أقلام وأراء

رجب أبو سرية – احتمالات المواجهة في رمضان

رجب أبو سرية 2022-04-01

احتفلت الفصائل الفلسطينية في غزة بيوم الأرض أول من أمس الأربعاء، على أرض ميناء غزة، وليس على مقربة من الحدود الشرقية مع إسرائيل، وقد ظهرت الجبهة الشعبية في مقدمة المشهد وليس حماس، وكأن حماس التي تسيطر على القطاع منذ خمسة عشر عاما متواصلة، تتجنب تسخين الأجواء مع إسرائيل عشية حلول شهر رمضان الفضيل، حيث اعتدنا خلاله في الأعوام الماضية على أن نشهد فصولا دامية وحامية من المجابهة الفلسطينية/الإسرائيلية متعددة الأشكال والميادين، وليس أدل على ذلك مما حدث العام الماضي، حين دخل قطاع غزة في حرب واسعة مع إسرائيل، نصرة للقدس، وبسبب الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، واستباحة حرمته في الشهر الفضيل.
ومرور يوم الأرض دون تصعيد، يعني تجاوز أول استحقاق قدّرته أجهزة الأمن الإسرائيلية، فيما يبقى بعد ذلك العديد من المناسبات التي يمكن أن تشهد اندلاع المواجهة لما تمثله من مكانة في نفوس الفلسطينيين، مثل يوم الأسير، وذكرى مسيرات العودة، وكذلك الذكرى الأولى لسيف القدس التي تسميها إسرائيل حارس الأسوار.  
وإسرائيل من جانبها أجرت اتصالات فيما أجرى مسؤولوها لقاءات وحوارات عديدة مع القيادتين الفلسطينية والأردنية، وذلك لمواجهة احتمالات اندلاع المواجهة في القدس وبالتالي في محيطها الفلسطيني كله، وذلك خلال أيام رمضان المباركة، فأكثر من مسؤول إسرائيلي التقى الرئيس الفلسطيني والملك الأردني من أجل احتواء الموقف المتوقع، ولم تكتفِ إسرائيل بذلك بل اتخذت العديد من القرارات والإجراءات لتعزيز وجودها الأمني، لدرجة أن الجيش اتخذ قرارا بتعزيز قوات الشرطة باثنتي عشرة كتيبة إضافية للضفة الغربية، إضافة لكتيبتين أخريين للحدود مع غزة، إضافة لاستخدام الليزر والمعدات المتطورة، بما يؤكد لإسرائيل قبل غيرها، أن الجيش الذي ينتشر في أرض فلسطين بهذا الشكل، ما هو إلا جيش احتلال، وأن إسرائيل عجزت عن أن تكون غير ذلك طوال 55 سنة مضت.
رغم ذلك فإن الإشارات التي أتت خلال الأيام الأخيرة، لا تنبئ بأن الاحتلال بتعزيز وجود قواته العسكرية، ولا بإجراءاته الإنسانية المعيشية، قادر على احتواء الموقف، ذلك أن الأمر لن يكون طبيعيا ما دامت إسرائيل تحتل فلسطين، وخلال رمضان لا يمكن تجنب المواجهة الدامية، ما دامت الحكومة الإسرائيلية تسمح بتجاوز مشاعر المسلمين الدينية، حتى وإن كان عيد الفصح اليهودي سيحل خلال شهر رمضان الفضيل، وذلك حين تسمح بل وتحمي اقتحام المستوطنين للحرم القدسي الخاص بالمسلمين، في الوقت الذي تفرض فيه القيود على عدد وأعمار المصلين المسلمين، وتلاحق فيه المرابطين، فضلا عن الإجراءات الاحتلالية التي لا تنتهي، والخاصة بملاحقة العائلات في منازلها، والسماح للتطرف، ممثلا بايتمار بن غافير على سبيل المثال، بإقامة خيمة احتلالية على أرض خاصة بعائلة فلسطينية في الشيخ جراح !  
لم تنجح حقا إسرائيل ونحن بعد لم ندخل شهر رمضان بعد، حيث معروف أن هالة الإيمان تحط بنفوس المسلمين الصائمين، والذي خلاله كانت أعظم الفتوحات والغزوات، وبذلك يكون فيه أعظم الجهاد، فها هي إسرائيل تتعرض لعمليتين قاسيتين في الخضيرة وبني براك ورمات غان، بما يوحي بأن ما حدث العام الماضي لن يكون مقارنة بما يمكن أن يحدث هذا العام، إلا النزر اليسير، ومضمونه أن إسرائيل ستواجه الكل الفلسطيني، في كل الساحات والميادين، أي أنه لن يكون بمقدورها أن تنفرد بالقدس، أو بالضفة، أو غزة، أو بفلسطينيي 48، كما منت النفس، أو حتى كما تعودت عبر تاريخها الذي لم يكن سوى شريط متواصل من المواجهة مع الشعب الفلسطيني الحي والمكافح.
وحتى الحرب بين روسيا وأوكرانيا لن تكون كافية لصرف الأنظار عن المواجهة التي على الأرجح أن تقع، رغم كل تلك الاحتياطات والترتيبات المسبقة، كذلك لن تمنع وقوعها اللقاءات بما في ذلك متابعة اتفاقيات التطبيع، وآخرها اللقاء في شرم الشيخ، وإسرائيل التي تظن أنها قد ابتلعت اللقمة الدسمة، المتمثلة بالأرض الفلسطينية، بما يسمح لها بالتفكير في ما هو حولها من المحيط إلى الخليج، بل والذهاب إلى أبعد من ذلك، أي إلى إيران وربما باكستان وتركيا، لتحقيق الطموح الاستعماري المهووس بالتوسع والسيطرة، ستصحو على كابوس بعد أن يصطدم رأسها بجدار الواقع المرير.  
وبالعودة لحسابات الطرفين، أي إسرائيل وحماس، فإن حماس تريد المواجهة في الضفة مع تجنبها في غزة، لكن حماس لم تعد هي المحرك الوحيد للجبهة على الجانب الفلسطيني، حيث هناك الجهاد الإسلامي، الذي ليس لديه حسابات حماس التي هي سلطة في قطاع غزة، أما حسابات إسرائيل، فهي محكومة لليمين، واليمين المتطرف، خاصة وأن مكون الحكومة اليميني مشخصا برئيس الحكومة خاصة، يواصل الحرص على الظهور بمظهر ليس أقل مما كانت عليه حكومة بنيامين نتنياهو، لجهة حماية التطرف وتسهيل اقتحامات المستوطنين لحرمات الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، الدينية.  
وهكذا فإن تجنب المواجهة، على الأقل، كما ظهرت في الأعوام السابقة، يبدو أمرا صعب المنال للغاية، وفي حال حدوثه سيربك حسابات الحليف الإستراتيجي لإسرائيل، ونقصد الولايات المتحدة، التي بالكاد بعد ضغوطها العام الماضي أول عهد إدارة بايدن بالبيت الأبيض، اختصرت مدة الحرب بأقل عدد من الأيام، فيما تواجه هذا العام معضلة المواجهة مع روسيا، ودعم قدرتها على خنق روسيا اقتصاديا على الأقل بإغلاق قوس الحصار ليكون عالميا ولا يقتصر عليها وعلى أوروبا.
وفي حال اندلعت المواجهة على أرض فلسطين، فإن واشنطن ستواجه حرجا دوليا، بل وضغطا عالميا، يجعل من إجراءاتها ضد روسيا أخف من الهواء، لذا فقد سارع وزير خارجيتها أنتوني بلينكن ليتابع تقديم الوعود للجانب الفلسطيني، الذي ما عادت تقنعه في شيء، ولهذا سمع كلاما يطالبه كما يطالب إسرائيل بإجراءات سياسية، على طريق حل الدولتين.  
أقل ما يمكن أن يتم اتخاذه من إجراءات يمكنها أن تمنع احتمال اندلاع المواجهة – بتقديرنا – إضافة للتسهيلات المعيشية، خطان من الإجراءات، أحدهما يتيح ممارسة العبادات الدينية للمسلمين في القدس خلال رمضان بحرية كاملة، مع منع كل أشكال الاقتحامات والاستفزازات المتطرفة من قبل اليهود والمستوطنين، وثانيهما، شق الطريق لحوار سياسي، يمهد لمؤتمر دولي أو إقليمي، يشق أفقا للحل السياسي، دون ذلك سيكون رمضان وما يتبعه خلال هذا العام، ليس أكثر من مناسبة لإشعال الحريق الذي لا بد أن يقع في نهاية المطاف، طال الزمان أو قصر، وذلك في واقع قابل للاشتعال أصلا في أي لحظة ومناسبة. 

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى