أقلام وأراء

معركة انتخابات لبنان في حرب الهوية والسيادة

رفيق خوري

رفيق خوري ١٤-٥-٢٠٢٢م

محنة لبنان متعددة الأبعاد، لكن البعد السياسي هو الأساس. أسوأ ما في الأبعاد المالية والاقتصادية والاجتماعية هو العجز عن معالجتها على الرغم من الاقتراب من الانهيار الكامل، سواء بصراع المصالح بين عائلات المافيا الحاكمة والمتحكمة، أو بالتواطؤ بينها.

وأخطر ما في البعد السياسي للصراع هو أنه صار جزءاً من البعد الوطني. والأخطر، وسط حرص الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين على مساعدتنا للخروج من المحنة واستعداد قوى لبنانية لفعل كل ما يمكن من أجل التغيير، هو إصرار قوى محلية تدعمها قوة إقليمية على توظيف المحنة في خدمة أهدافها. أهداف أنانية ضيقة لدى البعض، وبعيدة المدى لدى البعض الآخر.

أما الانتخابات النيابية التي تشغل الجميع، فإنها لم تعد في لبنان أعلى مراحل العمل السياسي. ولا هي، بسبب الطرف الممسك بالسلاح ومشروعه، الضمان لجوهر اللعبة الديمقراطية، أي تداول السلطة. فلا قوى التغيير استطاعت أن تحكم بعد أن فازت بالأكثرية في دورات انتخابية سابقة منذ عام 2005، ولا قوى “الستاتيكو” المسلح تخلت عن التحكم بصرف النظر عن عدد نوابها.

والواقع أن الانتخابات الحالية هي معركة في حرب متعددة المعارك. حرب بين “محور الممانعة” بقيادة إيران من خلال “حزب الله” وبين أطراف “الممانعة المضادة” للهيمنة على البلد، والتي لم تتكتل بعد في محور واحد. حرب حول هوية لبنان وتاريخه وعروبته، لجهة الإلفاء أو التثبيت، الشراكة الديمقراطية أو الهيمنة الأيديولوجية المذهبية، استعادة دور لبنان العربي وقراره المخطوف وبناء دولته، أو أخذه نهائياً ورسمياً إلى المدار الإيراني كجزء من المشروع الإقليمي لولاية الفقيه.

وحرب تحتاج قوى التغيير فيها إلى دعم محور عربي ودولي في مواجهة المحور الإيراني. والمأساة هي أن الحرب تُدار أحياناً بالمياومة وذهنية التجارة وتشاطر لاعبي البوكر أو الداما في مواجهة لاعبي الشطرنج. وأين تُدار؟ على مسرح يكاد يسقط مع اللاعبين تحت أثقال الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية ومصادرة ودائع الناس فوق ذلك.

في كتابه عن حرب لبنان، يقول تيودور هانف، إن اللعبة انتقلت من صراع على “مغانم” يمكن تقاسمها إلى صراع على “مبادئ” لا يمكن تقاسمها مثل الهوية والسيادة. ونحن اليوم ضحايا السياسة التي هي استمرار للحرب بوسائل أخرى، على عكس نظرية كلاوزفيتز: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”.

والسؤال الذي لا مهرب منه هو: إلى أي حد يمكن إجبار لبنان بالقوة على السير في الاتجاه المعاكس لمسار الأشقاء العرب، سواء في الصراع العربي – الإسرائيلي أو في مواجهة الخطر الإيراني؟ والوجه الآخر للسؤال هو: لماذا يُراد وضعنا في حال الحاجة إلى خطر إسرائيلي دائم وإلى سيف إيراني بعد انسحاب السيف السوري؟

والمسألة الآن هي حرب الجواب عن السؤال. حرب بدأت قبل المعركة الانتخابية ومستمرة بعدها في معارك عدة. فحسن نصر الله الذي كرر القول إنه “لا حماية للبنان إلا بالمقاومة الإسلامية” قافزاً فوق دور الجيش والشعب القادر على تنظيم مقاومة وطنية، طلب من “شعب المقاومة” التصويت لحماية سلاح “حزب الله” وتكرار النصر في “حرب تموز سياسية”.

والقوى السيادية المصرة على دور الجيش وحده وبناء الدولة، تسمع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش يبلغ مجلس الأمن أن “السلاح خارج الشرعية يهدد الأمن والاستقرار في لبنان”. وليس أمامها سوى تشكيل جبهة واسعة لخوض المعارك الباقية في الحرب التي لا يحسمها أي طرف يربح معركة الانتخابات الحالية.

وإذا كانت “الأحزان لا تأتي فُرادى”، كما يقول شكسبير، فإن الخسائر لا تأتي إلا إذا أصرّت القوى السيادية على أن تبقى، فُرادى.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى