منوعات

مظفر النواب.. ثمانية و ثمانون عاماً  من  الغربة والضياع

روان يونس

روان يونس 29-05-2022م

 ودعت العراق واحد من أشهر وأهم أصواتها الشعرية في العقود الستة الماضية ، هو مظفر النواب، الذي توفى في اعقاب صراع مع المرض ، ليعود إلى وطنه العراق على متن الطائرة الرئاسية ، تاركاً خلفه كلماتهُ  وأشعاره وتراثه الثقافي الكبير.

 وُلد مضفر النواب عام 1934 في بغداد،  و ترعرع في  بيت أرستقراطي، وتخرج من كليّة الآداب سنة 1956، و عَمِلَ مفتشًا فنيًّا بوزارة التربية، ومن ثم  التحق في شبابه بالحزب الشيوعي العراقي وناضل في صفوفه حتى إعتقل عام 1963 و أبحر في بحور الشعر بعد إطلاقه قصيدة  “قراءة في دفتر المطر” ليصنع لهُ إسماً يُوجع الضمير العربي كلما إستذكر مقولاته. 

أوجعت أشعار مظفر النواب كل من كان لديهُ يد في قهر البؤساء و مسلوبي الحقوق ، وفي المقابل لم تكن أشعاره تلقى إستحساناً كبيراً من الحكام و المسؤولين ، فقد ملأتها روح التمرد،  وهو ما فرض عليه أن يمضى حياته ما بين الغربة والمعتقلات. 

وشّنت السلطات العراقية حملات اعتقال واسعة  طالت الشيوعيين عقب الإنقلاب الذي اطاح بعبد الكريم قاسم عام 1963 فاضطر مظفر لمغادرة العراق متسللاً إلى إيران عن طريق البصرة، و قامت السلطات الإيرانية بإعتقاله و تعذيبه ومن ثم قامت بتسليمه إلى السلطات العراقية التي حكمت عليه بالاعدام وخفف الحكم الى السجن المؤبد، وطلبت منه أن يتبرّأ من حزبه، وسجّل موقفه بالرفض في قصيدةٍ على لسان أمه: 

“يا ابني

لا تثلم شرفنا

يا وليدي

البراءة تظل مدى الأيام عفنة

قطرة قطرة

وبنظر عيني العميته

قل ي) ما أهدم حزب بيدي بنيته.

وتم سجنه مع زملاءه اليساريين في السجن الصحراوي “نقرة السلمان”، قرب الحدود السعودية – العراقية، حيث أمضى عدة سنوات ومن ثم تم نقله بعدها الى سجن الحلة جنوب بغداد . تمكن مظفر من الفرار من السجن مع مجموعة من المعتقلين بعد عملية حفر نفق  خارج أسوار السجن ، و ظل هارباً لمدة ست شهور  حتى صدور عفو عن المعارضين السياسيين في 1969 ، و تم إعادة إعتقاله مرة أخرى لفترة بسيطة ومن ثم إطلاق سراحه.

قرأ أشعاره عراقيون من مختلف الطبقات، وهو أكثر الشعراء العرب ممن كانت أشعارهم يجري تداولها سرّاً، وحتى الحكام الذين نال منهم في قصائده،كانوا يستمعون اليها بإعجاب.

ولم يتأثر اهتمام مظفر بالقضية الفلسطينية ، وظّل على نفس الوتيرة ، وكتب عشرات القصائد مُهاجماً الصمت العربي المُهين للقضية، فكتب عام 1976  قصيدة (تل الزعتر) عن مذبحة مخيم تل الزعتر في لبنان قائلا : 

لن أبكي أبدا من قاتل

لن أبكي إطلاقا،

أبكي من يبحث في القمة عن دولته.

و أشاطت  القصيدة غضب المسؤولين اللبنانين  الذين لم يتقبلوا وجوده فيها  لينتقل إلى ليبيا  بجواز سفر يمني، ومكث فيها سبع سنوات.

تلاطم أمواج الغربة جسد مظفر النواب المنهك، ما بين دمشق و بيروت و القاهرة  و طرابلس و الجزائر و الخرطوم وسلطنة عُمان وفيتنام و اليونان و فرنسا و بريطانيا و الولايات المتحدة و البرازيل و تشيلي لمدة نصف قرن تقريباً ، حتى عاد إلى العراق عام 2011  بعد الانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية نظراً لرفضه العودة إلى بلده وهي مُحتلة.

وبعد احتلال العراق، استجاب لدعوة صديقه جلال طالباني، للعودة إلى وطنه، لكنه لم يمكث سوى فترة قصيرة، رجع بعدها إلى بيروت وقد نال منه المرض، وانكفأ على نفسه، فلم يكتب بيتاً شعرياً واحداً ضد الاحتلال، ولم يعلن بصوته الذي كان يوماً المعبّر عن جرح وطنه الذي كان قد وصفه من قبل بأنه “جرح كبير، ما لمته ديرة ناس، ولا نامت عليه الكاع”. كذلك لم ترد منه كلمةٌ واحدةٌ في رفض حكم المحاصصة الطائفية الذي شرعنته الولايات المتحدة. أكثر من ذلك، لم يتردّد في اعتبار مقاومة المحتلين “ضرباً من الخيال”. ولم يقف ساخطاً أمام مشاهد وحشية المحتلين، ولم يعط من وقته ليتأمل في المرارات التي يعيشها مواطنوه، متجاهلاً ما يحدث أمام عينيه.

وقرّر مظفّر، في أواخر أيام حياته، الالتجاء إلى الإمارات طلباً للعلاج، ولم تخيّب الإمارات ظنه، إذ استقبلته بحفاوة، ووفرت له متطلبات علاجه، حتى قدّر له أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على أرضها، وهو القائل: “أصافح الليل مصلوباً على أمل/ أن لا أموت غريباً ميتة الشبح”.

وصل جثمانه إلى بغداد عاصمة بلاده على ظهر طائرة “رئاسية” خاصة، وهو الذي كان قد جنّد نفسه في شبابه حرباً على كل الرئاسات والسلطات وممارساتها وطقوسها. والمفارقة اللافتة أن تعزي الولايات المتحدة العراقيين بوفاة النواب، وأن تصدر سفارتها في بغداد بياناً تصفه فيه بـ”المعبّر عن أصوات العراقيين وتطلعاتهم”!

وهكذا عاشَ  “شاعر القصيدة المهرّبة”  حياته ما بين الضياع و الغربة ، و في حين أنَ حياته و كلماته كانت ضرباتُ  مُوجعة لأصحاب المناصب   فقد كان وداعهُ مُوجعاً لقاعدة جماهيرية كبيرة و مُحبة لهُ وتدعمه و تتغنى بمقولاته الحُرة الأبية.

بالتعاون مع كلية الاعلام في جامعة الازهر – غزة

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى