#شوؤن عربية

رحاب الزيادي: دوافع التقارب: زيارة الرئيس السيسي إلى قطر

تلبية لدعوة من الأمير تميم بن حمد، قام الرئيس “عبدالفتاح السيسي” بزيارة إلى قطر خلال يومي 14 و13 سبتمبر 2022، وهي الزيارة الأولى للرئيس السيسي منذ الجمود السياسي في العلاقات بين قطر مع كل من (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في مايو 2017، وكانت قمة العلا المنعقدة في يناير 2021 بداية لعودة العلاقات العربية إلى طبيعتها منذ توقيع بيان العلا، والاتفاق على إزالة الشوائب بين قطر والدول المقاطعة لها، وانعكس ذلك في تبادل الزيارات حيث زيارة الأمير تميم بن حمد إلى مصر في يونيو 2022، ولقاء آخر جمعه مع الرئيس السيسي على هامش مؤتمر “بغداد للتعاون والشراكة” في أغسطس 2021، ومؤتمر غلاسكو للمناخ نوفمبر 2021. أسفرت هذه اللقاءات عن عودة السفراء حيث قدم سفير مصر في الدوحة “عمرو الشربيني” أوراق اعتماده إلى الأمير تميم في نوفمبر 2021، وسبق ذلك تسلُّم الرئيس المصري أوراق اعتماد السفير القطري في القاهرة “سالم مبارك آل شافي” في سبتمبر2021.

سياق الزيارة

 

عندما وصل الرئيس السيسي إلى قطر مساء الثلاثاء الماضي كان في استقباله بمطار حمد الدولي الأمير تميم بن حمد، وقد عبر الأمير عبر صفحته على تويتر عن سعادته بزيارة الرئيس السيسي قائلًا: “سررت بزيارة أخي الرئيس عبدالفتاح السيسي التي زادت العلاقات القطرية المصرية رسوخًا، وأتاحت لنا بحث سبل تحقيق تطلعات شعبينا الشقيقين في تعزيز تلك العلاقات وخدمة قضايا أمتنا العربية والإسلامية، ودعم الأمن والسلم والاستقرار في منطقتنا”.

وتمثل الزيارات رفيعة المستوى المتبادلة والمتتالية مؤشرًا إيجابيًا على العلاقات التعاونية بين الدول، كما تعكس إدراك ورغبة القادة العرب في خفض مستوى التوترات في المنطقة، وتأمين المصالح الوطنية بشكل خاص، وتحقيق الأمن القومي العربي بشكل عام في ظل متغيرات إقليمية ودولية جديدة، تفرض ضرورة رفع مستوى التنسيق والتعاون وخفض التوتر. وتأتي الزيارة قبل عدد من القمم؛ حيث القمة العربية المقبلة في الجزائر في نوفمبر القادم، واستضافة مصر لقمة المناخ cop-27، واستضافة قطر لمونديال 2022.

 يتضح من الوفد المرافق للرئيس حضور القضايا الاقتصادية والإقليمية على أجندة الزيارة، حيث يرافق الرئيس السيسي في زيارته وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد، وزير البترول والثروة المعدنية طارق الملا، وزير الخارجية سامح شكري، رئيس المخابرات اللواء عباس كامل، اللواء أحمد علي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، اللواء محسن عبدالنبي مدير مكتب الرئيس، السفير بسام راضي المتحدث الرسمي، والسفير المصري في قطر عمرو الشربيني.

تضمنت أجندة الزيارة لقاءات بين الرئيس السيسي مع ممثلي رابطة رجال الأعمال القطريين بمشاركة الشيخ محمد بن حمد بن قاسم آل ثاني وزير التجارة والصناعة القطري، والشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني رئيس مجلس إدارة الرابطة، وبحضور الوفد المرافق للرئيس السيسي لبحث إمكانات تعظيم التعاون بين الدولتين، خاصةً مع توافر الفرص الاستثمارية في مصر في عدة قطاعات، منها: الطاقة المتجددة، والسياحة، والإنشاءات، والتطوير العقاري، والزراعة، والصناعة، والرعاية الصحية. وقد تم التوقيع في سياق الجلسات الرسمية بين الأمير تميم بن حمد مع الرئيس السيسي والوفد المرافق له، على ثلاث مذكرات تفاهم، واحدة بين صندوق مصر السيادي للاستثمارات والتنمية وجهاز قطر للاستثمار، وأخرى في مجال الشئون الاجتماعية بين وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة التنمية الاجتماعية القطرية، وثالثة بشأن التعاون في مجال الموانئ بين الدولتين.

دوافع التقارب

 

تعكس الزيارات المتبادلة بين الدولتين مؤشرًا هامًا في مسار التعاون العربي المشترك، لمواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة وانعكاسات الأزمات الدولية عليها. ومن ثم يتم التوضيح هنا دوافع التقارب بين الدولتين على النحو التالي:

أولًا- على المستوى الثنائي:

• جذب الاستثمارات:

تتمثل أهمية الزيارة في الاتفاقيات التي يتم توقيعها بين مصر وقطر على الصعيد الاقتصادي لمواجهة تداعيات الأزمات الدولية من ناحية، والتي واجهتها معظم الدول العربية جراء أزمة كورونا، وتعطل سلاسل التوريد، ونقص الحبوب، وارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب الروسية-الأوكرانية، وبما يؤمن مصالح الدولتين الوطنية من ناحية أخرى. ومن ثم توفر الزيارة مزيدًا من التلاقي للدفع بمزيد من الاستثمارات حيث تضطلع قطر بضخ استثمارات في مصر الفترة القادمة بنحو 5 مليارات دولار، وتحتل قطر المرتبة العاشرة ضمن الدول المستثمرة؛ حيث تتواجد نحو 231 شركة برأسمال بلغ 4.6 مليار دولار، وبنسبة مساهمة قطرية تقدر بنحو 2.2 مليار دولار، وتتواجد تلك الاستثمارات في قطاعات الطاقة والسوق المصرفية والعقارات.

تقوم شركات التطوير العقاري القطرية ببعض المشروعات في مصر؛ إذ أطلقت شركة ديار القطرية مشروع “سيتي جيت” بمنطقة شرق القاهرة، والذي يقدم أكثر من 24 ألف وحدة سكنية متنوعة، كما تقوم الشركة ببعض المشروعات الأخرى مثل مشروع “نيو جيزة” على مساحة 1500 فدان بمنطقة غرب القاهرة، وفندق “سانت ريجيس” والذي يشمل 515 وحدة فندقية، وتتطلع الشركة إلى تنفيذ مشروعات سياحية بمدينتي الغردقة وشرم الشيخ.

كذلك مثّل اللقاء الذي جمع بين المستشار محمد عبدالوهاب الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، والشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر في يونيو 2022، فرصة لجذب الاستثمارات القطرية إلى مصر، وانعكس ذلك في لقاء عدد من الشركات القطرية المهتمة بتنفيذ استثمارات جديدة، وتضم “مجموعة الفردان” التي تتوسع أنشطتها لتتضمن قطاع المجوهرات، والتطوير العقاري، والضيافة، والرعاية الصحية، والسيارات، والخدمات البحرية والمالية، وتدرس إقامة فندق سياحي في مصر، وكذا شركة “قطر كوول”، والتي ترغب في إقامة مشروع تبريد مركزي بالعاصمة الإدارية.

إضافة إلى لقائه برامز الخياط، رئيس مجلس إدارة مجموعة الخياط القابضة، والتي تُعد إحدى الشركات الرائدة في البناء وتطوير العقارات المدنية والصناعية والسكنية والتجارية، والتي قامت مؤخرًا بالاستحواذ على حصة في شركة جهينة، فضلًا عن الحديث عن اهتمام الصندوق السيادي القطري بشراء حصة بنسبة 25% من أسهم الشركة الشرقية “إيسترن كومباني” للدخان.

أما على مستوى التبادل التجاري بين مصر وقطر، ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، زاد حجم التبادل التجاري بين الدولتين ليصل 44.8 خلال عام 2021، مقابل 25.4 مليون دولار خلال عام 2020. كما أن أحد ملفات التقارب بين الدولتين (ملف العمالة المصرية في قطر) التي يقدر عددها بنحو 350 ألف موطن، وقد بلغت قيمة تحويلاتهم 1.34 مليار دولار في عام 2020.

• تعزيز التعاون في مجال الطاقة:

يعد قطاع الطاقة من أبرز مجالات التعاون بين الدولتين في ظل المكانة الإقليمية التي تسعى مصر لتحقيقها كمركز إقليمي للطاقة، والإمكانيات القطرية في هذا باعتبارها أكبر مصدر للغاز المسال في العالم. تنامت الاستثمارات القطرية في قطاع الطاقة المصري عبر توقيع شركة قطر للطاقة اتفاقية مع شركة شل والتي حصلت بموجبها على حصة 17% في كل من الامتيازين (بلوك 3 وبلوك 4) المدارين من جانب شركة شل في منطقة البحر الأحمر، وفي مارس 2022، حصلت الشركة أيضًا على حصة 40% في منطقة استكشاف تتم إدارتها من قبل شركة “إكسون موبيل” بالبحر المتوسط. 

من ناحية أخرى، تقضي المتغيرات الدولية التي فرضتها الحرب الروسية-الأوكرانية ضرورة التنسيق المشترك في مجال الطاقة، في ظل حالة الاستقطاب التي تعمل عليها الدول الغربية بين الولايات المتحدة وأوروبا من ناحية، وروسيا من ناحية أخرى، وما كشفته الحرب عن أهمية المنطقة في الغاز والنفط والرغبة الأمريكية في زيادة دول الخليج لإنتاجها من النفط، لمواجهة النقص في السوق العالمي كبديل للغاز الروسي.

ثانيًا- على المستوى الإقليمي:

• مواجهة الأزمات العربية:

تتمثل أهمية الزيارة التي قام بها الرئيس السيسي إلى قطر في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة من حيث استمرار الأزمات المرهقة في كل من ليبيا والعراق واليمن ولبنان وسوريا والصومال، لا سيما في ضوء أزمة سياسية في العراق، وأخرى اقتصادية تعاني منها لبنان، بالإضافة إلى عدم تحقيق توافق بين الأطراف الداخلية في ليبيا المتنافسة على السلطة والنفوذ، لذا تحتل القضية الليبية أولوية على أجندة الرئيس السيسي، نظرًا لما تمثل هذه القضية من امتداد للأمن القومي المصري، ومن ثم السعي إلى حلحلة الأزمة بين الأطراف الليبية، وربما ذلك برعاية قطرية في ضوء اللقاءات التي استضافتها قطر للأطراف الليبية، حيث اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، مع الأمير القطري “تميم بن حمد آل ثاني” في 11 سبتمبر الجاري، سبقها لقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد محمد الدبيبة في 8 سبتمبر. 

من ناحية أخرى، إن استمرار هذه الأزمات العربية هو عامل مقوض للاستقرار في المنطقة ومن ثم تقضي ضرورة وجود تحركات عربية مشتركة لمواجهتها، وهو ما لمسناه في لقاءات عربية مصغرة الأشهر الماضية، سواء لقاء العلمين الجديدة في 22 أغسطس 2022 بحضور قادة الإمارات والأردن والعراق والبحرين، وكذلك لقاء ولى العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس عبدالفتاح السيسي في 20 يونيو 2022.

• بحث القضية الفلسطينية:

تتمثل أهمية الزيارة في التنسيق والتشاور بشأن القضية الفلسطينية، فدائمًا ما تحتل القضية الفلسطينية أولوية على أجندة مصر الخارجية، فقد سبق التنسيق المصري-القطري لمواجهة التصعيد الإسرائيلي تجاه غزة في مايو 2021، فكانت الوساطة المصرية جديرة بوقف إطلاق النار، فضلًا عن تبنيها إعادة إعمار قطاع غزة، ومن ناحية أخرى كان الوساطة القطرية ما بين إسرائيل وحركة حماس حاضرة تجنبًا لاستمرار التصعيد، وفي أغسطس 2021، تم التوصل إلى آلية جديدة لنقل أموال المنحة القطرية إلى غزة (بقيمة 360 مليون دولار لدفع رواتب الموظفين والأسر المتضررة)، ومن ثم فإن التنسيق المشترك وتكامل الأدوار آلية ضرورية لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي في المنطقة.ختامًا، تعكس الزيارات المتبادلة بين الدولتين مؤشرًا هامًا في مسار العلاقات التعاونية بهدف تأمين المصالح الوطنية خاصة، والعربية عامة، من حيث مواجهة تهديدات الأمن القومي العربي، ولا سيما في ظل متغيرات إقليمية ودولية تقضي بضرورة التنسيق المشترك بين الدول العربية، وهو دائمًا ما تؤكده الدبلوماسية المصرية في تحركاتها الخارجية بما يحقق السلام والاستقرار في المنطقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى