راسم عبيدات يكتب - ما بعد الإنتخابات الأمريكية... أسئلة وتداعيات ! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

راسم عبيدات يكتب – ما بعد الإنتخابات الأمريكية… أسئلة وتداعيات !

0 64

بقلم  راسم عبيدات – 9/11/2020

الانتخابات الأمريكية حظيت بتغطية واهتمام عالمي و إقليمي وعربي ومن قبل دولة الاحتلال بشكل غير مسبوق، وتعاطت معظم الدول مع هذه الإنتخابات كانتخابات خاصة بها، وكذلك حجم المشاركة في الإنتخابات والتجاذبات والصراعات والحملات الانتخابية التي عكست تدهوراً خطيراً في المنظومة القيمية والأخلاقية كان غير مسبوق أيضاً. وأيضاً ما ظهر من انقسام عمودي في المجتمع الأمريكي لم تنعكس ازمته فقط في ازمة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل ازمة تطال الهوية والمجتمع والكيان.

وفي هذه المعالجة لن نتطرق لها، ولكن ما نتطرق له ، لماذا تعاطت الكثير من الدول مع هذه الإنتخابات وكأنها انتخاباتها الخاصة؟

أمريكا هي القوة العظمى التي استناداً الى قوتها العسكرية والاقتصادية والمالية، تمارس البلطجة وشرطي العالم،وتحارب بشراسة لمنع بروز عالم متعدد القطبية وستستخدم كل مصادر قوتها في سبيل ذلك عسكرية واقتصادية ومالية،إنها سياسة البلطجة،وفي عهد ترامب رأينا بوضوح هذه البلطجة بالتصرف خارج منظومة القوانين والاتفاقيات الدولية وخارج الشرعية الدولية والمؤسسات الدولية وقراراتها أيضاً، بل وصل الأمر الى حد تشريع عمليات ضم أراضي دول الى دولة الاحتلال الإسرائيلي،كأنها جزء من أراضي أمريكية – القدس والضفة الغربية ومرتفعات الجولان السورية المحتلة- وكذلك فرض عقوبات على ايران خارج القانون والإجماع الدولي وقرارات الشرعية الدولية والإنسحاب من اتفاقيات دولية مثل الإتفاق النووي مع ايران والإنسحاب من اتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة “اليونسكو” ومجلس حقوق الإنسان، ولتصل الوقاحة الى حد أن تقوم مندوبتا أمريكا في الأمم المتحدة السابقة والحالية نيكي هايلي وكيلي كرافت،الأولى بتهديد أي زعيم عربي ينتقد اسرائيل في الأمم المتحدة او يقرعها على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني بضربه بحذائها ذو الكعب العالي، والثانية طلبت من مجلس الأمن الغاء بند مناقشة القضية الفلسطينية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وشطب ما يسمى بمبادرة السلام العربية . ولا ننسى ما فرضته امريكا من عقوبات ظالمة وغير مسبوقة اقتصادية ومالية ودبلوماسية وغيرها على سوريا ولبنان وايران وفنزويلا وحتى روسيا والصين.

الإهتمام العالمي والإقليمي والعربي في الانتخابات الأمريكية نابع من الرغبة في معرفة من هو الرئيس الأمريكي القادم الذي سيكون جلاده ويقود العدوان عليه ضمن الصلاحيات الاستبدادية والسلوكيات التسلطية للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهل سيكون هناك تغيير في السلوكيات الأمريكية أو نهجها او ستجري اعادة النظر في اولوياتها وسياساتها الخارجية .

البعض يعتقد بأن الرئيس الأمريكي هو صاحب القرار في تحديد الاستراتيجيات الأمريكية والسياسته الخارجية، ونحن نقول ان السياسة الخارجية الأمريكية سواء من كان يحكم أمريكا ديمقراطي ام جمهوري،هي ثابتة وما يجري هو تغيير في الشكل ليس في المضمون، وبالتحليل للواقع الملموس، في عهد الجمهوريين استخدمت أمريكا القوة الخشنة او الصلبة او القفازات الحديدية لتطويع الدول والشعوب التي تتمرد على إرادتها وتخرج عن طوعها أو تتعارض مع مصالحها واهدافها او انها تريد الدخول الى ملعبها وأسواقها الإستهلاكية أو أنها باتت تشكل خطراً على وجود شريكتها الإستراتيجية اسرائيل، وفي هذا السياق والإطار غزا جورج بوش العراق واحتلها عام 2003، وطلب من اسرائيل شن حرب عدوانية بالوكالة على لبنان و حزب الله حزيران 2006 لخلق و” توليد” ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد،ومن بعد رحيل الجمهوريين وقدوم الديمقراطيين استخدموا القفازات الناعمة او القوة الناعمة، وطبقوا في الجوهر والمضمون نفس السياسة الأمريكية بدون الصلف والعنجهية وسفور قباحة الوجه الأمريكي، ومع عودة الجمهوريين للحكم بقدوم البلطجي ترامب، أعلن بشكل واضح أن أمريكيا هي شرطي العالم، تعاقب من تشاء وتثيب من تشاء وتحدد للدول زعمائها وتتدخل في شؤونها الداخلية لفرض رؤساء وزعامات تتوافق والرؤيا والأهداف الأمريكية، وكذلك تفرض العقوبات بكافة اشكالها اقتصادية مالية تجارية دبلوماسية على كل من يقول لا لأمريكا او يخالف إرادتها. وشهدنا ضمن سياسة البلطجة والإرهاب العمياء، حربا شعواء شنت على خمس دول عربية في إطار ما سمي بثورات الربيع العربي، وكانت الساحات الرئيسية لتلك الحروب مصر سوريا العراق وليبيا واليمن.

بدأت تلك الحرب في عهد الديمقراطيين واستكملت في عهد الجمهوريين، حيث أضاف لها ترامب قضية عدم الحماية المجانية للدول التابعة ،وبالذات المشيخات الخليجية العربية، والتي دأب على “إستحلابها” مالياً، والبرنامج الانتخابي الذي اعلن عنه ترامب في انتخابات عام 2016،قال بأنه سيركز على الوضع الداخلي الأمريكي، وتقوية وزيادة النم الاقتصادي والتقليل من معدلات البطالة والفقر …الخ،ولكن لم نشهد على أرض الواقع أي تغيير جوهري في السياسة الأمريكية،حيث لم تتوقف الحرب على أي جبهة في الشرق الأوسط ولم تخل قوات امريكا أراضي دولة تحتلها أو اقامت قواعد عسكرية لا شرعية عليها.

وفي الحديث عن تأثيرات الإنتخابات الأمريكية على شعبنا وقضيتنا الفلسطينية، وخاصة بعد إعلان فوز بايدن في تلك الإنتخابات ليشغل منصب الرئيس الـ46 لأمريكا، فلا بد من القول بأن السياسة الخارجية الأمريكية، ليس الرئيس وحده هو صاحب القرارات فيها، فتلك القرارات اذا ما تعارضت مع المصلحة الوطنية العليا نجد ان الدولة العميقة ومعها مجموعات الضغط واللوبيات التي تمثل الكارتلات الاحتكارية الضخمة -النفط والسلاح والمال- تتدخل لإضعاف دور الرئيس وتهميشه وحتى شطبه.

ولذلك من يراهنون على تغيير جوهري في سياسة بايدن تجاه شعبنا وقضيتنا الفلسطينية، مصابون بعمى سياسي، فأكثر ما سيقوم به بايدن، هو خطوات ذات بعد اقتصادي وإنساني، أي السلام الاقتصادي الذي يتحدث عنه نتنياهو. وحتى غانتس شريك نتنياهو في الحكومة، والذي اعتبر البعض أنه يمثل ما يسمى بيسار الوسط الصهيوني، يقول بأن أي مشروع سياسي يجب ان يضمن عدم العودة لحدود الرابع من حزيران/1967، وسيطرة امنية اسرائيلية كاملة على الكيان الفلسطيني، ولذلك فان بايدن سيتخذ خطوات لا ترتقي الى حد التغير الجوهري في السياسة الخارجية الأمريكية، فبايدن نفسه يقول “ليس بالضرورة ان تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً”،والحزبان الكبيران متفقان على التفوق النوعي الأمني والعسكري الإسرائيلي على كل العرب، واسقاط حق العودة لللاجئين الفلسطينيين واعتبار القدس الموحدة عاصمة لدولة الإحتلال.

ولذلك أقصى ما سيقوم به بايدن من خطوات لجذب واعادة السلطة الفلسطينية لطاولة المفاوضات من جديد، يتمثل في إعادة تمويل منظمة وكالة الغوث واللاجئين الفلسطينيين ” الأونروا”، ضخ المزيد من المساعدات المالية والعينية للسلطة والأجهزة الأمنية التي لم يتوقف دعمها واعادة فتح مكتب المنظمة في واشنطن وإعادة تنشيط العلاقات والتنسيق والزيارات الأمنية بين أجهزة السلطة ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وفتح القنصلية الأمريكية في القدس العربية المحتلة،الذي جرى دمجه مع السفارة الأمريكية في القدس، ولكن بالمقابل لن يعيد بايدن سفارة اميركا من القدس الى تل أبيب ولن يتخلى عن الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال.

جيد ان نرى ونستثمر الفروق ما بين ترامب وبايدن، ولكن دون التطير وتضخيم تلك الفروقات وتصويرها على انها إنجازات وانتصارات، ولذلك يجب وقف منطق ومسلسل التجريب والمقامرة بحقوق شعبنا الفلسطيني وقضيتنا الفلسطينية، بريط ذلك بالمتغيرات وتبدل الإدارات في تل أبيب وواشنطن.

وعلينا كذلك أن نلحظ بأن قطار المصالحة وانهاء الإنقسام واجراء الإنتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، قد يتوقف عن الإقلاع، حيث ستعمل الإدارة الأمريكية الجديدة على منع عجلاته من الدوران، ولن تقبل بدمج حماس في النظام السياسي الفلسطيني،وإن قبلت ذلك سيكون بشروط شبيهة بشروط ترامب التعجيزية لإقامة الدولة الفلسطينية.

ومن هنا بعد ” تجريب كل المجرب” لا مناص من تصليب الحلقة الداخلية الفلسطينية وتقويتها، عبر رسم استراتيجية ورؤيا وحدويتين وبرنامج وطني متفق عليه ومشاركة حقيقة في القيادة والقرار،وبما ينهي الإنقسام ويعزز إستعادة الوحدة الوطنية، والاتفاق على شكل النضال الذي يتوجب خوضه لتحقيق تعديل جدي في ميزان القوى مع المحتل بما يمكن من انتزاع اكبر قدر ممكن من حقوقنا من بين” أنياب” هذا الوحش الاحتلالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.