ريسبونسبل ستيتكرافت - مارك كوكيس - هل تتجه الولايات المتحدة إلى التخلي عن عقيدة كارتر بشأن الشرق الأوسط؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ريسبونسبل ستيتكرافت – مارك كوكيس – هل تتجه الولايات المتحدة إلى التخلي عن عقيدة كارتر بشأن الشرق الأوسط؟

0 110

ريسبونسبل ستيتكرافت –    مارك كوكيس –  15/2/2021

أشار الرئيس الأمريكي “جو بايدن” إلى استعداده لكبح التدخل الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط بإعلانه إنهاء الدعم الأمريكي للأعمال العسكرية السعودية في اليمن، لكن الولايات المتحدة لا تزال عرضة للتورط في اليمن وأماكن أخرى، لأن الاستراتيجية الأمريكية الأساسية في المنطقة لم تتغير.

لا يزال “بايدن” – مثل الرؤساء الأمريكيين من قبله- عالقًا في عقيدة “كارتر”، أو بعبارة أخرى؛ الاستراتيجية الأمريكية التي تتطلب “منع أي قوة خارجية من السيطرة على منطقة الخليج” ، كما قال الرئيس “كارتر” في عام 1980، لكن هذه العقيدة يجب التخلي عنها.

عملت عقيدة “كارتر” كمبدأ منظم لأفعال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لعقود من الزمن، حيث كانت تمثل ضرورة استراتيجية لجميع الرؤساء. وتم وضع هذا المبدأ بعد أزمة الطاقة في السبعينيات، باعتبار أن نفط الشرق الأوسط يمثل مصلحة أمريكية حيوية يجب حمايتها عسكريًا إذا لزم الأمر.

التمحور حول النفط

ومع أن اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط تضاءل في العقود التي تلت ذلك، إلا أنه لا تزال الولايات المتحدة تعتبر نفسها الحامي لنفط الشرق الأوسط، والذي تعتبره واشنطن نوعًا من المشاعات العالمية التي يجب أن يشرف عليها الجيش الأمريكي من أجل الاقتصاد العالمي.

لكن منطق تلك العقيدة كان دائمًا غير سليم، فقد أخطأت إدارة “كارتر” وفق هذه العقيدة في تصور غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في عام 1979 على أنه اندفاع نحو الخليج وبالغت في رد فعلها، حيث لم يكن الكرملين يسعى للسيطرة على المنطقة واحتكار نفطها، ولكن السوفيت كانوا قلقين أكثر بشأن الحفاظ على النظام الداخلي للاتحاد السوفييتي مع اقتراب تصدعه.

علاوة على ذلك، أدركت السعودية ودول أخرى في منظمة “أوبك” بحلول عام 1975 أن الحظر النفطي كان نوعًا من الإضرار بالذات وأبدت عزمها على إبقاء الإمدادات مفتوحة من أجل اقتصاداتها.

ومع ذلك، استمرت الولايات المتحدة في التمسك بمبدأ “كارتر”، والذي كان يعني من الناحية العملية زيادة القوات العسكرية حول احتياطيات النفط، مع سلسلة من التدخلات المسلحة التي تهدف إلى تشكيل النظام السياسي في المنطقة.

وأدى التزام الإدارات المتعاقبة بمبدأ “كارتر” إلى حملة عسكرية معقدة لا نهاية لها تهدف إلى تحرير إمدادات النفط في الشرق الأوسط، بالرغم أن تلك الإمدادات لم تكن في خطر حقيقي، وينبع ذلك كله من اعتبار نفط الشرق الأوسط حيويا لحركة الحداثة تحت المظلة الأمريكية من أجل جميع الدول.

وبالتالي، كان من الطبيعي أن لا يتقبل الناس في الشرق الأوسط فكرة تدخل القوى الأجنبية للسيطرة على مواردهم الوطنية بهذه الطريقة. وكان الغضب إزاء ما يرونه توسعا إمبرياليا وقودا دافعا للحركات العنيفة في المنطقة لعقود من الزمن ولا يزال كذلك.

ولا تعتبر شعوب الشرق الأوسط نفسها ملزمة بإنتاج النفط من أجل العالم وترفض التهديد المسلح من أجل القيام بذلك، ويرون أنه بما إن النفط مورد وطني، فإنه ملكهم، يتصرفون به كما يحلو لهم.

وهكذا، فإن تعارض عقيدة “كارتر” مع هذا المبدأ الأساسي للسيادة الوطنية يمثل أفدح أخطائها وقد تسبب في خلل استراتيجي لا يمكن إصلاحه.

مضيق هرمز .. المحور البديل

يجب على إدارة “بايدن” أن تعلن نهاية هذه العقيدة وأن تتبنى عقيدة جديدة تدور حول التعاون متعدد الجنسيات بدلاً من مصادرة الموارد. أما المِلك المشاع الحقيقي الوحيد في الشرق الأوسط، فهو مضيق هرمز؛ الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج بممرات الشحن في الأسواق العالمية.

ولدى الولايات المتحدة مصلحة مشروعة في ضمان أمن الشحن عبر المضيق، كما تفعل العديد من الدول الأخرى، وقد تتعامل إيران مع المضيق على أنه ممر خاص بها، لكن القانون الدولي الذي يحدد الممرات البحرية كمشاعات يبرر اتباع نهج متعدد الجنسيات في إدارة هذا المورد تحديدا.

ويجعل ذلك الولايات المتحدة واحدة فقط من بين العديد من أصحاب المصلحة في إدارة المضيق، لذا؛ يجب على الدول الأخرى التي تعتمد على الشحن عبر المضيق، وخاصة البلدان في الشرق الأوسط وشرق آسيا، أن تشارك جميعًا في مهمة بحرية متعددة الجنسيات تهدف إلى ضمان تدفق التجارة بسلاسة داخل وخارج الخليج.

ويجب أن يتمحور أي وجود عسكري أمريكي في المنطقة حول هذا المبدأ بدلاً من فكرة السيطرة على النفط بأكمله في المنطقة، وهي استراتيجية قادت الولايات المتحدة إلى الكثير من المعارك، حيث تتطلب السيطرة على النفط تثبيت ودعم حكومات مطيعة، وفي بعض الأحيان، الانسياق خلفها في نزاعاتها الإقليمية مثلما حدث في الصراع في اليمن.

لكن المساعدة في حماية المشاعات في مضيق هرمز على النقيض من ذلك، حيث تجعل الولايات المتحدة شريكًا لجميع دول المنطقة والدول الأخرى صاحبة المصلحة في أمن المضيق.

تراجع الوجود العسكري الأمريكي

ويتطلب التحول من عقيدة “كارتر” إلى عقيدة المشاعات تفكيرًا مختلفًا تمامًا بشأن الشرق الأوسط من صانعي السياسة في واشنطن والجمهور الأمريكي على حدٍ سواء.

وتحتفظ الولايات المتحدة حاليًا بنحو 60 ألف جندي أمريكي متمركزين في المنطقة بتكلفة تقديرية تتراوح بين 65 و 70 مليار دولار سنويًا، وإذا تحقق هذا التحول، فلن تكون هناك حاجة إلى هذه البصمة العسكرية الهائلة لأن المهمة العسكرية ستكون في البحر بشكل أساسي، ولن يتم التفكير في التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة إلا في الحالات التي تكون فيها التجارة عبر المضيق مهددة.

وفي حالة حدوث ذلك، ستُبذل الجهود العسكرية بتعاون متعدد الجنسيات وستقتصر على إبقاء المضيق مفتوحًا، ويعني ذلك عدم تغيير النظام أو التورط في صراعات داخلية مثل سوريا أو العراق أو اليمن.

كما لن يتم النظر في مهام مكافحة الإرهاب إلا إذا كان الإرهابيون يهددون المضيق، حيث يجب التعامل مع الجماعات المسلحة من قبل حكومات الدول التي يقيمون فيها.

سيؤدي التحول الكامل في العقيدة بمرور الوقت إلى تقليل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط إلى مهمة بحرية أصغر بكثير من المهمة الحالية التي تبقي الكثير من السفن الحربية الأمريكية في المنطقة.

أما على الأرض، فيجب ترك دول المنطقة لنفسها إلى حد كبير، كمسألة مبدأ واستراتيجية، حيث أصبحت فكرة تورط أمريكا في الشرق الأوسط مصدرا للكثير من الإزعاج في واشنطن، بعد أن كانت إدارة المنطقة من خلال القوة المسلحة من المسلّمات لدى أجيال من مسؤولي الأمن القومي.

عقيدة عفا عليها الزمن

وبالتأكيد، فإن تراجع الوجود العسكري الأمريكي لا يضمن مستقبلًا سلميًا للشرق الأوسط، حيث من المرجح أن تشتد الخصومات مثل تلك التي تضع إيران في مواجهة السعودية، ولكن من المرجح أن يتعزز أيضًا الحافز لإيجاد حلول سلمية.

وفي الحقيقة سيبقى الشرق الأوسط منطقة مضطربة سواء في وجود عسكري أمريكي هائل أو بدونه، ويدرك الكثير من الناخبين وصانعي السياسة الآن أن القوات الأمريكية لا تفعل شيئًا يذكر لتحقيق الاستقرار في المنطقة ويرغبون في تقليص القوات الأمريكية.

لكن تقليل التواجد العسكري دون إعادة التفكير بشكل أساسي في العقيدة الشاملة يمثل مجرد مرحلة أخرى من مشروع عسكري مضلَّل، حيث سيكون من الظلم وغير الحكمة المطالبة بالإشراف على كامل الموارد الطبيعية الرئيسية في المنطقة.

وبالرغم أنه من غير المرجح أن تنتهي المهمة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط في أي وقت قريب، إلا إنه يجب أن تتغير في النوايا التي تقف خلفها وتتغير في النطاق، لتتخلى عن عقيدة سيئة عفا عليها الزمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.