Take a fresh look at your lifestyle.

رامي منصور يكتب –  المجتمع المستحيل

0 103

رامي منصور *- 31/8/2021

وضعتنا الهبة الشعبية في أيار/ مايو الماضي أمام حقيقة واقعنا؛ مجتمع هشّ، بلا قيادة حقيقية تتجاوز البرلمان، مجتمع بلا مؤسسات أهلية بمعنى الكلمة إلا استثناءً، وأسوأ حالًا مما كنا عليه في مطلع الألفية وخلال الانتفاضة الثانية. مجتمع وجد نفسه في لحظة الصدام عاريًا من كل مقومات الصمود أو كل مقومات المجتمع، إلا الكرامة والدفاع عن البيت.

لا يتحمل مسؤولية هذا الواقع طرف بعينه، وإنما تتقاسم مسؤوليته كل الحركات السياسية والمؤسسات الأهلية و”النخب”، لكن الجريمة أولًا وأخيرًا من مسؤولية المستعمِر، الذي يريد لنا أن نكون “حاضرين غائبين”. إلا أن ذلك لا يمنع من أن نجري مراجعة للذات، كجماعة وأفراد، وهذا ما لم يحصل حتى اليوم، لا في الأحزاب والحركات السياسية ولا في “الأطر الوطنية” مثل لجنة المتابعة.

منذ يوم الأرض الأول، قامت مؤسسات وأطر واندثرت، بدءًا من لجنة الدفاع عن الأراضي، وصولًا إلى لجان الطلاب العرب في الجامعات. في التسعينيات بدا الأمر إيجابيًا؛ إذ تأسست مؤسسات مدنية وأهلية، وازداد الوعي والإدراك لضرورة التنظُّم القومي في مؤسسات جدية جامعة وليس على المستوى المعنوي أو الشعور الوطني. تطور العمل المدني والأهلي والدولي، وكانت اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية لا تنفصل عن لجنة المتابعة. رئيس اللجنتين هو ذاته. ومنذ أواسط التسعينيات ارتفع عدد المرات التي أعلن فيها الإضراب في ذكرى يوم الأرض، وارتفع عدد الأيام التي أعلن فيها الإضراب في مناسبات وطنية، فيما كان البعض لا يزال ينتظر اختمار “الجهوزية النضالية للشعب” منذ النكبة بانتظار إعلان النضال. وكل مرة كان هؤلاء يتفاجؤون من أن الجهوزية النضالية للشعب “عال العال”، وتسبقهم الناس إلى ميادين النضال، من أم السحالي إلى الروحة وصولا للهبة مع اندلاع الانتفاضة الثانية في تشرين الثاني/ أكتوبر 2000.

لم تكن عملية الإضعاف هذه متعلقة فقط بالتوجهات الاقتصادية للحكومات الإسرائيلية بعد الانتفاضة الثانية تجاه الداخل واستهداف القوى الوطنية، واتباع سياسة العصا والجزرة مع المواطنين الفلسطينيين في الداخل؛ بل نبعت عملية الإضعاف أيضًا من دوافع داخلية أو ذاتية، لحركات سياسية ونخب حسمت توجهها في أعقاب تشرين الأول/ أكتوبر 2000، بأن نضالها لا يتجاوز اللعبة البرلمانية الإسرائيلية، رافضة تدويل قضايا فلسطينيي الداخل، وتعدّ ذلك قومجية أو انفصالية، لكن عن من؟ عن النظام الاستعماري الحاكم.

في المقابل، لم تطور القوى الوطنية، البرلمانية وغير البرلمانية، رؤى حديثة لمواجهة الواقع الذي تصنعه إسرائيل، ولا توجد اليوم قوى وطنية تملك أجوبة عن أسئلة ومعضلات الواقع المستجدة، وظلت تراوح مكانها أو سلمت بالأمر الواقع، لكنها زادت من حدة نبرتها الوطنية للتغطية على العجز أمام الواقع.

لقد أكدت الهبة على أمرين؛ أولًا، أننا مجتمع أو شبه مجتمع بلا مقومات مجتمعية أو أهلية وبلا مؤسسات وطنية جامعة إلا شكليًا، حتى اقتصادية أو تجارية؛ وثانيًا، أن النخب على أشكالها بعيدة عن التأثير في الواقع، وعندما أثرت كانت في اتجاه معاكس، في اتجاه الانغماس كلية في المنافسة بين معسكر نتنياهو والمناوئ له، والذي انتهى إلى التوصية على غانتس ومن ثم تفكك القائمة المشتركة. ولا أعزو ذلك إلى سوء نية، بل إلى قُصرِ نظَر وانفصال كبير عن الواقع الاستعماري الذي نعيشه، أو ما يمكن تسميته بالتفكير الأقلياتي، الذي رافقه تمويل من جهات يهودية أميركية– صهيونية لمبادرات لا تهدف إلى بناء مؤسسات مجتمعية وأهلية وطنية، بل على العكس، لخلق بديل لها، واعتبار قضايا الفلسطينيين في الداخل، جزءًا من الصراع على الديمقراطية اليهودية في إسرائيل أو ليبراليتها. كان هذا تدميرا ممنهجا لنضال ممنهج على مدار عقد ونصف لبناء مؤسسات وطنية جامعة. هذه النخب ربما بحاجة لإعادة قراءة الدراسات الما بعد كولونيالية عن التابع والوكيل. بالتأكيد سوف تشحب وجوههم، أولًا لسذاجتهم وثانيا لسطحيتهم وعدم منهجيتهم. هذه مميزات التفكير الأقلياتي الذي لا يرتقي إلى فكر حتى.

لا يمكن أن نؤسس لمجتمع حديث وعصري ومتنور إذا نزعنا عنه السياق الوطني والاستعماري، وإذا مارسنا التفكير الأقلياتي. أول مضاد حيوي للواقع الاستعماري هو الخروج من التفكير الأقلياتي وربط السياقات ببعضها بعضًا. نزع السياق الوطني والقومي عن مواجهة الواقع الاستعماري هو تفكير أقلياتي غير تحرري وغير تنويري، بل هو “تسليك حال” في واقع الفوقية العرقية الاستعمارية. لذلك تجدهم يخافون أو يتجنبون الحديث – حتى لا أقول المطالبة- عن حق تقرير المصير للفلسطينيين في إسرائيل كجزء حيوي ومكمل لحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني.

منذ مئتي عام كُتبت عشرات آلاف الصفحات ومئات الكتب عن إشكاليات الفرد – المجتمع – الدولة، ورجحت معظمها أن لا فرد بلا مجتمع ولا مجتمع من دون دولة. لا إنسان فاضلا بلا مجتمع يربي على الفضيلة، ولا مجتمع فاضلا كهذا من دون دولة تتيح لهذا المجتمع أن يربي على الفضيلة، ولذا تصبح هذه الإشكاليات في العلاقة بين الثلاثة، ثانوية. هذا في وضع دولة طبيعية. فلا فرد بلا جماعة كما ذكّرنا ماركس في نقده للاقتصاد السياسي. في واقعنا الاستعماري هذا مستحيل، لأن الدولة نفسها معادية للفرد بسبب انتمائه لجماعة قومية محددة.

أما في حالتنا، فإن الفشل في تأسيس مجتمع حديث وعصري بحدوده الدنيا المعقولة، أي التأسيس له وطنيًا تحرريًا مناهضا للواقع الاستعماري، وبناء الجماعة الوطنية، يعني التحلل في جماعات محلية أو عضوية أو حتى مافياوية، وهذا ما يحصل اليوم. من دون التحرر من التفكير الأقلياتي في صفوف حركاتنا السياسية ونخبها، فإن التأسيس لمجتمع كهذا هو مهمة مستحيلة.

كشفت الهبة نقاط ضعفنا، لكن في كثير منها هي من صنع حركاتنا السياسية صاحبة التفكير الأقلياتي. كشفت الهبة أن فينا الكثير من الفضيلة، لكن هناك من يريد أن يبقى متعلقًا بـ”النضال” من أجل لملمة الفضلات عند المستعمِر، وهذا من الاستحالة أن يؤسس مجتمعًا.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.