أقلام وأراء

رفيق خوري – الفصل الرابع الأخطر في حرب لبنان المستمرة

رفيق خوري ١٢-٤-٢٠٢٢م

حرب لبنان التي بدأت رسمياً في 13 أبريل (نيسان) 1975 لم تنتهِ بعد، وإن توقفت المعارك في بداية التسعينيات. هي حرب موزعة على فصول مختلفة. كان مختصر الفصل الأول تعبيراً عن مقولة كلازوفيتز: “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. أما مختصر فصولها التالية، فإنه المعادلة المعاكسة: السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى. وهي، عملياً واستراتيجياً، حرب أكبر من لبنان، وإن كان تغيير النظام والحفاظ عليه جزءاً من الشعارات. أكبر من اللبنانيين والفلسطينيين الذين خاضوها وخسروا معاً. أكبر من سوريا وإسرائيل اللتين تدخلتا عسكرياً وطمح كل منهما لتركيب نظام يلائم مصالحه وموقعه الإقليمي، ثم وجد كلاهما نفسه يخرج من لبنان: إسرائيل خرجت بقوة الرفض اللبناني للسلام معها وقوة المقاومة العسكرية وقوة التفاهم الأميركي-السوفياتي. وسوريا خرجت بقوة أميركا التي سمحت بدخولها عسكرياً وضمنت لها “اتفاق الخط الأحمر” مع إسرائيل، وقوة “ثورة الأرز” العابرة للطوائف والمناطق التي حشدت في ساحة الشهداء ببيروت في 14 مارس (آذار) 2005 أضخم تظاهرة في تاريخ لبنان. هي بالطبع أكبر من القوى العربية والإقليمية التي شاركت فيها عبر وكلاء. ولم تتوقف حتى عندما جرت في الوطن الصغير مواجهة بين الجبارين الدوليين الأميركي والسوفياتي، أيام القوة المتعددة الجنسيات بعد الانسحاب الإسرائيلي.
الفصل الأول من حرب لبنان دام خمسة عشر عاماً حامية، وانتهى بالتوصل إلى “اتفاق الطائف” برعاية الملك فهد والملك الحسن الثاني والرئيس الشاذلي بن جديد، وضمان أميركي وتكليف سوريا برعاية الإتفاق. وهو أعاد “هندسة” التوازن بين الطوائف في إدارة النظام بوضع حدّ للهيمنة المارونية على السلطة، وتنظيم المشاركة على قدم المساواة في مجلس الوزراء الذي أنيطت به السلطة التي كانت مناطة برئيس الجمهورية.

الفصل الثاني كان بعد “اتفاق الطائف”، بحيث جرى انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة وإعادة توحيد الجيش وحل الميليشيات ونزع أسلحتها. لكن “الراعي السوري” لعب دور الوصي و”الوريث”. لم يطبق من “الطائف” سوى ما في مصلحته من البنود وعلى الطريقة السورية، لا اللبنانية. أما البنود التي تضمن مصلحة لبنان واللبنانيين، فبقيت حبراً على ورق. حل الميليشيات ونزع أسلحتها كان انتقائياً، بحيث جرى التركيز على خصوم دمشق مثل “القوات اللبنانية” و”المرابطون”، وتعزيز دور ميليشيا “حزب الله” كمقاومة للاحتلال الإسرائيلي على حساب المقاومة الوطنية التي ضمت الحزب الشيوعي وحزب العمل الشيوعي والحزب السوري القومي وحزب البعث العربي الاشتراكي. وكل شيء صار يأتي من دمشق بإشراف الاستخبارات السورية في “عنجر” وكل منطقة: انتخاب الرؤساء، تأليف الحكومات، تنظيم قوانين الانتخاب وتأليف اللوائح الانتخابية، وإدارة الأمن والعمل العادي في الإدارة. والظاهرة البارزة كانت أحلام الهيمنة السنية عبر السماح لرئيس الوزراء السني بالسيطرة على رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في القضايا المتعلقة بالمال والاقتصاد من دون الأمن، وبروز الدور المتنامي لحركة “أمل” و”حزب الله”، بالتالي للطائفة الشيعية.

الفصل الثالث بدأ عام 2005 بعد الانسحاب العسكري السوري. لكن “ثورة الأرز” التي ربحت قواها الانتخابات النيابية لم تستطِع تأليف حكومة تمثل الأكثرية التي حازتها. كان عليها أن تقبل مشاركة أنصار سوريا وإيران في الحكومة تحت ضغط السلاح. وحين حاولت الحكومة منع “حزب الله” من مد شبكة خطوط هاتفية خاصة به، استخدم الحزب سلاحه وأجبر الجميع على التراجع. ثم احتل الساحات وحاصر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، رفضاً لقبول المحكمة الدولية قبل أن يفرض “تفاهم الدوحة” الذي كان خروجاً على “اتفاق الطائف”. كان هذا فصل الهيمنة الشيعية، بعدما أخذت “الوصاية الإيرانية” محل “الوصاية السورية”.

والفصل الرابع هو الوضع الحالي، بحيث كل شيء على مفترق طرق في صراع على روح لبنان وهويته. فما رافق الوصاية الإيرانية هو نهاية الاستقلال وخطف قرار الشرعية ودفع البلد والناس إلى “جهنم” في أخطر أزمة مالية واقتصادية واجتماعية، وتخريب العلاقات بين لبنان وأشقائه العرب وأصدقائه الدوليين. والرهانات على الانتخابات النيابية والرئاسية هي صدام إرادات بين مَن يريد أخذ لبنان نهائياً إلى المحور الإيراني ومن يريد استعادة لبنان المخطوف.
لكن كل قوة داخلية أو خارجية حاولت الهيمنة على لبنان وأخذه إلى مدارها، اصطدمت بالعجز عن تحقيق أهدافها. وليست الهيمنة الشيعية المتصاعدة استثناءً من القاعدة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى