د. وليد سالم يكتب -  نحو رؤية للبناء الوطني بتكامل مع التحرر الوطني : السلطة الوطنية الفلسطينية مثالا وبالإشارة لفلسطينيي الداخل واللاجئين . - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. وليد سالم يكتب –  نحو رؤية للبناء الوطني بتكامل مع التحرر الوطني : السلطة الوطنية الفلسطينية مثالا وبالإشارة لفلسطينيي الداخل واللاجئين .

0 77

د. وليد سالم *- 13/12/2020

يقتصر الجدل الفلسطيني حول السلطة الوطنية الفلسطينية حول الجانب السياسي المجرد، وبين محورين، أحدهما يجرمها وينعتها بأشنع الاوصاف داعيا لحلها، و / أو التبرؤ منها لأنها تنسق مع الاحتلال أمنيًا. وثانيهما يقف على النقيض مدافعا ومنافحا عنها. ويقاطع كل محور المحور الاخر ويطلق ضده سيولا من البيانات والتصريحات المعمقة للتشرذم والانقسام، والمبررة للدخول في محاور عربية ودولية من البعض ضد البعض الاخر.

يغيب عن هذا الجدل بشكل جزئي أو كامل المسألة المتعلقة بجدوى مبنى السلطة الاداري -الخدماتي لذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الرابض على قسم من أرض وطنه، وجدواها الدولية سيما بعد أن تحولت السلطة قانونيا وإن لم يكن على أرض الواقع إلى دولة معترف بها دوليا من ١٤١ دولة في العالم هي غالبية دول العالم بعد عام ٢٠١٢.

في مبناها يجدر التنويه بمسائل يعتبرها من يعيشون في كنف السلطة بديهيات، وهي أن السلطة تتضمن مجلسا تشريعيا وجهاز قضاء، وسلطة تنفيذية تضم رئاسة ووزارات وسلطات وأجهزة مدنية وأمنية. فوزارة التربية والتعليم مثلا تشرف على مدارس يلتحق بها مئات آلاف الطلبة، ووزارة التعليم العالي تتابع جامعات ينتسب إليها عشرات آلاف الطلبة، ووزارة الصحة تتابع كل الشؤون الصحية وتدير حاليا مشكلة كورونا المستعصية، ووزارة الاشغال العامة تشق الطرق وتنشئ المباني العامة ، ووزارة الخارجية تدير العلاقات مع ١٤١ دولة اعترفت بدولة فلسطين منذ عام ٢٠١٢ العام الذي اعترف به بفلسطين كدولة عضو مراقب في الامم المتحدة، ووزارة الحكم المحلي تتابع شؤون المجالس البلدية والمحلية، ووزارة الثقافة تدير مراكز ثقافية وتطور متاحف ومكتبات وارشيف فلسطيني مركزي، ووزارة السياحة تتابع المواقع التراثية والاثرية في فلسطين وتنظم السياحة إليها وتواجه محاولات الطمس الاسرائيلية للتراث الحضاري والاثري الفلسطيني، ووزارة الشؤون الاجتماعية ترعى العائلات المعوزة وتقدم لها المساعدات ، ووزارة العمل تتابع قضايا العمل والعمال ، ووزارة الاقتصاد تتولى  شؤون اقتصاد فلسطين وعلاقاته الخارجية، وكذلك سلطات البيئة والنقد والمياه وجهاز الاحصاء المركزي وغيرها من السلطات والاجهزة المدنية ، ووزارة الداخلية تتابع الشرطة والاجهزة الامنية، والشؤون المدنية تتابع سجلات النفوس واصدار الهويات وجوازات السفر، وهكذا . أي وزارات وأجهزة تتابع كل جوانب الحياة لذلك الجزء من الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة بما في ذلك مبلغ المليار ونصف دولار التي تحول من رام الله إلى غزة سنويا.

لهذه السلطة توضع خطط نوعية للحكومة الفلسطينية ثلاثية وخماسية وسنوية، وكذلك خطط لكل وزارة تتابع وتنفذ وتقيم. هي سلطة تعمل إذن على مستوى السياسات لا على مستوى السياسة.

يناقش المثقفون السلطة وكأنها تلك السلطة التنفيذية العليا التي تعمل على المستوى السياسي والامني وحسب، ويتهمونها بالسمسرة مع إسرائيل بهذا الاتجاه. ولكن هذه ليست السلطة، بل جزء منها فقط هو المستوى السياسي من المستوى التنفيذي منها والشامل للرئاسة ودائرة شؤون المفاوضات والاجهزة الامنية. ما عدا هذا الجزء السياسي هنالك الجزء الذي يصنع السياسات وليس مجرد السياسة، وهو الجزء الاهم لأنه يقوم على خدمة قضايا الشعب مصيبا في بعض الجوانب ومخطئا في أخرى كما تشير التقييمات التي تصدر عن تنفيذ الحكومة والوزارات لخططها. يناقش المثقفون اذن السياسة ويتجادلون حولها، ولكنهم يلتفتون بشكل أقل للسياسات التي تتطلب بحثا جادا يبدأ بمراجعة خطط السلطة وما ينفذ منها والفرص والعقبات وجوانب القوة وجوانب الضعف فيها ، واقتراح توصيات وسياسات بديلة من أجل تعزيز البناء الوطني الفلسطيني.

في خضم هذا الجدل الذي يدور في الاطر الفوقية للسياسة والتي لا تلامس بالتالي قضايا الشعب وصموده ومستلزمات بقائه في أرض وطنه، هنالك عدد من الامور المنفصلة عن واقع الناس التي يطرحها بعض المثقفين المشغولين بالسياسة وحسب، و يلفت الانتباه منها اقتراح حل السلطة، فكيف تحلها وهي تقوم بما تقوم به على الشاكلة الموصوفة أعلاه؟ ومن سيقوم بما تقوم به وزاراتها إذا ما حلت ؟ . وما الذي سيتم عمله مع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين من قبل ١٤١ دولة في العالم بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بدولة فلسطين عام ٢٠١٢ مما أدى إلى تحول السلطة الفلسطينية إلى دولة من الناحية القانونية ؟. والاكثر إثارة للمفارقة هو الاقتراح بتحويل صلاحيات السلطة بعد حلها إلى البلديات والمجالس المحلية، وهذا غير ممكن، إذ أن السلطة تقوم بمهمات مركزية على مستوى كل المحافظات، سيؤدي تحويلها إلى البلديات إلى تقسيمها بطريقة ستفتت الوحدة وتفتح الباب أمام تطبيق مشروع الامارات الفلسطينية المنفصلة الذي طرحه مردخاي كيدار وتبنته بعض أوساط اليمين الصهيوني. وما عدا ذلك طرحت فكرة التبرؤ من السلطة، فكيف يتبرأ المرء من ١٥٠ ألف موظف هم قوام السلطة وأجهزتها المختلفة؟ لربما يجدر إذن تحري الدقة والتمييز بين العداء للسلطة السياسية وبين كل السلطة التي يعمل فيها أشقاء وشقيقات من الشعب الفلسطيني يسكنون نفس البيوت وينتمون لنفس العائلات، أو قبعوا في سجون وزنازين الاحتلال معا، أو قاتلوا وقاوموا في الانتفاضتين الاولى والثانية معا. هي أيضا السلطة التي شرعتها كل الفصائل بعد مشاركتها كلها ما عدا حركة الجهاد الاسلامي في انتخابات عام ٢٠٠٥ للمجلس التشريعي وانتخابات عام ٢٠٠٦ للرئاسة.

يجانب الصواب إذن طرح حل السلطة وتحويل صلاحياتها للبلديات، وفي المقابل هنالك الكثير مما يحتاج إلى إعمال جهد المثقفين والمفكرين لمعالجته ومنه دراسة خطط الوزارات المختلفة وايجابيات وثغرات تنفيذها وتقييمها وإغنائها وطرح آفاق لرفع مستوى فلسطين في كافة المجالات ، ومنه أيضا طرح مسألة وقف التنسيق الامني مع الاحتلال ، ومراجعة اتفاق باريس الاقتصادي لتوفير بدائل تحرر فلسطين من الاعتماد على الاقتصاد الاسرائيلي ، وتجديد السلطة من خلال الانتخابات الدورية وتعزيز مأسستها والمشاركة فيها، وهكذا مع ايلاء جهد لتطوير السياسات التي تبني فلسطين وتعزز الصمود والاعتماد على الذات بديلا لمجرد الاكتفاء بالمماحكات والسجال السياسي على المستوى الفوقي وحسب .

بلغة أخرى ربما الافضل التركيز على سياسات لبناء فلسطين من أسفل بدلا من الاكتفاء بجدل سياسي يعيد فيه كل كاتب تكرار مواقفه مرة ومرات بحيث بتنا نعرف ما سيقوله كل كاتب بمجرد قراءة العنوان.

النقاش الاساسي للشعب الفلسطيني

لعل المسألة الاساسية الناجمة عن العرض السابق  والتي بحاجة إلى الجسر جديا بين التوتر القائم بين مكونيها هي مسألة البناء الوطني وعلاقته بالتحرر الوطني ، أي كيف يعزز البناء الوطني الثبات على الارض بما يمكن من الاستمرار في الكفاح الوطني ، وبالمناسبة فهذه مسألة لا تخص ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني المقيم في الضفة وغزة فقط ، بل تخص أيضا فلسطينيي الداخل ، وكذلك اللاجئين والجاليات الفلسطينية في شتى ارجاء الارض.

البناء الوطني والتحرر الوطني في الضفة وغزة

بالنسبة للضفة وغزة فإن فلسطينييها يتحملون العبء الاكبر في النضال الوطني الفلسطيني من اجل التحرر الوطني منذ انتقل مركز الكفاح الوطني الفلسطيني من الخارج إليهم، وفوق ذلك فهم يدفعون الثمن الباهظ للاستيطان الاستعماري المكثف على أراضيهم ومساكنهم ، لذلك فإنهم يحاولون ممارسة البناء الوطني بما يمكن من تثبيت الوجود وحفظ البقاء على أرضهم وذلك بالتعاون بين مؤسسات السلطة ووزاراتها ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والمبادرات التنموية المحلية. أي أنهم يمارسون الكفاح الوطني والبناء الوطني معا ، مع كل المشكلات التي تكتنف ذلك سيما لجهة انكفاء الكفاح الوطني وتشرذمه ومحللته وتميزه بالعفوية وردود الافعال بعد أن تراجعت الفصائل عن تنظيمه بشكل كبير  سيما بعد انتهاء الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٥. في هذا الاطار ربما هنالك حاجة لإعادة النظر في وطائف السلطة الوطنية الفلسطينية بحيث تنحصر في إدارة الامور الحياتية لذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الواقع تحت حكمها وتحويل المهمات السياسية كاملة إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي تحتاج بدورها إلى إعادة بناء وتجديد الحياة في مؤسساتها وتطوير برنامجها الوطني الجامع لكل ابناء الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

فلسطينيو المنافي

في الخارج لم يعد هنالك كفاح وطني منظم ولا بناء وطني منظم منذ انتقلت القيادة من الخارج إلى الداخل بعد توقيع اتفاق أوسلو ، واوقفت م ت ف عمل مؤسسة صامد لتعزيز صمود فلسطينيي الخارج كما تراجع عمل كافة مؤسسات م ت ف في خدمتهم، وهو الامر الذي يتطلب المراجعة والعمل على معالجته.

فلسطينيو ١٩٤٨

بين فلسطينيي الداخل تقوم مهمة البناء الوطني من خلال المزج بين العمل البرلماني لتحقيق بعض المطالب المتعلقة بتعزيز البقاء والصمود والعمل الشعبي الذي تقوم به لجنة المتابعة لبناء مؤسسات تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية ، كما تساهم لجنة المتابعة في تنظيم مبادرات المشاركة في الكفاح الوطني الفلسطيني العام ضد المشروع الاستيطاني الاستعماري. بهذا الاتجاه ربما تحتاج مهمة البناء الوطني إلى مزيد من التركيز في الداخل سيما لجهة تطوير أوسع لمنظورها التنموي للإنسان والاقتصاد والمجتمع والثقافة بالاستناد لوثيقة حيفا، ووثيقتي الرؤية والدستور الديمقراطي التي ربما آن الاوان للعودة إليها وتطوير مضامينها بعد مرور حوالي عقد ونصف على صدورها ، والغريب أنها تغيب عن السجال الدائر اليوم  بين التيارات في الداخل وكأنها لم تكن أو كأن النقاش يبدء من جديد بدون الاستناد لوثائق سابقة تم بذل جهد جماعي جدي لتطويرها  ، كما ربما من المناسب وضع  خطط تنفيذية دورية بالتوافق مع مناظير وخطط باقي أبناء الشعب الفلسطيني، ولربما تحتاج تجربة العمل البرلماني ايضا إلى إعادة تقييم لإنجازاتها سيما بعد تشريع قانون القومية عام ٢٠١٨.

خلاصة

بالخلاصة من كل ما تقدم ، لربما من الاهمية بمكان أن يبتعد الشعب الفلسطيني ومثقفوه عن التفكير في إطار ثنائي : اما / أو وكأنه ليس هنالك خيارات أخرى ، أو كأن الثنائيات غير قابلة للجسر أو للعمل معا في إطار من الوحدة التي يتم تصريف التوتر بين الثنائيات وممارسة النقد اللازم والضروري داخلها وليس بالانفكاك عنها والعمل كمحاور متوازية متحاربة ، ولقد سبق أن كتبت عن ذلك في ” عرب ٤٨”

 ( الثنائيات الفلسطينية والعقلية السجالية ٣ آب ٢٠٢٠)، فالصراع لا يعني إلغاء الوحدة ، والعكس صحيح ، والتصارع داخل الوحدة هو ما يمكن من العمل معا ضد المشروع الاستيطاني الاستعماري غير المستعد لتقديم أي تنازل حتى لأكثر ” المعتدلين ” من الفلسطينيين . في ايرلندا الشمالية تعاون الجيش الجمهوري الايرلندي مع ذراعه السياسي ( الشين فين) رغم تحفظه على أدائه ومراهناته ومساوماته السياسية ، أفلا نستطيع في فلسطين أن نبتكر صيغة مشابهة لتقاسم الادوار بين الفاعلين السياسيين والدبلوماسيين وبين المكافحين في الميدان رغم التوتر المفهوم والطبيعي بين الطرفين ؟. بمعنى آخر هل نستطيع أن نتوحد على بدائل متفق عليها وممكنة تقع خارج ثنائيات أما الدولة الواحدة أو الدولتين، وإما العودة أو تقرير المصير، وإما البناء الوطني أو التحرر الوطني كما طرحت سابقا في مقالة سابقة نشرتها وكالة معا  ( وكالة معا : الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال بين التحرر الوطني والبناء الوطني ١٠ تموز ٢٠٢٠)، وذلك لنتجاوز لعنة تلك المقولة التي وسمتنا دوما واشار لها وليد الخالدي في مقدمة أحد كتبه وهي أن ” العرب لم يستطيعوا التوحد أمام عدو خارجي قط “؟ . فهل نستطيع التوحد أخيرا؟ وهل يمكن إيجاد صيغة لذلك بحيث تكون م ت ف هي المظلة العامة التي تحمل البرنامج الموحد فيما تكون السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع ولجنة المتابعة في الداخل ، وأي إطار تنظيمي سيتم تفعيله بين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات فروعا تعمل بما يتناسب مع خصوصيات كل موقع وضمن التزامها بالبرنامج العام في نفس الوقت ، وتتعامل معها م ت ف بطريقة المشاركة والتفاعل لا بطرق تتراوح  بين الايعازات والاوامر ، أو أدارة الظهر، أو الذوبان وضياع الحدود كما هي الحالة بين م ت ف والسلطة الوطنية الفلسطينية التي لم يعد واضحا في الممارسة أيهما تقود الاخرى ، علما بأن ما هو على الورق وفي التصريحات هو أن م ت ف هي الشكل الاعلى والاشمل ، ولكن شتان ما بين التصريحات وبين الممارسة.

د. وليد سالم ، باحث وكاتب من القدس  .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.