها قد تكون مفيدة في تحليل حكم أردوغان، فإنه لا ينبغي التركيز عليها كثيرًا. ويقول: “الدول التي كانت في يوم من الأيام قوى كبرى -تركيا وروسيا والمملكة المتحدة- لديها إحساس متضخم بالحنين إلى أيام ذروتها. ويترافق ذلك مع استعداد لاستلهام السياسيين الذين يمكنهم اختيار هذه الرواية، وتجسيدها. هكذا أرى دور أردوغان في اقتراح أن عودة إلى المجد العثماني في السياسة الخارجية هي شيء ينبغي أن يسعى إليه الأتراك بلا كلل”.

مثل الإمبراطورية العثمانية، يتخذ التعامل الخارجي لأردوغان مسحة إسلامية، ولو أن ذلك يأتي في الشكل المختلف والمتخفي من العلاقات المصنوعة كيفما اتفق مع الجماعات المنتسبة إلى -أو المستوحاة من- الإخوان المسلمين. من خلال دعم الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، اكتسبت أنقرة خصومة دائمة مع الديكتاتورية العسكرية المصرية، والتي تتجلى الآن في ليبيا. وكان الاتفاق البحري بين تركيا وحكومة فايز السراج المحاصرة في طرابلس مصمماً جزئياً لاختراق ما تعتبره أنقرة محوراً يتكون إلى الجنوب منها، والمكون من إسرائيل ومصر واليونان وقبرص.

للإمبراطوريات عواصم إمبراطورية. ولم يرُق تصنيف أردوغان لآيا صوفيا؛ أكثر أماكن الجذب السياحي شعبية في تركيا، كمسجد للمسلمين المتحمسين فحسب، وإنما راق للعديد من الأتراك الذين يشعرون بالحنين إلى الأيام العثمانية قبل أن يقوم كمال أتاتورك في العام 1934 بتحويل المسجد آنذاك، والذي كان كاتدرائية قبل غزو الأتراك للمدينة في العام 1453، إلى متحف.

مثل إسطنبول، ما تزال لطهران قصور وصروح من ماضيها الإمبراطوري. كان الإرث الملكي في بعض الأحيان غير مريح للجمهورية الإسلامية التي تأسست في العام 1979، لكن التصريحات الرسمية غالبًا ما تشير إلى التاريخ الطويل لـ”الأمة الإيرانية العظيمة”، التي كانت دائمًا متعددة اللغات. ولا يأتي الحديث الأكثر سلبية عن القوة الإيرانية من نتنياهو فحسب: في نشرة أخبار “سي. إن. إن.” في 4 كانون الثاني (يناير)، تحدث روبرت باير، وهو عميل سابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية يعمل لدى الشبكة الإخبارية كمحلل أمني، عن “إمبراطورية إيرانية تمر عبر بلاد الشام”.

يطلق جماعة تنظيم “داعش” وغيرهم من الإسلاميين السنة المتشددين بشكل روتيني على إيران وحلفائها العرب اسم “الصفويون”، في إشارة إلى السلالة الصفوية التي حكمت من 1501-1736، والتي لم يقتصر حكمها على إيران اليوم، وإنما ضمت مناطق نفوذها بشكل متقطع أجزاء من آسيا الوسطى وعراق اليوم. ويشيع استخدام مصطلح الصفوي عادة عند المتمردين السوريين الذين يقاتلون الرئيس بشار الأسد الذي تدعمه طهران، جزئياً بسبب دلالاته الطائفية، بالنظر إلى أن الصفويين هم الذين حولوا إيران فعليًا إلى المذهب الشيعي.

يتجنب المسؤولون الأميركيون بشكل عام استخدام مصطلح “إمبراطوري” أو “إمبراطورية” لوصف إيران اليوم، مفضلين التأكيد على وجود انقطاع بين الجمهورية الإسلامية ونظام شاه محمد رضا السابق، الذي كانت تدعمه واشنطن. ولأنهم يحتجون بأن أي مشاكل مع إيران تنبع من “نظامها”، فإنهم يتفادون إظهار مدى انسجام سياسة إيران الخارجية وأعمالها اليوم -بما في ذلك البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي المحتمل- مع سياساتها في عهد الشاه.

وهناك حالة أخرى يتجنب المسؤولون الأميركيون الحديث فيها عن الإمبراطورية، وإن كان ذلك يأتي لأسباب مختلفة: إسرائيل. ومع ذلك، يقترح العمل الحديث الشامل الذي ألفه رشيد الخالدي، “حرب المائة عام على فلسطين”، أن إسرائيل كانت منذ البداية مشروعًا استعماريًا. فقد ارتفعت نسبة عدد اليهود في فلسطين من 8.6 في المائة من أصل السكان البالغ عددهم 700.000 نسمة في العام 1918 إلى 28 في المائة من أصل 1.5 مليون في العام 1939؛ حيث سهّل البريطانيون، الذين حكموا فلسطين بموجب تفويض دولي من العام 1919 إلى العام 1948، هجرتهم إلى البلد. ويشير الصحفي الإسرائيلي توم سيغيف، في كتابه “فلسطين واحدة كاملة” One Palestine, Complete، إلى أن الدولة اليهودية التي اقترحتها الأمم المتحدة في العام 1947 التي تغطي 56 في المائة من مساحة فلسطين، والأصغر مما أصبحت إسرائيل في العام 1947-1948، كانت تضم أغلبية طفيفة من غير اليهود.

يقول الخالدي: “… هناك شعبان في فلسطين الآن، بغض النظر عن كيفية ظهورهما، ولا يمكن حل النزاع بينهما طالما أن الوجود الوطني لكل منهما يواجَه بالإنكار من الطرف الآخر. ولا يمكن لقبولهما المتبادل سوى أن يستند إلى المساواة الكاملة في الحقوق… لا يوجد حل مستدام محتمل آخر، باستثناء الفكرة التي لا يمكن تصورها عن قيام أحد الشعبين بإبادة الآخر أو طرده”.

قد تلجأ إمبراطورية -كيان سياسي، على حد تعبير ليفين، “والتي تحكم مناطق واسعة والعديد من الشعوب”- إلى مثل هذه الإجراءات. والكثير منها فعل. فقد نقل ستالين سكانًا بأكملهم، بما في ذلك الفنلنديون والبولنديون والتتار: وقام بترحيل ألمان الفولغا خلال الحرب العالمية الثانية وأطلق مجاعة في أوكرانيا في ثلاثينيات القرن الماضي -جزئيًا كوسيلة للسيطرة.

ولكن، إذا كان القرن العشرون قد شهد أشكالاً من البربرية، فقد شهد أيضًا ظهور مفهوم الجرائم ضد الإنسانية. وأدى زوال الإمبراطوريات مع تسويات السلام 1919-2020، وموجة إنهاء الاستعمارات بعد العام 1945، إلى ظهور نظام جديد لا يقتصر فقط على ضمان تقرير المصير الوطني، وإنما يعتنق أيضاً مبدأ سيادة القانون الدولي. ومع ذلك، فإن مشاكل اليوم في سورية، وإيران، وشرق المتوسط وشبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى نهاية “عملية السلام” الإسرائيلية الفلسطينية، تعكس جميعها ضعف الأنظمة متعددة الأطراف وتآكل القانون الدولي.

يقول منتقدو التعددية إن القوة هي التي ستشكل دائماً الشؤون العالمية. وهو ما يعني أن خطوة صغيرة قد تبقت فقط قبل رؤية الإمبراطوريات كوسيلة لتحقيق الاستقرار. وقد جادل روبرت كابلان Robert Kaplan في العام 2014 في مجلة “الأتلانتيك” دفاعاً عن “إمبريالية أميركية معتدلة” بالاعتماد على تجارب الإمبراطوريات السابقة -والتي يكون من شأنها أن تفهم “الإمبريالية، ليس كما كانت تُفهم تقليديًا، وإنما كما كانت تُمارس فعلياً عبر التاريخ”.

سوف يميل ليفين، الذي قضى حياته الأكاديمية في دراسة الإمبراطورية، إلى أولئك في الولايات المتحدة وأماكن أخرى والذين يدافعون عن الحفاظ على التعددية والقانون الدولي وتعزيزهما. ويكتب ليفين: “لقد أظهر الاتحاد السوفياتي أن فكرة الإمبراطورية أصبحت الآن مفلسة”. وهكذا أصبحت الإمبراطورية تقريبًا مفهوماً ينطوي على الازدراء. ويلاحظ أنه “في الوقت الحاضر… من المهذب أن نطلق على دولة اسم إمبراطورية، فقط عندما تكون قد ماتت وشبعت موتاً وتجاوزت إمكانية الانبعاث”.

*صحفي وكاتب ومحرر. عاش في بيروت 1996-2003 و2008-2009، وفي طهران 2003-2007، وعمل أيضًا في العراق، حيث شهد حرب 2003 وما بعدها، وفي سورية. لديه خبرة تحريرية واسعة. في 1996-1997 كان محرر الرأي والقصص الإخبارية في الصحيفة البيروتية، “ديلي ستار”. نشر تقاريره تحليلاته في عشرات المطبوعات ومحطات التلفزة العربية والعالمية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان :

The return of ’empire’ in international politics

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.