رندة حيدر تكتب -  قلق لبناني من تصعيد إسرائيلي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

رندة حيدر تكتب –  قلق لبناني من تصعيد إسرائيلي

0 96

رندة حيدر  *- 28/4/2020

قلق جديد أضيف إلى قائمة المخاوف التي يعاني منها اللبنانيون في الأيام الأخيرة، فبالإضافة إلى المواجهة الصعبة والطاحنة ضد تفشي وباء كورونا الذي فرض عليهم التزام الحجْر المنزلي منذ 12 الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وما استتبع ذلك من وقف عجلة الحياة الاقتصادية، وصرف عاملين كثيرين، ما فاقم، بصورة دراماتيكية، في الأزمة المعيشية التي كان يشكو منها اللبنانيون أصلاً، وسرّع في الانهيار المالي والمصرفي، وفي تدهور العملة المحلية؛ شهدت الأسابيع الأخيرة تبادلاً للرسائل التحذيرية بين إسرائيل وحزب الله، من خلال هجوم مسيّرة إسرائيلية على سيارة لبنانية تقل مسؤولين عسكريين من حزب الله، كانت تعبر الحدود اللبنانية السورية من دون إيقاع إصابات بالأرواح، ورد حزب الله السريع على الهجوم من خلال إحداث ثلاث مجموعات تابعة له خروقا في السياج الحدودي بين لبنان وفلسطين المحتلة.

“شهدت الأسابيع الأخيرة تبادلاً للرسائل التحذيرية بين إسرائيل وحزب الله، في هجوم مسيّرة إسرائيلية على سيارة لبنانية”.

تطرح هذه التطورات عدة تساؤلات، منها: هل انتهت مرحلة تراجع العمليات الإسرائيلية ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية، وضد نشاط حزب الله الذي فرضته أزمة كورونا؟ وما احتمال أن يخرج تبادل الرسائل عن النطاق التحذيري، ويؤدي إلى مواجهة عسكرية إسرائيلية مع حزب الله، سواء على الحدود مع لبنان أو في الجولان، حيث تتهم إسرائيل الحزب ببناء بنية تحتية عسكرية لشن هجمات عليها من هناك؟

على الصعيد الإسرائيلي، يمكن الإشارة إلى نقاطٍ برزت في الجدل الداخلي هناك؛ الأولى التي  عكست توجهاً جديداً نسبياً، هو الحرص الإسرائيلي على عدم إيقاع قتلى في الهجوم الذي شنته المسيّرة على سيارة عناصر حزب الله. ويظهر بوضوح في الشريط الذي صوّر الحادثة أن الصاروخ الأول الذي أخطأ الهدف يدخل ضمن أسلوبٍ يسميه الإسرائيليون “الدقّ على السطح”، ويستخدمه الجيش الإسرائيلي لتحذير سكان غزة قبل قصف أماكن سكنية كي يخلوها. والتفسير الإسرائيلي لهذا التوجه، الجديد نسبياً، منع تدهور أمني في حال سقوط قتلى. قد يكون ما حدث أخيرا تفصيلاً ثانوياً ضمن مسار عودة الجيش الإسرائيلي إلى أسلوب “المعركة بين الحروب” ضد سلاح حزب الله ونشاطاته في سورية ولبنان، ولكن من دون المخاطرة في فتح مواجهة واسعة في الوقت الحالي. يبدو أن أسلوب تجنب وقوع قتلى الذي يتبناه الجيش الإسرائيلي لا يتطابق مع وجهة نظر مدير المخابرات الخارجية (الموساد) الذي يرى ضرورة الاستمرار في محاربة الحزب بكل الوسائل، وعدم التورّع عن القتل. 

النقطة الثانية، المفاجأة الإسرائيلية إزاء سرعة رد حزب الله على الهجوم الذي تعرّض له. وباعتراف أكثر من خبير أمني، كشفت العملية التي نفذتها ثلاث خلايا من مقاتلي الحزب في آن معاً، وفي ثلاثة أماكن مختلفة، عن جهوزية كبيرة ومهارة عملانية. والخلاصة التي وصل إليها هؤلاء أن أزمات لبنان الداخلية الكثيرة والمعضلات السياسية والاجتماعية والصحية والمالية التي يواجهها الحزب لم تؤثر سلباً على جهوزية قواته على جبهة إسرائيل الشمالية. 

يمكن تأويل السلوك الإسرائيلي أخيرا بأنه محاولة لاختبار ردة فعل حزب الله وجهوزيته في المرحلة الحرجة التي يمر بها لبنان، وكذلك في ظل التغيرات الكثيرة التي فرضها وباء كورونا على دول المنطقة، فقد رأى أكثر من خبير إسرائيلي أن تفاقم تفشّي الوباء في إيران، وتزامنه مع الصعوبات الاقتصادية الجمّة التي تواجهها إيران، سيما في ظل العقوبات الأميركية المفروضة عليها، والتراجع الكبير في سعر النفط، ذلك كله يمكن أن يشكل فرصة لإسرائيل

لزيادة الضغوط على النظام الإيراني لوقف نشاطاته في سورية والعراق، وتدفق السلاح الإيراني الدقيق إلى حزب الله. وأزمات لبنان المستعصية، وجديدها كورونا والانهيار المالي، هي “فرصة” للضغط على الحزب لوقف برنامج صواريخه الدقيقة، وكبح نشاطه في الجولان السوري.

“ما تعتبره إسرائيل ضغطاًعلى حزب الله هو في الحقيقة تلاعب بمصير بلبنان كله “. 

ويتضح أنه في وقت دفعت أزمة كورونا إسرائيل إلى إظهار مرونة في مواقفها من الضفة الغربية وغزة، انعكس بتعزيز التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وتجاوب إسرائيلي في موضوع تبادل الأسرى مع حركة حماس، فإن سلوكها حيال إيران وحزب الله والمليشيات الشيعية في العراق وسورية باق على حاله، ولم يتغير قيد أنملة عمّا كان عليه.

لتبادل الرسائل التحذيرية بين إسرائيل وحزب الله، في هذه المرحلة المصيرية التي يمر لها لبنان، وقعٌ أكثر خطورة بكثير من أي وقت آخر، لأن أي انزلاق أو خرق “لقواعد اللعبة” معناه تعريض لبنان وشعبه كله إلى خطر أمني، قد يقضي على البقية الباقية من عناصر صموده.

وما تعتبره إسرائيل ضغطاً على حزب الله هو في الحقيقة تلاعب بمصير هذا البلد بأكمله. ليس في إمكان لبنان اليوم المجازفة في الدخول في سباق التوترات والتحذيرات التي تجر إسرائيل حزب الله إليه، في هذا الوقت العصيب الذي يشعر فيه المواطن اللبناني أن حياته ومستقبله في مهبّ الريح.

*كاتبة وصحافية لبنانية متخصصة في الشؤون الإسرائيلية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.