شؤون إسرائيلية

افيف كوخافي رئيس أركان الجيش الاسرائيلي والتحديات المستقبلية

بقلم : د. يوسف يونسنائب رئيس مركز الناطور للدراسات والأبحاث 28-1-2019م

مقدمة :
يشكل الجيش الإسرائيلي دعامة النظام السياسي في وظائفه الأساسية بجانب الأدوار الاجتماعية والاقتصادية المختلفة التي يلعبها في العلاقات المتشابكة مع الدولة بكافة مؤسساتها وأيضاً مع المجتمع الإسرائيلي.
وحسب القانون، فان رئيس الاركان هو المستوى القيادي الاعلى في  الجيش الاسرائيلي، يخضع لامرة الحكومة ويتبع لوزير الدفاع. وتتركز وظيفته الأساسية على ضمان جاهزية الجيش الاسرائيلي وملاءمته لمواجهة تحديات استراتيجية، على الصعيد الإقليمي والدولي. ويضاف الى التعقيدات الاساسية لمنصب رئيس الاركان مزايا السياسة والمجتمع في اسرائيل.
رئيس  الاركان في اسرائيل هو عضو في الكابنت الامني، ورأيه هام للغاية، حيث قواعد اللعب تختلف عن القواعد في الجهاز العسكري، حيث خدم كوخافي عشرات السنين، ويلقى على كاهل رئيس الاركان مسؤولية استخدام القوة العسكرية الاسرائيلية لتحقيق اهداف سياسية، وتحديد التوقيت، وحجم القوة اللازم، وعناصرها وشكل استخدام القوة العسكرية.
تخضع عملية اختيار رئيس أركان الجيش الاسرائيلي لاعتباراتٍ رسميةٍ، على صعيد المؤسّسة العسكرية والمستوى السياسيّ، وأخرى اجتماعيةٍ تتعلّق بما يُكثّفه رئيس الأركان من شعور بالأمن والثقة بالمستقبل. وتلعب الصحافة دور الجهاز الأيديولوجيّ في صناعة صورة رئيس الأركان القادم.
سنسعى في الدراسة المرفقة الى التطرق لرئيس اركان الجيش الاسرائيلي الثاني والعشرون، مع التركيز على سيرته الذاتية وسماته الشخصية والتحديات التي سيواجهها خلال فترة توليه مهام منصبه ، سواء على صعيد الجيش الاسرائيلي ومعالجة مشاكله الهيكلية والتي كشفت عنه المواجهات السابقة، اضافة الى البحث في رؤيته الاستراتيجية للتحديات التي تواجهها اسرائيل ، سواء على الجبهة الشمالية ، سورية ولبنان ، والتداخل الإيراني، وعلى صعيد الجبهة الجنوبية الفلسطينية باتجاه قطاع غزة والضفة الغربية. وصولا الى محاولة صياغة تصور نهائي للاحتمالات المستقبلية.

أفيف كوخافي .. السيرة الذاتية :

ولد افيف كوخافي عام 1964 وهو الابن الأوسط بين ثلاثة أخوة، نشأ في كریات بیالیك. وفي 1982 تخرج من المدرسة في كريات بياليك ثم انضم إلى الجيش وتطوع للواء المظليين والتحق بكتيبة 890، وتلقى تدريبات في الوحدات القتالية ودورات خاصة للضباط، وتدرج في المناصب العسكرية حتى تولى منصبا قياديا في لواء المظليين بين عامي 1988-1989.
حصل على درجة البكالوريوس من الجامعة العبرية في الفلسفة وتلقى دراسات في مجال “القيادة والأركان” وتم تعيينه ضابطا لعمليات لواء المظليين في الجيش الإسرائيلي.
وفي عام 1993 حصل على ترقية لدرجة لفتنانت كولونيل وتولى قيادة الوحدة 101 في الجيش مدة عام واحد،
وتولى عام 1994 قيادة معسكر تدريب لواء المظليين.
وفي عام 1997 عين نائبا لقائد لواء المظليين حتى عام 1998.
وفي عام 1998 عين قائد الكتيبة الشرقية الخاصة بلبنان، حيث تصاعدت عمليات العبوات الناسفة التي نفذها حزب الله ضد قوات الجيش الاسرائيلي.
حصل على شهادة الماجستير في الإدارة العامة من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة،
وفي 2001 عين قائدا للواء المظليين حتى عام 2003، وخلال هذه الفترة، قاد عمليات “السور الواقي” التي اجتاح فيها الجيش الإسرائيلي المدن الفلسطينية في نهاية آذار 2002، وخاصة اجتياح بيت لحم ومحاصرة كنيسة المهد التي تحصن فيها مقاومون فلسطينيون لنحو أربعين يوما. اقتحام مخيم بلاطة في مدينة نابلس، وهو أول من استخدم أسلوب تنقل الجنود من منزل لآخر عبر هدم الجدران بين المنازل المتلاصقة في المخيمات الفلسطينية.
تولى قيادة منطقة غزة عام 2003 وجرت خلال فترة توله هذا المنصب عملية الانفصال التي قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون عام 2005 وتم خلالها إخلاء المستوطنات من قطاع غزة، كما وقعت خلالها عملية أسر الجندي جلعاد شاليط عام ٢٠٠٦ ، وقاد عدة عمليات للجيش الاسرائيلي بعد أسر شاليط، قتل جنوده خلالها 300 مقاوم فلسطيني ومئة مدني، وأصيب أكثر من 1000 آخرين.
أراد استكمال دراسته في بريطانيا عام 2006 لكنه خشي اعتقاله؛ بسبب دعاوى فلسطينية وحقوقية بارتكابه جرائم حرب، مما جعله يستبدل بريطانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبعد عودته تم تعيينه تم تعيينه عام 2007 رئيسا لشعبة العمليات في هيئة الأركان بالجيش الإسرائيلي حتى يناير 2010، وشارك في العدوان على قطاع غزة عام 2008″.
وفي 22 نوفمبر 2010، تمت ترقيته إلى رتبة لواء وعين رئيسا للاستخبارات العسكرية “أمان”، وخلال هذه المرحلة قام بتطوير تقنية جمع المعلومات والأبحاث الاستخباراتية تسمى “التطور والإبداع”، وشارك بأول حربين على غزة عامي 2008 و2012. وتلقى كوخافي انتقادات كثيرة خلال ترؤسه شعبة الاستخبارات العسكرية، إذ اتُّهم بعجزه عن اكتشاف أنفاق المقاومة الفلسطينية التي دخلت أراضي إسرائيلية.
وانضم إلى جامعة جونز هوبكينز الأميركية وحصل على درجة ماجستير ثانية في تخصص العلاقات الدولية.
وفي أبريل 2014 تقرر تعيينه قائدا لقوات المنطقة الشمالية، ثم تولى قيادة المنطقة بأكملها في 2 نوفمبر 2014. وشارك في عمليات هجومية في داخل الأراضي السورية.
عين نائبًا لرئيس الأركان في مايو 2017، واهتم بتطوير الخطط السنوية لهيئة الأركان.
بتاريخ 26-10-2018 أوصى وزير الدفاع افيغدور ليبرمان بتعيينه رئيسا للأركان خلفا لجادي آيزنكوت. وفي ٣١-١٢-٢٠١٨ تولى مهامه منصبه بصفته الرئيس الثاني والعشرين لأركان الجيش الإسرائيلي.

الجنرال أفيف كوخافي .. السمات والتحديات :
جاء اختيار كوخافي رئيسا للأركان بعد مشاورات مع عشرات الشخصيات، بينها رؤساء حكومة سابقين ووزراء وقادة أركان سابقين، اعتبروا ان “كوخافي” هو الأكثر ملاءمة وخبرة لقيادة الجيش الإسرائيلي في المرحلة الحالية لانه يمتلك التجربة والخبرة، والقدرات القيادية والإبداعية ويتسم بالذكاء والتعمق.
حدثان مهمان من شأنهما أن يكشفا معالم سياسة كوخافي في قيادة الجيش خلال الفترة القادمة، الحدث الأوّل يعود إلى عام 2002، حيث كان قائداً للواء المظليين وابتكر أسلوباً عسكرياً، اثناء اقتحام مخيم بلاطة، عُرف بـ”المشي من خلال الجدران”، الذي يعني التنقل داخل المخيم من خلال اقتحام جدران المنازل، بدلاً من السير في طرقاته الضيقة. والحدث الثاني، اثناء قيادته منطقة غزة وفي أعقاب اختطاف شاليط، قام بتنفيذ عمليات انتقامية راح ضحيتها مئات الفلسطينيين. هذين الحدثين كشفا جوانب من شخصيته، إذ ان قراراته نابعة من منطلق القوة لتحقيق انتصاراً عسكرياً واضحاً، بالرغم من الأثمان الباهظة التي دفعها المواطنين الفلسطينيين.
اضافة الى الخبرة التي يمتلكها كوخافي بالتعامل على الجبهة الشمالية، وأيضا المنطقة الجنوبية على قطاع غزة، فانه يتمتع بخلفية استخبارية ، نظرا لقيادته جهاز الاستخبارات العسكرية، مما يعزز التقديرات التي تشير الى ان هذا التعيين جاء في إطار إستراتيجية حرب جديدة تتجه اليها اسرائيل، خاصة وان جهاز الأستخبارات هو المسؤول عن تزويد الحكومة بالتقييمات الإستراتيجية التي على أساسها تتم صياغة السياسات العامة على صعيد الصراع مع الأطراف العربية.
تعيين كوخافي جاء في مرحلة تشهد اسرائيل حالة من عدم الاستقرار في شتى الجبهات، وتعقيدات إقليمية، وتحديات داخلية متعلقة بإعادة هيكلة الجيش الاسرائيلي بالتوازي مع حملة انتخابية حساسة، مما يتطلب منه التعامل مع هذه التحديات :
التحدي الأول : أنهى غادي ايزنكوت ولايته بتجنب خوض أي حرب واسعة «غير ضرورية وسيكون الحفاظ على هذا الإنجاز من قبل رئيس الأركان الجديد الجنرال افيف كوخافي أحد أهم التحديات التي ستواجهه، في ظل ظروف سياسية داخلية وخارجية غير مستقرة وشكوك متزايدة حول مدى جاهزية الجيش لشن حرب واسعة.
التحدي الثاني : اعادة بناء العقيدة القتالية للجيش الاسرائيلي بما يتناسب مع البيئة الاستراتيجية الحالية والتحديات التي تواجهها اسرائيل، والتي تتطلب إنهاء احتكار سلاح الجو وتوزيع هذه المهام وتفعيل دور سلاح البر وتوسيع مهامه القتالية في المواجهات المستقبلية، بالاعتماد على أدوات الحرب التكنولوجية (١).
التحدي الثالث : يتولى كوخافي مهام منصبه في ظروف سياسية داخلية متوترة بسبب الانتخابات المبكرة، وسيكون كوخافي بحاجة الى الترتيب لشبكة العلاقات المركبة والوصول الى تفاهم مسبق  بالنسبة لجوهر العلاقات مع القيادة السياسية الاسرائيلية.
التحدي الرابع : دائما ما تتخلل العلاقة بين رئيس الأركان وقادة المناطق، توترات قد تصل الى مواجهات مباشرة بشكل يمس بقدرة إدارة المعركة، وعلى كوخافي ايجاد السبيل لتطوير أساس معرفي شامل مشترك وإدارة حوار لحل هذه المشكلة.
التحدى الخامس: ترتبط ثقة الجمهور الإسرائيلي بالجيش بنتائج المواجهة العسكرية الواسعة، وهو ما انعكس سلبا بانخفاض حماس الشبان الإسرائيليين في الالتحاق بالوحدات القتالية، والمطلوب من كوخافي بلورة خطة قومية لاعداد مناسب للجمهور وتقليص الفجوة التي من الممكن ان تتفاقم في ظل المواجهات المستقبلية. (٢).
التحدي السادس : سيواجه كوخافي تحدي اعادة بناء الجيش الإسرائيلي في اطار خطة متعددة السنين، تحل ابتداء من العام 2020 محل خطة “جدعون”، بما يؤهل الجيش الاسرائيلي للاستعداد لخوض حربا متداخلة: دفاعية وبالتوازي لها الشروع الفوري بالهجوم في ظل الحسم السريع، من خلال حشد مقدرات الجيش الاسرائيلي في ساحة واحدة ونقل المقدرات الى ساحة اخرى، في ظل توقعات اطالة له زمن المعركة ، وهذا ما يتطلب ايجاد السبل الكفيلة بتقليص الخسائر في صفوف المدنين في إسرائيل ولدى العدو كذلك (٣).

افيف كوخافي وتحديات تطوير الجيش الاسرائيلي :

المشاكل الهيكلية في الجيش الاسرائيلي:
منذ إقامة اسرائيل ، ارتكزت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على توجيه ضربات جوية خاطفة في عمق أراضي العدو، وهذا ما انعكس على التركيز دائما على تحديث القوات الجوية، وانعكس ذلك على إهمال نسبي للقوات البرية. ويتوقع الإدراك الإسرائيلي للمفاهيم الجديدة حول مستقبل الحرب أنه لن تكون هناك “حروب كبيرة وعالية الشدة” في المستقبل، وفي حالة حدوث مثل هذه الحروب فإنه ينبغي الاعتماد على القوات الجوية لتدمير أهداف العدو، اعتمادا على معلومات استخبارية دقيقة. وجاءت المواجهات العسكرية الكبيرة التي خاضها الجيش الاسرائيلي في العام 2006 ضد حزب الله اللبناني، لتؤكد عدم مصداقية تلك النظرية، وهذا ما أكدته لجنة فينوجراد التي شكلت للتحقيق في نتائج الحرب (٤).
وتأكدت هذه الفرضية خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من عام ٢٠١٨ عند قيام الجيش الإسرائيلي بأكثر من عملية هجومية على قطاع غزة، بدأت وانتهت دون أهداف واضحة، والقيام بعملية “درع الشمال” على الحدود مع لبنان لهدم أنفاق تمتد هجومية تابعة لـ”حزب الله”، بجانب ضربات جوية متفرقة في سوريا. وبغض النظر عن حقيقة الأهداف الإسرائيلية من هذه العمليات العسكرية، فإنها أثارت حالة من الجدل داخل إسرائيل حول مدى استعداد جيش الدفاع الإسرائيلي للحرب في الوقت الحالي.
وكشف تقرير مراقب الجيش الجنرال حاغاي تننباوم، عن وجود عدة مشاكل في الجيش، وانتقد أداء سلاح المدرعات وكشف عن وجود عدة مشاكل في الأذرع الأخرى. وجاء في التقرير أن الجيش الإسرائيلي، خصوصا سلاح المدرعات غير مستعد للحرب. وخطط الحرب غير متناسقة، وأن الخطط العملياتية غير ملائمة لخطط الدعم اللوجستي الميداني. وهناك نقص حاد في القوى البشرية، وخصوصا الجنود المحاربين في الألوية القتالية. وأشار إلى وجود مشاكل في استعدادات الجيش الإسرائيلي للحرب، خصوصا في كفاءة آليات سلاح المدرعات، وانتشار ظاهرة الإهمال بين الجنود في متابعة الإشراف على المعدات العسكرية والاهتمام بها (٥).
وكشف تقرير مراقب الدولة يوسف شابيرا عن ثغرات في جهوزية الجيش الإسرائيلي لأوقات الطوارئ، وتعتبر الوحدة 9900 ، التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية، من الوحدات التي تعاني من ثغرات خطيرة، حيث تتمحور مهمتها في جمع المعلومات الاستخبارية الجوية، التي تخدم القوات المقاتلة على الأرض، بمساعدة الطائرات الجوية الخاصة والأقمار الصناعية، الأمر الذي يساعد في بلورة الصورة الاستخبارية الكاملة، التي تخدم المستويين التكتيكي والاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي (٦).
ومن جهته حذر مفوض شكاوى الجنود في الجيش الإسرائيلي، الجنرال يتسحاق بريك، من أزمات داخل الجيش، ووصفه بأنه “تنظيم متوسط المستوى ويعاني من تآكل إثر أعباء أثقل مما ينبغي تفرضها مهمات، وعدم إلتفات القيادة العليا للمشاكل، ووجود أزمة معنوية بين الضباط الشبان، الذين لم يعودوا معنيين بالالتزام بالتوقيع على فترة جديدة للخدمة الدائمة بسبب الوضع في الوحدات العسكرية. وتراجع الجاهزية لدى الجيش فيما يتعلق بحجم التدريبات التي يخوضها. وحذر من الخطة العسكرية المتعددة السنوات، المعروفة باسم “غدعون”، التي تنص على تسريح ضباط من الخدمة الدائمة، في سن 28 عاما أو 35 عاما أو 42 عاما، مشيرا إلى أن حجم هذه الأزمة سيتضح بعد عدة سنوات. واعتبر ان تقليص 4000 وظيفة في الخدمة الدائمة، ونقل وظائف من القوات البرية إلى وحدات الاستخبارات والسايبر والتكنولوجيا تسبب “بتراجع كبير في صفوف العسكريين، تمثل بالسطحية والضحالة في تنفيذ المهمات. كما يوجد تراجع كبير في حافزية الخدمة العسكرية. كل هذه الإشكاليات تضع تحديات أمام الجيش في القيام بالمهام في ساعات الطوارئ، بالتزامن مع تراجع دافعية الجنود والضباط لتمديد فترة بقائهم في صفوف الجيش لمدة زمنية أطول، لا سيما في الجهاز التكنولوجي وأدت إلى تدهور خطير في قدرة الجيش الإسرائيلي على تنفيذ مهماته وتضررت جهوزيته للحرب (٧).

خطط كوخافي لتطوير الجيش الاسرائيلي :
يتولى أفيف كوخافي قيادة الجيش الاسرائيلي في وقت وجهت فيه الاتهامات لرئيس الأركان السابق غادي إيزنكوت بالمسؤولية عن تراجع القوة العسكرية الاسرائيلية وترسيخ عقيدة عسكرية سلبية، أفقدت الجيش هيبته وقوة ردعه ، وخلق فجوة كبيرة بينه وبين ضباطه وقياداته العسكرية، نتيجة لاختلاف وجهات النظر حول قضايا وملفات مهمة، لعل أهمها الامتناع عن القيام بأي عمل عسكري كبير على الجبهتين الشمالية والجنوبية، لمواجهة الأخطار المحدقة باسرائيل، والاكتفاء بعمليات عسكرية محدودة وسرية، وفق توجهات آيزنكوت ونتنياهو، وهو ما عزز الشكوك حول قدرات الجيش الاسرائيلي واستعداداته لخوض مواجهات عسكرية كبرى، وافتقاده لروح المبادرة والمفاجأة، مما أثر بالسلب على الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي، بصورة عامة، وتراجع الرغبة لدى الشباب في الانضمام للجيش الاسرائيلي، بصورة خاصة.
ومنذ العام 1982، لم يقاتل الجيش الاسرائيلي حربا تقليدية واسعة النطاق ضد جيش نظامي بالمفهوم التقليدي، واقتصرت المواجهات على مفهوم حرب العصابات في مواجهة مجموعات عسكرية غير نظامية، على كافة الجبهات. وتشير معظم الاحتمالات الى استمرار هذا التوجه، في ظل غياب الجيوش التقليدية المعادية. مع ارتفاع احتمالية التوجه الى مواجهة عسكرية كبيرة مع الجيوش الغير نظامية ، على الجبهتين الشمالية والجنوبية، وهذا ما يتطلب الاستعداد لهذا الاحتمال، وفق عقيدة قتالية مختلفة يمكن استنادا اليها، تجاوز اخطاء المواجهات التي خاضها الجيش الاسرائيلي في السنوات الاخيرة. (٨)
وبالرغم من ان “خطة غدعون” الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي عام ٢٠١٨، اعتمدت توجيه ضربة متعددة الابعاد، تدمج بين توجيه ضربات جوية دقيقة ومكثفة ضد العدو وتنفيذ مناورة برية سريعة وفتاكة ومرنة. الا انه وخلال المواجهات الأخيرة التي خاضتها إسرائيل فضلت استخدام سلاح الجو والمدفعية، وكانت مترددة وحذرة جدا في استخدام القوات البرية. وبالتالي فان على رئيس الأركان الجديد فحص قدرات الجيش الإسرائيلي على القيام بمناورة برية واسعة، طويلة الأمد. (٩).
ولقد استند المذهب العسكري الاسرائيلي التقليدي على النوعية والتطور في بناء القوة العسكرية، واستمرار الاعتماد على القوات الجوية كقوة ضاربة رئيسية، وإعادة بناء القوات البرية، بما يعزز القدرة على القيام بالضربة الاستباقية الاجهاضية ونقل الحرب إلى أرض العدو، وفق أسلوب الحرب الخاطفة والقدرة على القتال في أكثر من جبهة (١٠).
وجاءت التحولات الحالية التي تشهدها المؤسسة العسكرية الاسرائيلية على كافة الأصعدة، التكنولوجية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية، لتدفع بإتجاه ضرورة تسريع عملية التغيير الجذري في سياسة الأمن الإسرائيلية وفي خطط بناء القوات، خاصة وأنها ترتبط بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما ترتبط بتحولات الوضع الاستراتيجي في المنطقة.

الاستراتيجية القتالية الرباعية الأبعاد :
رسم افيف كوخافي رئيس الاركان الجديد خطوطا عريضة لصورة العقيدة القتالية الجديدة للجيش الاسرائيلي للسنوات المقبلة ترتكز على مبدأ ايقاع الهزيمة بالعدو من خلال القضاء على مقدراته العسكرية ومشغليها من فوق الارض (ومن تحتها) من بعيد، بواسطة سلاح فتاك ودقيق – ثمرة التفوق التكنولوجي الاسرائيلي. وتعبر النجاعة والفتك عن التطلع للوصول الى الحسم في الحرب التالية بأسرع وقت ممكن “بثمن زهيد” وبمستويات من الدقة الاعلى للغاية. الدقة ضرورية، ضمن امور اخرى، من اجل شل فعالية “مركز الثقل” وسلاح جيوش الارهاب اي السكان المدنيين. وبسبب الرغبة في الامتناع عن المس بهم، لم يتمكن الجيش الاسرائيلي حتى الان من استغلال كامل قواته وقدراته كي ينهي معاركه بسرعة، ويقصر فترة معاناة مواطني اسرائيل ومعاناة مواطني العدو على حد سواء.
وتهدف خطة التطوير إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الإسرائيلي، وفي هيكلة الجيش، قيادةً وتشكيلات، والانتقال بالقوة المسلحة من حالة الحرب حكماً وحتماً إلى حالة الحرب أو اللاحرب احتمالاً، ومن القرن العشرين الزاخر بالحروب والنزاعات المسلحة إلى القرن الحادي والعشرين المتميز بالعولمة والفضائيات وثورة المعلومات ومن مذهب عسكري تقليدي يعتمد على النيران والتشكيلات العسكرية الكبيرة إلى مذهب عسكري يزداد اعتماده على الابتكارات التقنية والصاروخية والفضائية القادرة على الإسهام في شؤون الحرب وتصنيع أسلحة دقيقة ذكية تتولى صد هجوم محتمل من مدى بعيد.
سوف يتجه الجيش الإسرائيلي في المرحلة القادمة إلى الحفاظ على حجمه وتفوقه البشري والنوعي والتسليحي والتقني، ليصبح أكثر ذكاءً، وترمي خطة تطوير الجيش الإسرائيلي إلى تحديث الجيش وتحسين نوعيته وتعزيز تفوقه من خلال توظيف الطاقات العلمية والثقافية الإسرائيلية وتشغيلها في مشروعات تطوير الأسلحة وتوسيع دائرة الاكتفاء الذاتي من حاجة الجيش إلى الأسلحة والاعتدة بمختلف أنواعها.
كما ان تكيف الجيش وفق العصر السيبراني لجديد هو تحدٍ لا يمكن التقليل من أهميته ومن تعقيده، وهو سيرافق كوخافى طوال سنوات عمله، خاصة في السنة الاولى حيث ينتظره قرارين هامين، الأول يتعلق بالطائرات المستقبلية فى الجيش الإسرائيلى، والثاني يتعلق بشراء إضافى كبير لصواريخ أرض ــ أرض دقيقة التى يصل مداها إلى 150 كيلومترا، ومن الجدير بالذكر فإن كوخافى من بين الذين أيدوا خطة وزير الدفاع ليبرمان للتزود بهذا السلاح الدقيق جدا من إنتاج شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية. ومن المفترض أن يأمر كوخافى بشراء كميات كبيرة من الصواريخ من أجل استكمال رؤية إنشاء «سلاح للصواريخ»، ومن أجل القيام بهجمات دقيقة على أهداف دقيقة وبعيدة، من دون الحاجة إلى طائرات معرضة لخطر الصواريخ المضادة للطائرات الأكثر تطورا (١١).
ومن المنتظر ان تشهد القوات البرية الإسرائيلية تحول كبير في السنوات المقبلة مع تعزيز الكتائب وفق استراتيجية القتال الرباعي الأبعاد في مواجهة الخبرات التي راكمها حزب الله بنسخته الحديثة السريعة والمتنقلة والضاربة، والثقة” والقدرة التشغيلية العالية التي اكتسبها الحزب من مشاركته في الحرب السورية طوال السنوات الماضية. واستطاع الحزب تطوير ترسانة جديدة من الأسلحة تتضمن أجهزة رؤية ليلية عالية الجودة، أجهزة الكترونية قتالية، مئات الطائرات من دون طيار، قذائف ثقيلة وصواريخ قادرة على حمل نصف طن من المتفجرات، بالإضافة إلى القدرات الجديدة المكتسبة كالمناورة في أرض العدو وإعادة تشكيل القوات بسرعة كبيرة.
وتعتمد الاستراتيجية الرباعية الأبعاد للقوات البرية على المشاركة في القتال فوق الأرض وتحتها والحرب الالكترونية، وإشاء شبكة استخبارية “غير مرئية” في ساحة المعركة بهدف جمع المعلومات معتمدةً “على طائرات استطلاع قادرة على رصد أي شيء يصدر عنه إشارة”، ما يؤدي على الفور إلى تحديد موقع الهدف بشكل آلي وتشغيل نظام عسكري مضاد يستخدم قذائف ذكية يمكن التحكم بها أثناء طيرانها بهامش خطأ لا يتعدى الخمسة أمتار. وتحويل سلاح المدفعية بالكامل إلى استخدام القذائف “ذكية التوجيه”. وكل وحدة قتالية في سلاح البر سيتم تزويدها ببطارية دفاع جوي لتواجه الهجمات الصاروخية والانتحارية، الطائرات من دون طيار، كما أنّ كل وحدة تابعة لسلاح الجو تكون حاضرة في المعركة ستستخدم مطاراً صغيراً مع فريق متكامل للسيطرة يقوم بالتنسيق مع القوات البرية. هذه القوات المشتركة بين الجو والبر سيغطيان منطقة عمليات يصل ارتفاعها حتى ثلاثة آلاف قدم، أما ما فوق ذلك فسيكون من مسؤولية سلاح الجو وحده. وتقوم الاستراتيجية الجديدة على تزويد كل كتيبة هندسية بمجموعة خاصة للتعامل مع الأنفاق حيث سيتم تعزيز وحدة “ياهالوم” النخبوية، مع توافر قدرات لوجيسيتية ومنظومة اتصالات مستقلة. وفي غضون عام، سيشهد الجيش الإسرائيلي تحولاً على صعيد تزويد قواته في الميدان بمعلومات استخبارية آنية، مع الإشارة إلى أن تقرير يديعوت يتحدث أيضاً عن 400 جندي تم نشرهم في الجولان بهدف محاكاة قدرات حزب الله حالياً.
وسيواجه رئيس الاركان الجديد افيف كوخافي تحدي تطوير القوات البرية وفق ما جاء في التوصيات التي قدمها الجنرال يتسحاق بريك، بالإضافة إلى اقتراحات التطوير التي جاءت في استراتيجية الجيش الإسرائيلي التي أُعلن عنها في عام 2015، والتي تقوم على عدة أسس، أهمها:
1 – تضمين الاستراتيجية القتالية للجيش الإسرائيلي مبادئ أساسية في أي مواجهة يخوضها على أكثر من جبهة في آن واحد، هي: الإنذار، والردع، والحسم، والانتصار الساحق في المعركة، وهذان الأخيران يعتمدان على القوات البرية بشكل أساسي.
2 – تكوين أطقم جديدة للدبابات الحديثة، وتطوير التدريب عليها، مع استمرار إنتاج الدبابة ميركافا-4 بمعدل 30% سنويًّا، وزيادة الاعتماد عليها كدبابة رئيسية للقتال.
3 – تقوية سلاح المشاة وتطوير التدريبات الخاصة به للارتقاء بالمستوى العملياتي للقوات المقاتلة.
4 – تطوير نظام حماية فعال للصواريخ المضادة للدبابات. وهذا النظام لا يتضمن حماية مضادة، بل إطلاق نيران هجومية اعتراضية، ليمنع القذائف المضادة للدبابات من الوصول للدبابة أو للمركبة المدرعة، مثل: نظامي ثيل، وماثيل.
5 – إدخال تحسينات وتطويرات على أكثر من 100 مركبة مدرعة، وزيادة قدراتها التحصينية.
6 – التوازن في الخطط العسكرية للعمليات البرية بين الدبابة والمركبات المدرعة المختلفة، بما يعني التخلي عن مبدأ “شمولية الدبابة”، خاصة وأن مسارح العمليات التي تمثل تهديدًا لإسرائيل تتطلب سرعة وخفة في الحركة، وهذا يتوافر في المركبات المدرعة بدرجة أكبر نسبيًّا من الدبابات. ومن شأن هذا التوازن أن يُمكّن قوات المشاة والوحدات المدرعة من الاقتحام السريع لمسرح العمليات، ويسمح بمعدل تقدم أسرع.
7 – إعادة تشكيل القوات البرية لتصبح كل فرقة مكونة من: لواء للتخطيط وبناء القوة، لواء مشاة، لواء مدرعات، لواء تكنولوجي، بالإضافة إلى وحدة للدعم اللوجستي، وذلك بدءًا من عام 2008 على إثر عملية المراجعة.

ثانيا : تحديات كوخافي على الجبهات المختلفة:

أ الجبهة الشمالية ؛ بانتظار كوخافي :

  • الاوضاع على الجبهة الشمالية هى من الأكثر تعقيدا في مواجهة كوخافي بسبب اللعبة المزدوجة الثنائية والثلاثية للقوة العظمى الروسية الموجودة على أرض سوريا، والتى تدير مصالح متعارضة فى مواجهة إسرائيل، والأسد، وتركيا، وإيران، اضافة الى حزب الله الذي يوجد بينه و بين إسرائيل، منذ حرب لبنان الثانية، ردع متبادل في كل ما يتعلق بمواجهة واسعة النطاق. كما نجح الجيش الإسرائيلي حتى اليوم في إحباط بعض مخططات إيران للتموضع في سوريا، واحبط محاولات نقل أسلحة دقيقة لحزب الله، وعلى كوخافي مواصلة هذه الجهود العسكرية دون التورط مع روسيا التي ما زالت في سوريا من جهة، وكذلك دون الانجرار إلى حرب تخلف الدمار والضحايا (١٢).
  • وبالرغم من اعلان إيزنكوت عن انتهاء عملية “درع الشمال” ، وتدمير أنفاق حزب الله الهجومية الممتدة الى عمق الأراضي الاسرائيلية، فقد وجهت انتقادات شديدة لهذه العملية من قبل الكثير من المراقبين الذين اعتبروا انها خطوة دعائية انتخابية لم تعالج المخاطر الحقيقية التي تمثلها تلك الانفاق وأنه فض تأجيل الملف وتوريثه الى كوخافي ، الذي عليه ان يعالج الأمر ومواجهة المخاطر، وفق الاحتمالات التالية:.
  1. الاحتمال الأول : استمرار الردع المتبادل الذي يستند الى عوامل كثيرة أهمها نتائج حرب 2006، والتي جعلت كافة الأطراف، حزب الله وإيران وإسرائيل، غير معنية بالمواجهة العسكرية الشاملة. اضافة الى التحفظات الدولية تجاه تدهور الاوضاع بين اسرائيل وحزب الله ، فالإدارة الأمريكية، تعتبر ان أية مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة تتعارض مع مخططاتها لاعادة صياغة منطقة الشرق الاوسط بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. كما أبدى الروس معارضة شديدة لاندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين حزب الله وإسرائيل، الامر الذي سيعيد خلط الأوراق مجددا وربما يفتح الباب أمام صراع إقليمي واسع، ولذلك فان روسيا طالبت ايران وحزب الله، بضبط النفس (١٣)
  2. الاحتمال الثاني : عملية عسكرية واسعة وغير مسبوقة في مستوياتها التدميرية تؤدي الى تغيير المشهد الاقليمي. ويتعزز هذا الاحتمال في ضوء تقلص هوامش التحرك أمام ايران، وأصبح لبنان الأكثر ملاءمة لتمرير سياساتها، هذا من جهة. ومن جهة اخرى فان العقلية الحاسمة والحازمة التي تميز افيف كوخافي وميوله نحو استخدام القوة في حسم الصراعات، تعتبر عاملا داعما باتجاه تمرير هذا الاحتمال.

ب – كوخافي؛ وتصفية الحساب مع جبهة غزة  :

  • تعاني الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة تعاني من حمل زائد من الأهداف عقب الخصائص الأساسية في المنطقة (احتكاك دائم بين الجيش الإسرائيلي والمتظاهريين الغزيين على طول الجدار، الوضع الاقتصادي السيء في المنطقة، كثرة الأساس المنطقي في عمل السكان المدنيين، حماس وفصائل أخرى نشطة في الميدان) تزيد الاحتمال للتصعيد وفي نهاية المطاف للمواجهة. وضع الأمور هذا يستوجب ان يكون لدى الجيش الإسرائيلي خطة عملية في حالة المواجهة تؤدي الى ردع حماس لفترة طويلة (١٤).
  • وتدعو بعض الاوساط الى مراقبة اداء كوخافي بشكل عام، وكيفية تعامله مع تحديات قطاع غزة على وجه الخصوص على ضوء العلاقة الانتقامية المحتملة، في ضوء تجربته الماضية التي تتلخص في عدم التردد في استعمال القوة المفرطة بشكل دائم في المواجهات والحروب، خاصة وان هذه التجربة تشير الى عدم اخذ الاحتياطات اللازمة لتجنيب السكان المدنيين ويلات هذه القوة المفرطة بحيث انه لا يحسب اي حساب لهم. (١٥)

السيناريو الأول : هدوء يتبعه اتفاق تهدئة  : بقاء الوضع الراهن كما هو ويجعل حماس أقل مرونةً في قبول مطالب السلطة الفلسطينية، وبالتالي تراجع فرص المصالحة الفلسطينية الداخلية، ويعزز الانقسام الفلسطيني، بما يخدم المصالح الاسرائيلية. علاوة على انه سيجر فصائل المقاومة إلى المخطط الإسرائيلي الذي يريد استنزاف مقدراتهم من جانب ودفعهم لمربع الدفاع عن النفس وعن السلطة القائمة في القطاع حتى لا تفكر بمد نشاطها إلى بقية فلسطين المحتلة ، ولإجبارها على تليين مواقفها تجاه ما هو معروض عليها من صفقة سياسية.

السيناريو الثاني : الهدوء الحالي سينهار سريعا: تقديرات الجيش الاسرائيلي تعتبر ان استمرار المظاهرات على الحدود لديها القدرة على تجديد التصعيد ، وسرعان ما ستندلع جولة عسكرية جديدة ، وان كان خطر المواجهة العسكرية الواسعة في قطاع غزة قد تم تأجيله  في هذه المرحلة ، الا ان عودته قريبا تبدو حتمية، وفق الاعتبارات التالية:

  1. الجولة الأخيرة، تركت أثارا عميقة على الرأي العام الإسرائيلي، الذي رأى في نتائجها خنوعا لحركة حماس. ومما يزيد من خطورة دلالات ردة الفعل الجماهيرية حقيقة أنها تركزت في المناطق التي تحتضن قواعد اليمين والليكود على وجه الخصوص.
  2. – كشفت موجة التصعيد الأخيرة عن ثغرات في قدرة الردع الاسرائيلية ووجهت المعارضة اتهامات لحكومة نتنياهو بأن توجهاته لعدم التصعيد، والاستمرار في مسار التهدئة، بحجة تعميق الفصل بين غزة والضفة، أعطى الفرصة لحماس لفرض معادلات عسكرية وسياسية جديدة، وجعلت حماس تُملي على إسرائيل، طبيعة ووتيرة الأحداث. وهو ما وضع الحكومة الاسرائيلية الحالية أمام خيار ضرورة استعادة الردع المفقود في غزة.
  • يتعارض هذا السيناريو مع تكتيك يفضله نتنياهو يعتمد على «الانهاك المتدرج» لحماس، المصحوب بـ»تكتيك الاستدراج الناعم» للحركة إلى مربعات «التنسيق الأمني» ومعادلة «الهدوء مقابل الغذاء والكهرباء»، على أن يُبقي لجيش الاحتلال ، يداً طليقة في تنفيذ ما تعتقده عمليات استباقية ووقائية ضد أهداف فلسطينية، في الزمان والمكان اللذين يراهما ، اضافة الى الاعتبارات الاستراتيجية التالية :
  1. استراتيجيا؛  تسعى إسرائيل لاستمرار الانقسام الفلسطيني وتعتبره خيارا استراتيجيا.
  2. أمنيا؛ تبحث إسرائيل عن بديل يضبط الاوضاع في قطاع غزة في مرحلة ما بعد إنهاء حكم حماس ومواجهة واسعة بهذا الشكل ستدخل اسرائيل في اضطرابات أمنية لسنوات ستخسر خلالها الكثير من ابناءها.
  3. اقليميا ؛ على صعيد العلاقات العربية الاسرائيلية والتي تبشر بانفتاح وغير مسبوق شكل دائما هدفا استراتيجيا للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ، وبالتالي فان حرب مدمرة تشنها اسرائيل على قطاع غزة ، ستكون بالتأكيد عائقا أمام هذا الامر. 

ج الضفة الغربية ، الجبهة الاستراتيجية الأخطر :

  • بالرغم من التقديرات التي تستبعد إمكانية انتقال الاوضاع الحالية في الضفة الغربية إلى مرحلة انتفاضة شاملة في ضوء عدة مؤشرات أهمها : محدودية العمليات من ناحية المكان، معظمها في رام الله، ومن ناحية ردود الفعل الشعبية، وغياب دعم السلطة الفلسطينية وحركة فتح، في ضوء تخوفها من الخطر الذي يواجه استقرارها. اضافة إلى ان تعامل التنظيمات الفلسطينية مع الأمر من زاوية ضيقة تتعلق بمصالح تلك التنظيمات وصراعاتها الداخلية ، وليس وفق مصالح الشعب الفلسطيني. والمؤشر الأخير يتمثل في نجاح إسرائيل في تقليل نقاط التماس مع الشعب الفلسطيني، باستثناء تلك التي تتعلق بانتقال العمال إلى أماكنه عملهم في داخل إسرائيل والتي بالطبع من المستبعد ان تكون نقاط اشتباك جماهيري.
  • قد لا نرى في الضفة الغربية جبهة عسكرية تنشأ على غرار جبهة غزة، وذلك بحكم الاختلاف بين الحالتين، إلا أن اتساع دائرة العنف وعودة ظاهرة العمليات التي يقوم بها أفراد خارج أي سيطرة في الضفة، سيكون واحداً من التحديات المقلقة لإسرائيل، ويلغي أي إمكانية للسيطرة الاستخبارية في هذا الاتجاه.
  • اعتماد الحكومة الاسرائيلية  للعقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، ارضاء لقوى اليمين الاسرائيلي مع اقتراب الانتخابات الاسرائيلية، تجعل من احتمالات تدهور الاوضاع  خيارا محتملا وبقوة. وهذا ما اكدته الاستخبارات الاسرائيلية من خلال تحذيرها من احتمالات انفجار الاوضاع في الضفة الغربية، بسبب سياسة العقوبات الجماعية والتوسع الاستيطاني، والاعتقالات وهدم البيوت ، انسداد الأفق السياسي، تراجع الاقتصاد وزيادة عدد العاطلين عن العمل، والتي تدفع جميعها باتجاه تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية.
  • التطورات الأخيرة في الضفة الغربية تضع تساؤلات أمام نجاعة المفهوم الاستراتيجي الاسرائيلي في إدارة النزاع دون “أفق سياسي”، والاعتماد على “الوضع الراهن” الوهمي، الذي تحت رعايته يتم التوسع الاستيطاني، تهيئة الظروف القانونية لضم مناطق في الضفة، وفي ظل غياب اعلان اسرائيلي رسمي عن تفضيل حل الدولة الواحدة وغياب أية توجهات اسرائيلية لإحياء مفاوضات تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، لا يمكن لاسرائيل الاعتماد على مفهوم “الوضع الراهن”، المرتكز إلى سياسة تحسين شروط الحياة المعيشة للسكان الفلسطينيين، لضمان الحفاظ على الهدوء الامني دون تحديد اهداف سياسية واضحة وفي ظل الامتناع عن المفاوضات.
  • إسرائيل غير معنية بانهيار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وكذلك فيما يتعلق بحركة حماس في قطاع غزة، فالبديل في كلا الحالتين يمثل خطرا استراتيجيا على إسرائيل، فإعادة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة تعني تحمل المسؤولية عن حوالي خمسة ملايين فلسطيني، اضافة إلى الخطر الأكبر والمتمثل في نهاية المشروع اليميني – الصهيوني الساعي إلى الانفصال عن الفلسطينيين وابقاؤهم في مناطق خاضعة للحكم الذاتي، وهو الأمر الذي تسعى اليه الحكومة الاسرائيلية من خلال اجراءاتها المتواصلة والمتسارعة في ضم الأرض وإقامة المستوطنات واضعاف السلطة الفلسطينية وليس إنهائها، مع اختصار دورها في ادارة الأمور الحياتية للمواطنين الفلسطينيين واستمرار التنسيق الامني مع الاسرائيليين. مع ضرورة الحفاظ على استمرار الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، بما يضمن استمرار حالة الضعف وتعميق الأزمة الفلسطينية.
  • وبالرغم من كل الادعاءات فان وجود سلطة فلسطينية مستقرة يشكل مصلحة استراتيجية اسرائيلية في ظل الاعتراضات الكبيرة من الجيش والأجهزة الامنية الاسرائيلية على خيار استمرار أو اعادة احتلال الضفة الغربية الذي يعتبرون انه سيكون خطأ استراتيجي ومصيبة وطنية تهدد مستقبل إسرائيل، وهذا ما عبر عنه ضباط اسرائيليين كبار في مذكرة نشرتها الصحف الاسرائيلية، قائمة الموقعين ضمت: اثنان من رؤساء الموساد، مسؤولين كبار في جهاز الامن العام “الشاباك”، قادة سابقين في الجيش الاسرائيلي.
  • الاضطراب الذي يميز المشهد وتداخل الاستراتيجي والتكتيكي في حسابات كل الأطراف يضع علامات استفهام حول قدرة أي طرف على توجيه الاوضاع والسيطرة عليها، ورغم مظاهر الضعف التي يتسم بها الفلسطينيون ، في ظل معادلة دولية واقليمية غير متوازنة، دفعت بالقضية الفلسطينية إلى هامش الأجندة الدولية، الا ان الفلسطينيين يمتلكون أوراق قوة بإمكانهم استغلالها لتحسين وضعهم بما يخدم مصالحهم الاستراتيجية.

د التهديد الإيراني وفق تصورات كوخافي :

  • يتبلور في إسرائيل المفهوم الذين بموجبه اعتبرت ايران هي التي التهديد الأهم على أمن إسرائيل. حتى السنة الأخيرة امتنعت إسرائيل عن العمل مباشرة تجاه ايران، ولكنها عملت ضدها بشكل سري واعدت خيارا هجوميا تجاه البرنامج النووي الإيراني. وحرك الانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار 2018 موجات صدى من شأنها أن تؤدي أيضا الى تغيير في سياسة ايران في كل ما يتعلق ببرنامجها النووي. وبالتالي فهي تستوجب عودة الى بحث مبدئي حول غاية الخيار العسكري والسبيل السليم لتحقيقه.
  • وفي السياق التقليدي، تبدأ ولاية رئيس الأركان افيف كوخافي، بينما يتصاعد الاشتباك الميداني بين اسرائيل وايران في مواجهة مباشرة على الأراضي السورية، وتفرض تلك التطورات على كوخافي ضرورة بلورة استراتيجية توضح الخطوط الحمراء لإسرائيل في هذه المواجهة. حيث من الممكن ان تؤدي المواجهة المباشرة بين إسرائيل وايران الى استخدام القوة الإيرانية، من أراضيها، ضد إسرائيل، بواسطة منظومة الصواريخ بعيدة المدى التي نجحت ايران في تطويرها كسلاح استراتيجي رئيسي في المنظومة القتالية الإيرانية. اضافة الى منظومة الصواريخ الدقيقة التي قامت بنقلها الى الدول المجاورة لإسرائيل، وخاصة لدى حزب الله اللبناني الذي اصبح من اهم الأدوات الإيرانية في المنطقة ، اضافة الى التنظيمات الفلسطينية المرتبطة بتحالف استراتيجي مع ايران.
  • كافة المعطيات السابقة شكلت عوامل رادعة في إطار توازن الردع القائم بين إسرائيل وإيران ، والتي تجعل الحملة الهجومية الإسرائيلية في ايران، معقدة ومحفوفة المخاطر، اضافة الى المعلومات التي اشارت الى احتمال تجديد إيران لمشروعها النووي، بعد انهيار الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، ما يضع على عاتق كوخافي تحديات ومسؤولية تجهيز الجيش الاسرائيلي لمواجهة الخطر الإيراني (١٦).
  • ومن المتوقع ان تتمحور أولويات رئيس الاركان الجديد افيف كوخافي في هذا الاطار باتجاه تقسيم الخطر الإيراني جغرافيا ما بين :
  • أ – المدى القريب والذي سيركز على استمرار العمليات العسكرية في عمق الأراضي السورية لمنع ايران من إقامة قواعد عسكرية، وتكثيف الهجمات الهادفة لوقف إمدادات الأسلحة الى التنظيمات الحليفة لإيران، وخاصة حزب الله اللبناني، مع تجنب الاصطدام مع القوات الروسية.

ب – على المدى الجغرافي البعيد، في داخل الاراضي الايرانية ، اعتمادا على تنفيذ عمليات استخبارية ، بالتنسيق والتعاون مع الاجهزة الامنية الاسرائيلية المختصة.

ثالثا : التوقعات المستقبلية :

  • يدخل رئيس الأركان الـ 22 الى منصبه في فترة متفجرة فيما أن عناصر التصميم المركزية لفترة الهدوء الطويلة نسبيا آخذة في الضعف وسيكون الاختبار الأهم لرئيس الأركان هو في الحرب او في الحملة العسكرية الكبيرة. وتشير التجربة التاريخية ان إمكانية حرب او حملة عسكرية واسعة النطاق في فترة ولاية رئيس الأركان هي معقولة للغاية. فمنذ عهد رئيس الأركان اسحق رابين (حرب الأيام الستة)، وقعت حروب أو حملات عسكرية كبيرة نسبيا في عهد ولاية كل رؤساء الأركان تقريبا. من هذه الناحية وفي نظرة مقارنة، فان فترة رئيس الأركان المنصرف، الفريق غادي آيزنكوت كان استثنائية. فقد كانت هذه فترة نشاط عملياتي مكثف جدا ولكن إسرائيل نجحت في الامتناع في اثنائها عن الخروج الى حملة عسكرية واسعة. ما سمح بفترة الهدوء النسبي التي جاءت بفضل الردع المتبادل الذي نشأ بين إسرائيل وحزب الله بعد حرب لبنانية الثانية وبين إسرائيل وحماس بعد حملة “الجرف الصامد”. لقد استخدمت إسرائيل قوتها تجاه هاتين المنظمتين في السنوات الأخيرة أيضا، ولكن هؤلاء فضلوا عدم التدهور الى وضع من المواجهة الشاملة.
  • ويواجه رئيس الأركان الجديد عدة ملفات شائكة، على كافة الجبهات، فعلى الجبهة الشمالية كوخافي مطالب بوضع استراتيجية لمواجهة نفوذ إيران في سوريا، ومنع وصول أسلحة من إيران لحزب الله. كما سيواجه مهمة صعبة في غزة، وهي الجبهة التي تلقى أكثر الانتقادات بسببها اثر أسر شاليط خلال قيادته المنطقة. وبينما تشير التقديرات الى ان كوخافي سيضع غزة والضفة على أجندته وجدول أعماله، الا انه سيركز على  التهديدات الحقيقية الطويلة المدى على الجبهة الشمالية، لمنع التموضع العسكري الإيراني في سوريا، ومنع نقل الشحنات العسكرية إلى حزب الله في لبنان.
  • على صعيد الجيش الاسرائيلي سيعمل افيف كوخافي بشكل متدرج على إحداث تغييرات في البناء الهيكلي لقوات الجيش، وفي المفاهيم العملياتية والتشغيلية وفق نظرية “التطور والإبداع” التي يؤمن بها ويعمل بموجبها. أبرز التحديات الداخلية التي تواجه كوخافي هي تراجع حماسة الإسرائيليين للانخراط بالجيش والخدمة العسكرية، سواء الدائمة أو الاحتياط، وسيكون مطالبا بتحضير “خطة إنقاذ” لتحفيز الشبان أصحاب الميزات والقدرات العالية على الخدمة العسكرية الدائمة، سواء في المجموعات القتالية أو مجموعات التكنولوجيا.

ملحق رقم (١) :

قائمة رؤساء اركان الجيش الاسرائيلي :

  1. يعقوب دوري (1948-1949)،
  2. يغال يادين (1949-1952)،
  3. مردخاي ماكليف (1952-1953)،
  4. موشيه دايان (1953-1958)،
  5. حاييم لاسكوف (1958-1961)،
  6. تسفي تسور (1961-1964)،
  7. اسحق رابين (1964-1968)،
  8. حاييم بارليف (1968-1972)،
  9. ديفيد اليعازر (1972-1974)،
  10. مردخاي غور(1974-1978)،
  11. رفائيل ايتان (1978-1983)،
  12. موشي ليفي (1983-1987)،
  13. دان شومرون (1987-1991)،
  14. إيهود باراك (1991-1995)،
  15. أمنون ليفكين شاحاك (1995-1998)،
  16. شاؤول موفاز (1998-2002)،
  17. موشي يعلون (2002-2005)،
  18. دان حالوتس (2005-2007)
  19. جابي اشكنازي (2007 -2011)
  20. بيني غانتس (2011- 2015)
  21. غادي إيزنكوت (2015-2019 .
  22. أفيف كوخافي (2019 –

ملحق رقم (2) : 

* د. يوسف يونس، نائب رئيس مجلس ادارة مركز الناطور للدراسات والابحاث، باحث مختص في الشؤون الاقليمية.

www.natourcenter.com

Natourcenter2018@gmail.com

Ykarem2000@gmail.com

المراجع :

1 – رئيس اركان جديد .. عقيدة حربية جديدة ، حنان شاي، اسرائيل اليوم 23-1-2019م.

2 – معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي، عاموس يدلين، ايتي برون، واودي ديكل 17-1-2019م.

3 – المصدر السابق.

4 – جدل في اسرائيل حول حالة القوات البرية الاسرائيلي ، دلال محمود، المركز المصري للدراسات والسياسات 12-1-2019م.

5 – صحيفة معاريف 19-1-2019م

6 – صحيفة هأرتس 19-1-2019م.

7 – صحيفة هأرتس 20-1-2019م.

8 – الجيش الاسرائيلي .. تحديات رئيس الاركان الجديد، افرايم عنبر، اسرائيل اليوم 10-1-2019م.

9 – معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي، مصدر سابق.

10- مجموعة باحثين ، دليل اسرائيل العام ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت 1996م، ص 291-294.

11- التحديات المركزية التي سيواجهها رئيس هيئة الاركان العامة الاسرائيلي ، عمير ربابورت ، مكور ريشون 18-11-2018م.

12- معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي ، مصدر سابق.

13- التحديات المركزية التي سيواجهها رئيس هيئة الاركان العامة، مصدر سابق.

14- كوخافي : الهندسة المقلوبة ! ، هاني حبيب، 16-1-2019.

معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي ، مصدر سابق.

16- معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي ، مصدر سابق

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى