أقلام وأراء

رفيق خوري: كلفة الصدام والصفقة: إيران والخسارة الاستراتيجية

رفيق خوري 21-1-2026: كلفة الصدام والصفقة: إيران والخسارة الاستراتيجية

قصة أميركا وإيران أكثر تعقيداً من القراءات البسيطة الشائعة، من أيام الإمبراطورية البهلوية الى أيام الجمهورية الإسلامية، والبلدان اليوم في مأزق استراتيجي لا مخرج سهلاً منه، لا بالقوة ولا بالدبلوماسية. وليس في اللعبة بينهما حل وسط إما صدام وإما صفقة، والاستثناء هو الاحتواء في مراحل محددة، فهي لعبة تدور في إطار استراتيجية أميركية متغيرة واستراتيجية إيرانية ثابتة. وتدار حالياً بين رئيس أميركي لا أحد يستطيع التنبؤ بما يفكر فيه أو يفعله، ومرشد أعلى لا مفاجآت في قراراته الاستراتيجية وقواعده الأيديولوجية والأفكار الثابتة منذ القرن السابع.

والمسألة ليست أن يضرب الرئيس دونالد ترمب أو لا يضرب بعد أيام من التهديد ثم التراجع، فالمسألة هي أن نظام الملالي لا يسقط من الخارج بالقصف الأميركي، بل من الداخل بالتحرك الشعبي.

فالإمام الخميني عمل بعد انتصار الثورة على تصفية القوى الوطنية التي شاركت فيها، وخليفته الخامنئي حرص على إلغاء أي بديل للنظام من داخله وقمع أي تحرك يمكن أن يقود إلى بديل من خارج النظام، والمؤكد أن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي يؤدي إلى استنفار الوطنية الإيرانية وتضامن المعارضين مع السلطة ضد الاعتداء الخارجي.

لكن نظام ولاية الفقيه الذي تقتصر جاذبيته وقوته الناعمة على المكون الشيعي في العالم العربي ليس أقوى من الاتحاد السوفياتي الذي كانت جاذبيته وقوته الناعمة على مستوى الكرة الأرضية. فحين عجز النظام الاشتراكي عن تلبية حاجات المجتمع وظهر أن الجبار الدولي عسكرياً يسير على ساقين اقتصاديتين من فخار، انهار النظام وأخذ معه دول المعسكر الاشتراكي. ومن الطبيعي أن يكون سقوط الاتحاد السوفياتي، مع “التآمر” الأميركي والإسرائيلي، أكبر هاجس لدى الملالي من انهيار النظام الإسلامي على الطريقة السوفياتية وإنهاء الأذرع الأيديولوجية المسلحة التي أسسها الحرس الثوري المكلف بموجب الدستور “تصدير الثورة” وإدارة المواقع الموزعة على خط الدفاع الأول عن طهران.

فنظام الملالي الذي صار في الـ47 من عمره يقترب من المشكلات التي هلهلت النظام السوفياتي قبل الوصول إلى الـ74. والمشكلة في طهران كما كانت في موسكو، مزدوجة، أزمة اقتصادية واجتماعية ومالية شديدة، وأزمة بنيوية في المشروع الأصلي، الشيوعي هناك والإسلامي هنا. فالرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي المعترض على أي اعتداء خارجي يقول بصراحة إن فقدان الأرواح في الاحتجاجات “زاد المعاناة الناتجة من تزايد الفقر والفساد والتمييز والإدارة الفاشلة وضيق أفق الأمل في المستقبل”.

والجيل الجديد الباحث عن فرص عمل صعبة يرى أن الحرس الثوري يسيطر على نحو 40 في المئة من الاقتصاد. كذلك تسيطر المؤسسات الوقفية على نحو 25 في المئة من الاقتصاد، ويتلاعب ما يسمى “المجمع العسكري- الوقفي” بدخل قومي يقترب من 400 مليار دولار. وهو جيل لم يعرف الشاه وظلمه وقمعه، بل ظلم الملالي وقمعهم. وجيل يتوق إلى الحياة والحرية والتطور وشعار “حياة، حرية، امرأة” ولا يغريه خطاب الملالي. جيل يرفع شعار “لا للشاه ولا للملالي”، وجيل “طموحه أن يعيش مثل كوريا الجنوبية، ولديه المواهب والكفايات، لكن النظام يريد أن يحكم مثل كوريا الشمالية”، كما يقول المحلل في “معهد كارنيغي” كريم سادجادبور الذي يرى أن إيران تدفع اليوم “الثمن الكبير للهيمنة الإقليمية”.

وما أكثر الدلالات في قيام مصر والسعودية وعمان وقطر و”القناة السويسرية”، الآلية السويسرية، بجهود هائلة في “ليلة بلا نوم” لإقناع ترمب بوقف الضربة المقررة لإيران. فاللعبة كثيرة الكلفة على النظام، بصرف النظر عن مبالغاته في الحديث عن اقتداره وقوته الصاروخية. وما لم تفعله الضربة فعلته حاجة طهران إلى مساعدة الجوار العربي في إقناع ترمب بخطورة الضربة، وما تقود إليه من فوضى داخل إيران وفي المنطقة. فالباب الذي فتحه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع موفد ترمب ستيف ويتكوف ليس وراءه سوى كلفة كبيرة لوقف الضربة والذهاب إلى مفاوضات مباشرة على صفقة.

ولا أحد في طهران يجهل أن النقاط الأربع التي حددها هي جوهر أية صفقة يوافق عليها ترمب وكان الملالي يرفضون التسليم بها. فماذا يعني إغلاق الملف النووي ومنع تخصيب اليورانيوم داخل إيران والحد من إنتاج الصواريخ الباليستية ومداها وقطع أو إضعاف أذرع إيران في العراق ولبنان وغزة وصنعاء بعد سقوط نظام الأسد وإخراج الحرس الثوري و”حزب الله” و”الزينبيين” و”الفاطميين” وبعض فصائل الحشد الشعبي من سوريا؟، أليس نهاية المشروع الإقليمي الإيراني، إن لم يكُن إسقاط النظام؟… النظام الذي رفض حتى الآن خيار أن يكون “دولة أو ثورة”، وأصر على أن يلعب الورقتين معاً ليصل إلى حال خسارة الدولة والثورة.

ولا أحد يضمن ألا يعود ترمب لتوجيه الضربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى