شوؤن دولية

روسيا ماضية في توسيع نفوذها بأفريقيا بينما ينشغل الجميع بحربها على أوكرانيا

العرب اللندنية 2022/06/25

بينما تتفق أغلبية دول العالم على رفض التجاوزات التي تقوم بها روسيا في العديد من الملفات -وعلى رأسها الحرب ضدّ أوكرانيا- تكسب موسكو تدريجيا الدول الأفريقية وأصواتها لصالحها، فهي تعمل بهدوء على خلق تبعية اقتصادية وسياسية وعسكرية تضمن لها حلفاء جددا في جزء من الأرض مضطرب أمنيا لكنه ثري بالموارد الطبيعية.

عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من مارس الماضي على مشروع قرار إدانة روسيا بسبب غزوها أوكرانيا، امتنعت 17 دولة أفريقية عن التصويت ولم تصوت ثماني دول على الإطلاق بينما صوتت دولة واحدة فقط هي إريتريا ضد مشروع القرار.

وعندما تم تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في السابع من أبريل كانت الدول الأفريقية أقل استعدادا لأن تكون ضد روسيا، حيث صوتت تسع دول أفريقية ضد تعليق عضوية روسيا، بينما امتنعت 24 دولة عن التصويت.

وتقول الكاتبة الصحافية والمحامية والمحللة السياسية جوديث بيرجمان في تحليل نشره معهد جيتستون الأميركي إن “أنماط التصويت الأفريقية في الأمم المتحدة تدل على تنامي النفوذ الروسي في أفريقيا. وفي حين أن حجم انخراط روسيا في القارة لا يقارن بحجم انخراط الصين، إلا أن روسيا على الرغم من ذلك تقوم بتعميق نفوذها في القارة السمراء خلال السنوات الأخيرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمبيعات الأسلحة. وبين عامي 2015 و2017 دخلت روسيا في 19 اتفاقية شراكة مع الدول الأفريقية، وتركزت هذه الاتفاقيات بدرجة كبيرة على مبيعات الأسلحة الروسية وتزويد هذه الدول بالمرتزقة”.

ويرى جوزيف سيغل -مدير الأبحاث في مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية التابع لمؤسسة بروكينغز- أنه “على عكس معظم الشركاء الرئيسيين من الخارج، روسيا لا تستثمر بدرجة كبيرة في قضايا فن الحكم التقليدي في أفريقيا –على سبيل المثال، في الاستثمار الاقتصادي والتجاري وفي تقديم المساعدة الأمنية- وإنما تعتمد بدلا من ذلك على سلسلة من الإجراءات المتباينة التي غالبا ما تكون خارج نطاق القانون من أجل الحصول على النفوذ، مثل المرتزقة وصفقات الأسلحة مقابل الموارد والعقود المبهمة والتدخل في الانتخابات والتضليل”.

ووفقا لتقرير حديث لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، كانت روسيا أكبر مصدّر للأسلحة إلى الدول الأفريقية بين عامي 2017 و2021، بنسبة تصل إلى 44 في المئة من واردات الأسلحة، تليها الولايات المتحدة بنسبة 17 في المئة ثم الصين بنسبة 10 في المئة. وقد تم عقد أول قمة روسية – أفريقية في سوتشي عام 2019، وحضرها 40 زعيما من زعماء الدول الأفريقية. ومن المقرر أن تعقد القمة الروسية الأفريقية الثانية في الخريف المقبل.

وأشارت بيرجمان إلى أنه على الرغم من أن التجارة بين روسيا والدول الأفريقية تضاعفت منذ عام 2015، لتصل إلى 20 مليار دولار سنويا، لا تزال الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا؛ حيث وصل حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا إلى 254 مليار دولار في عام 2021. إلا أن أهداف روسيا المنشودة في أفريقيا هي نفس أهداف الصين في نهاية المطاف، وهي الحصول على النفوذ عن طريق جعل الدول الأفريقية معتمدة على خدمات كل منهما.

وفي حين أن الصين تسعى لتحقيق أهدافها من خلال عرض الاستثمارات والبنية التحتية مقابل الوصول الاستراتيجي إلى الموارد الطبيعية الحيوية والنفوذ السياسي، فإن روسيا تعرض الأسلحة والمرتزقة الذين تدعمهم الدولة وينضوون ضمن الشركات العسكرية الخاصة من أجل الحصول على النفوذ.

وقالت فيدريكا سايني فاسانوتي من مؤسسة بروكينغز “في استراتيجيته الأفريقية يتحرك الكرملين في الأساس بناء على رغبة في إحباط أهداف السياسة الأميركية، بغض النظر عن جوهرها”.

وتابعت فاسانوتي “مع اعتبار أفريقيا واحدة من أولويات السياسة الخارجية لروسيا، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضا لخلق اعتماد أفريقي على الأصول العسكرية لموسكو والوصول إلى الموارد الأفريقية، حيث يستهدف الدول التي لديها حكومات هشة لكنها غالبا ما تكون غنية بالمواد الخام المهمة، مثل النفط والذهب والألماس واليورانيوم والمنغنيز… كما يساعد الروس هذه الحكومات على تنفيذ عمليات لمكافحة التمرد والإرهاب غير مقيدة بمسؤوليات حقوق الإنسان… في المقابل تسعى روسيا للحصول على تنازلات من أجل الموارد الطبيعية والعقود التجارية المهمة أو الوصول إلى مواقع استراتيجية، مثل القواعد الجوية أو الموانئ”.

وقد انتشر المرتزقة الروس في العديد من الدول الأفريقية من السودان حتى موزمبيق، حيث تركوا خلفهم أدلة على انتهاكات حقوق الإنسان. وتعد مجموعة “فاغنر جروب” أكبر وأشهر مجموعة من المرتزقة الروس، وهي منظمة شبه عسكرية مرتبطة بيفجيني بريغوجين، الحليف المقرّب للرئيس بوتين.

وعلى الرغم من أنها تبدو في الظاهر شركة خاصة فإن “إدارتها وعملياتها متشابكة للغاية مع الجيش الروسي وأجهزة الاستخبارات”، وفقا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ولذلك يجب أن يتم النظر إليها على أنها “منظمة تعمل بالوكالة عن الدولة الروسية وليست شركة خاصة تبيع خدمات في السوق المفتوحة”.

وذكر تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في سبتمبر 2020 “أن استراتيجية روسيا مباشرة: وهي تقويض القوة الأميركية وزيادة نفوذ موسكو باستخدام قوات تتوارى عن الأنظار ويمكن إنكار وجودها مثل الشركات العسكرية الخاصة التي يمكن أن تقوم بكل شيء، بدءا من حماية الزعماء الأجانب وصولا إلى تدريب القوات الأمنية الشريكة وتقديم المشورة إليها ومساعدتها”.

وأضاف التقرير أن “استخدام موسكو للشركات العسكرية الخاصة تزايد بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، ليعكس الدروس التي تم تعلمها من عمليات الانتشار السابقة، والعقلية التوسعية المتنامية والرغبة في تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وجغرافية وعسكرية… وتقوم الشركات العسكرية الخاصة الآن بأدوار متنوعة لتقويض النفوذ الأميركي ودعم مصالح روسيا التوسعية السياسية والجغرافية والعسكرية والاقتصادية”.

وفي شهادة أمام لجنة خدمات القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي في الخامس عشر من مارس الماضي أشار الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا، إلى الشركات العسكرية الروسية الخاصة -ولاسيما مجموعة فاغنر- على أنها ذات “تأثير خبيث”.

وتابع تاونسند “إنهم (عناصر فاغنر) لا يتبعون قواعد أحد. إنهم يفعلون ما يريدون. إنهم ينصبون حكاما مستبدين… إنهم يرتكبون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. أعتقد أن هذا أمر سيئ لأمن أفريقيا وازدهارها في المستقبل. إنهم حاضرون في ليبيا… وبدرجة أقل في السودان. إنهم يديرون جمهورية أفريقيا الوسطى. وهم الآن في مالي… وهناك أكثر من ألف عنصر من قوات فاغنر في مالي الآن”.

وأضاف الجنرال أن “الغزو الروسي لأوكرانيا والعقوبات التي أعقبته من المرجح أن يحفزا روسيا على السعي إلى المزيد من الانخراط في القارة الأفريقية في السنوات القادمة، وهذا أيضا ينطبق على الصين. يجب أن يكون هذا تذكيرا للإدارة الأميركية الحالية والإدارات المستقبلية بأنه طالما أن روسيا والصين تزيدان من انخراطهما في أفريقيا وتعززان وجودهما فيها، فإنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تغض الطرف. الولايات المتحدة لا يمكن أن تتجاهل أفريقيا. إن تحديات أفريقيا وفرصها ومصالحها الأمنية لا تنفصل عن فرصنا ومصالحنا”.

وأضاف تاونسند “من الواضح أن منافسينا يرون الإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها أفريقيا. روسيا والصين تسعيان إلى تحويل استثمارات القوة الناعمة والقوة الحقيقية إلى نفوذ سياسي واستراتيجي ومكاسب عسكرية”.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى