أقلام وأراء

“يوم القدس” وأيام الأقصى: نسخة من “تحريك لا تحرير”

رفيق خوري

رفيق خوري 5-5-2022م

هل تخطط جمهورية الملالي في إيران بالفعل لما تهدد به منذ عقود: “إزالة إسرائيل”؟ وهل ما يمهد لهذا عملياً هو رعاية “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في غزة وتنظيم فصائل مسلحة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان تحت عنوان “جبهة المقاومة”؟ ما هي بالفعل مهمة “جبهة المقاومة” التي تقول صحيفة “كيهان” المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي إنها “أعظم إنجاز لثورة الإمام الخميني الإسلامية”؟ إزالة إسرائيل أم حماية جمهورية الملالي والعمل لها؟ وماذا لو كان تبادل العداء بين إيران وإسرائيل هو “رسملة دعائية” مشتركة تعزز موقف كل منهما عبر التهديد بالسحق والإبادة؟

“كيهان” تحدد أعضاء “جبهة المقاومة” التي تقودها إيران بأنهم: “نظام الأسد، وأنصار الله الحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في غزة، والحشد الشعبي في العراق، ولواء فاطميون الأفغاني، ولواء زينبيون الباكستاني”. وفي “يوم القدس” الذي تحتفل به إيران وميليشياتها سنوياً منذ أطلقه الإمام الخميني كان الصوت شديد العلو هذا العام. الرئيس إبراهيم رئيسي هدد بأن يجعل إسرائيل “مسلخاً للصهاينة”. وقائد “فيلق القدس” الجنرال إسماعيل قآني أعلن أن “وتيرة إزالة الكيان الصهيوني وتدميره تتسارع”. و”فيلق القدس (التابع للحرس الثوري) ليس مجرد قوة عسكرية أو أمنية أو استخبارية أو دبلوماسية أو اقتصادية أو خدمية، بل هو كل ذلك في آن”، كما يقول خامنئي. وهو، حسب “كيهان” يشكل “حكومة خارجية لبلدان جبهة المقاومة، العراق وسوريا ولبنان واليمن وإيران نفسها ومن دون جبهة المقاومة لا إيران ولا عراق ولا سوريا ولا لبنان ولا يمن”.

لكن المشهد المتوتر في القدس بقي في إطار الاعتداء الإسرائيلي على حرمة المسجد الأقصى والمواجهة الشعبية الفلسطينية لجنود الاحتلال والمتطرفين الصهاينة. والباقي: صاروخ من جنوب لبنان. صواريخ من غزة على أطراف إسرائيل. غارات إسرائيلية على غزة. دعوات إلى الاستنفار والمرابطة دفاعاً عن المسجد الأقصى. عمليات فدائية على أيدي أفراد في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر. خطاب تهديدي للسيد حسن نصر الله. كلام كبير في طهران. وتهديد بأن “سيف القدس” لن يغمد، وبآلاف الصواريخ على لسان المسؤول عن “حماس” في غزة يحيى السنوار. وهو كان في سجون الاحتلال، كما “كتب رسالة بالعبرية بخط يده إلى نتنياهو دعاه فيها إلى أخذ مخاطر محسوبة”، كما روى أخيراً في حديث نشرته “يديعوت أحرونوت” منير بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي أيام نتنياهو. ولا شيء يوحي أن هناك خطة لبدء مقاومة فعالة ومنظمة. مجرد عمليات شجاعة يقوم بها أفراد يدفعون حياتهم ثمناً لذلك، وتعمد قوات الاحتلال إلى تدمير منازلهم.

أيام حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 وعبور الجيش المصري قناة السويس، والدفرسوار الذي فتحه الجنرال شارون في الاتجاه المعاكس، والاتكال على كيسينجر لترتيب هدنة، ثم فك ارتباط، قال خصوم الرئيس أنور السادات ومعارضوه إن خطته “ليست حرب تحرير بل حرب تحريك”. وهو لم ينكر أنه قاتل وحرر جزءاً من سيناء حتى المضائق من أجل تحريك العمل الأميركي للتسوية السلمية، لا بل زار القدس من أجل ذلك.

اليوم، يبدو الصخب في طهران ولدى وكلائها، وسط اندفاع شباب فلسطيني لمواجهة المحتلين باللحم الحي نوعاً من “التحريك”. تحريك، لا من أجل تسوية سياسية هي هدف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، فهم ضد التسوية ومع التحرير الكامل، بل من أجل أمور أقل. فالحد الأقصى للمراد من التحريك هو “كسر الحصار على غزة”. وهو مطلب ضروري وملح من أجل الشعب المعذب في غزة، لكن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى شيء أكبر. وهو شعب لا يزال يدفع منذ مئة عام أثماناً باهظة من دون أن يحصل حتى على دولة فوق 28 في المئة فقط من مساحة فلسطين التاريخية. شعب يواجه أخطر احتلال استيطاني مدعوم دولياً بقيادات قليلة الكفاءة، بصرف النظر عن وطنيتها. فلا تحرير من دون حرب شعبية طويلة المدى ومدعومة عربياً. ولا تسوية سياسية من دون أوراق قوة على الأرض.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى