د. وليد سالم يكتب - القدس وانتخابات دولة فلسطين 2021 : ورقة سياساتية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. وليد سالم يكتب – القدس وانتخابات دولة فلسطين 2021 : ورقة سياساتية

0 167

د. وليد سالم *- 19/1/2021

مدخل

مع صدور قرار بقانون رقم 1 لعام 2021 المعدل لقرار بقانون رقم 1 لعام 2007 حول الإنتخابات الفلسطينية عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونشره في مجلة الوقائع الفلسطينية يوم الثالث عشر من كانون الثاني الجاري ، وما تلاه من إصدار لمرسوم رئاسي يحدد مواعيد الإنتخابات المتتابعة يوم الخامس عشر من ذات الشهر ، يكون قد تم حسم مسألة الإنتخابات الفلسطينية التي عقدت آخر مرة قبل خمسة عشر عاما . ورغم المعانيات التي تخللت هذه الفترة من التأخير سيما مسألة الإنقسام وما رافقها من مظاهر ضارة على كل المستويات ، إلا أن ما يثير التفاؤل هذه السنة أن الإنتخابات التي تقررت لعقدها خلالها هي إنتخابات  لرئاسة دولة فلسطين ومجلسها التشريعي ( برلمانها ) هذه المرة وليست مجرد إنتخابات للمرحلة الإنتقالية كما كانت عليه الإنتخابات التي عقدت سابقا، كما أن هذه الإنتخابات تشمل أيضا دولة فلسطين والمجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية في عملية واحدة وإن كانت متتابعة زمنيا .

تناقش هذه الورقة السياساتية عدة خيارات بشأن كيفية عقد الانتخابات الفلسطينية في القدس مع كل المشكلات المرتبطة بذلك، أولها خيار عقدها ضمن إطار ما نص عليه بروتوكول الإنتخابات لاتفاق أوسلو 2  الذي وقع في نهاية ايلول عام  1995 والذي نص على ترتيبات لإنتخابات مرحلة إنتقالية تعقد بالتنسيق مع إسرائيل وهو خيار قد لا يكون  من الممكن الحصول على موافقة أسرائيل عليه سيما أن إنتخابات 2021 تتم لدولة وليس لتمديد المرحلة الإنتقالية، حيث  أن إسرائيل  و حكومتها القادمة المرتقبة بعد إنتخابات أواخر إذار قد لا تقبلا غالبا بعقد هذه إنتخابات تأتي تحت عنوان ” إنتخابات لدولة فلسطين ” التي لا تعترف بها وتشترط أن يتأتى إنشاؤها عن إتفاق تفاوضي في القدس أولا، كما ان اللجوء مجددا إلى الضغط الاوروبي وضغط إدارة بايدن الأمريكية الجديدة على اسرائيل بشأنها قد لا يؤتي ثمارا، سيما وأن الإدارة الأمريكية قد تتوافق مع إسرائيل حول أن لا تكون الإنتخابات إنتخابات دولة وأن تسعى للضغط على الجانب الفلسطيني لجعلها إنتخابات تمديد لفترة الحكم الذاتي إلى حين يتم التوافق على دولة مع إسرائيل كنتاج لإتفاق تفاوضي.  يعني ذلك أنه قد يكون علينا أن نستعد لإنتخابات تأخذ شكل المواجهة مع الإحتلال سيما في القدس. وبناء عليه ترجح الورقة خيار اجراء إنتخابات  لبرلمان ورئاسة دولة ومجلس وطني فلسطيني تعقد على مراحل وفي إطار الصراع مع الاحتلال من أجل الانفكاك عنه وتحقيق خطوة إضافية على طريق التحرر الوطني ، وتطرح الورقة المراحل والآليات المقترحة لتحقيق ذلك في القدس  سيما قدس 1 الواقعة داخل الجدار وضمن حدود بلدية القدس الإسرائيلية، وانعكاس هذه الترتيبات على الانتخابات الفلسطينية برمتها. وفي سياق الورقة ستجري مناقشة كل هذه الخيارات وكذلك كل المسائل المتعلقة بعقد الانتخابات في القدس ترشيحا وإنتخابا ودعاية إنتخابية ومراكز إقتراع والمراقبة المحلية والدولية للإنتخابات وغيرها من المسائل ذات العلاقة .

فيما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني الفلسطيني فقد كانت تتم حتى عام 1996 على أساس ان تنتخب الفصائل المشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية ممثليها في المجلس   يضاف لذلك ممثلي الاتحادات الشعبية والجاليات الفلسطينية المنتخبين ، وإضافة لذلك كان المجلس الوطني يضيف لعضويته أعداداً من المستقلين يقوم بإنتخابهم أعضاء المجلس من ممثلي الفصائل والاتحادات  والجاليات الفلسطينية. ومنذ انتخابات المجلس التشريعي الأول للسلطة الوطنية الفلسطينية فقد تم إعتماد إضافة أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين الى المجلس الوطني وذلك كممثلين عن فلسطين المحتلة عام 1967.

وقد كانت القدس وفلسطين المحتلة عام 1967 تمثل قبل ذلك التاريخ في المجلس الوطني من خلال لاجئيها ونازحيها، ولكنها مثلت لأول مرة مباشرة في المجلس الوطني بعد الإنتخابات التشريعية في عام 1996. هذا وقد طرحت على مدار حياة المجلس الوطني الفلسطيني منذ تم انشاؤه في القدس في اول ايار عام 1964 عدة أفكار لانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني من أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتكررت هذه الأفكار في اتفاقات المصالحة الفلسطينية التي تمت بعد حصول الانقسام عام 2007 جراء سيطرة حماس على قطاع غزة في ذلك العام، وفي هذه الورقة سيتم التطرق الى كيفية عقد هذه الانتخابات في القدس.

وفيما يتعلق بالانتخابات التشريعية والرئاسية فقد تمت مرتين حتى الآن، الاولى عام 1996 وشملت انتخابات رئاسية وتشريعية وفق صيغة الدوائر الانتخابية حيث قسمت فلسطين إلى ستة عشر دائرة إنتخابية حينذاك ، أما الثانية فقد جرت كانتخابات رئاسية عام 2005، وتشريعية عام 2006 وذلك وفق صيغة 50% للدوائر و50% تمثيل نسبي وقد شملت القدس في الحالتين وتم في تلك الإنتخابات رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 88 إلى 132 منهم 20 يالمئة نساء، وستجري انتخابات 2021  وفق صيغة التمثيل النسبي الكامل وعلى مرحلتين تبدأ بالانتخابات التشريعية على ان تليها الانتخابات الرئاسية  فإنتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.

تقترح الورقة أن يصار لاحقا لوقف إستثناء القدس من الانتخابات المحلية الفلسطينية لدى عقدها ، حيث هي إنتخابات تجري منذ القرن التاسع عشر،وقد جرت انتخابات بلدية القدس لأول مرة عام 1863 ورئس البلدية حينذاك المفكر المقدسي المعروف يوسف ضياء الخالدي وجرت هذه الإنتخابات في عهد الانتداب البريطاني وخلال فترة الحكم الأردني ثم  الاحتلال الإسرائيلي بعد 1967 منذ عام 1972، واستمرت بصورة شبه منتظمة بعد تشكل السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 لكل المحافظات الشمالية والجنوبية، ولكنها لم تشمل القدس بعد تشكل السلطة.

وعودة للقدس فقد كانت هنالك بلدية لها أطلق عليها إسم أمانة القدس، وقد تم إجراء الانتخابات لهذه الأمانة آخر مرة عام 1963 وذلك بإشراف من الحكومة الأردنية، وبعد عام 1967 قام الاحتلال الإسرائيلي بحل أمانة القدس أياماً بعد احتلاله للمدينة في حزيران من ذلك العام، وقام “بتوحيد” القدس الشرقية مع القدس الغربية واخضع كلتيهما إدارياً وخدماتيا لبلدية القدس الغربية الإسرائيلية ( حلبي2007).الا أن أمانة القدس لم تتخل عن دورها واستمرت في ممارسة نشاطها من عمان برئاسة أمين القدس روحي الخطيب حتى عام 1994 حيث تلاه بعد وفاته زكي الغول في رئاسة الأمانة واستمر في ذلك حتى عام 2019 حين وافته المنية. وكان من أنشطة أمانة القدس في عمان القيام بتمثيل المدينة في اتحادات العواصم والمدن العربية والعالمية، كما قامت الأمانة بعقد 59 اتفاق توأمة للقدس مع مدن عالمية بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية كما تفيد معلومات المؤتمر الوطني الشعبي (  يونس العموري من المؤتمر الوطني الشعبي).

وقد قام الرئيس ياسر عرفات بإعادة تشكيل أمانة القدس بمرسوم رئاسي عام 1999، ثم تم تعيينها مرة أخرى عام 2012 من الرئيس محمود عباس، والسؤال اليوم يتعلق بكيفية انتخابها وذلك كما نصت عليه قرارات دورة  المجلس الوطني، ودورتي  المجلس المركزي التي  عقدت كلها عام 2018 والتي نصت على ضرورة إعادة تشكيل أمانة القدس وفق أفضل صيغة ديمقراطية  وتمثيلية.

إذن فلقد عقد في القدس انتخابات تشريعية ورئاسية بعد نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية، فيما لم تعقد فيها انتخابات محلية كما لم تعقد انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.

الإنتخابات التشريعية والرئاسية والقدس

تشمل محافظة القدس وفق التقسيم الفلسطيني خمسين تجمعًا سكانيًا، يقع ٢١ تجمعًا منها في ما أطلق عليه قدس ١ من قبل جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، وهي تمثل ذلك الجزء من محافظة القدس الواقع داخل جدار الفصل العنصري تحت السيطرة الكاملة للنظام الاستيطاني الاستعماري الصهيوني وسلطته العسكرية ، ومواقع قدس ١ حسب التصنيف المعتمد لدى جهاز الإحصاء المركزي هي: كفر عقب، بيت حنينا، شعفاط ، مخيم شعفاط، البلدة القديمة، باب الساهرة، الشيخ جراح، وادي الجوز ، الصوانة، الثوري ، سلوان ، رأس العامود، الطور ، العيسوية، الشياح، بيت صفافا، أم طوبا، صور باهر ، شرفات ، السواحرة الغربية ، وجبل المكبر( جهاز الإحصاء المركزي ، ٢٠١٧). ويسكن هذه التجمعات ٩٢٦’٢٨٤ فلسطيني كجزء من ٥٨٥’٤٤٢يسكنون محافظة القدس ككل( جهاز الإحصاء المركزي ، ٢٠١٩، ص. ٢٧).

وقد ورد في المادة ٦ من ملحق ٢ لإتفاق المرحلة الانتقالية الفلسطينية الاسرائيلية الموقع بتاريخ  ٢٨ أيلول ١٩٩٥ والمشهور باسم ‘ اتفاق أوسلو ٢’، ترتيبات خاصة للإنتخابات الفلسطينية في قدس ١، وتضمنت هذه الترتيبات قيام عدد من مواطني قدس ١ بالاقتراع داخل خمسة مكاتب للبريد في المدينة وذلك وفق الطاقة الاستيعابية لتلك المكاتب، فيما يقوم باقي مقدسيي قدس ١ وهم الغالبية بالتصويت في مراكز اقتراع فلسطينية  تقع خارج قدس ١( الاتفاقية الانتقالية الفلسطينية الاسرائيلية: ملحق الانتخابات ص.39 من لجنة الانتخابات المركزية 1996).

في عام ١٩٩٦ سجل للانتخابات في محافظة القدس ٠٥١’٨٠ شخصا، صوت منهم فعليا ٠٠١’٣٤ شخصاً أي بنسبة 42.47% ( لجنة الانتخابات المركزية، ١٩٩٦، ص. ٤٢)، ومن هؤلاء صوت ٥٣٢٧ شخصًا في خمس مكاتب بريد داخل المدينة ( صفحة لجنة الانتخابات المركزية) في مظاريف عادية لا تحمل أي شعارات أو رموز فلسطينية، وكأنها تصويت أجانب يقيمون خارج دولتهم ومرسلة إلى تلك الدولة. وفي الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٥ سجل للإنتخابات في القدس ٢٩٩’٥٩ شخصا، صوت منهم ٠٥٩’٢٨ شخصا ( لجنة الانتخابات المركزية: الصفحة الالكترونية، والشقاقي 2007 ص. 283)، وهي أرقام أقل مما كان عليه الحال عام ١٩٩٦، وذلك رغم زيادة عدد السكان من ١٩٩٦ الى ٢٠٠٥. وأخيرا إقترع في الانتخابات التشريعية لعام ٢٠٠٦ ما يساوي ٠٠٦’٤١ شخصا ( لجنة الانتخابات المركزية: الصفحة الالكترونية) من مجموع 48340 شخصاً سجلوا لهذه الانتخابات( الشقاقي،2007 ص.303)، كما سمح لغير المسجلين في القدس بالاقتراع مما رفع عدد الناخبين  الى 66599 شخصاً. صوت ٦٣٠٠ فلسطيني مقدسي في ستة مراكز بريد داخل المدينة، وذلك بعد أن تمت إضافة مكتب بريد صور باهر على مكاتب البريد الخمسة السابقة وهي مكاتب شارع صلاح الدين، وشعفاط، وبيت حنينا ، وباب الخليل ، والطور . وقد وفرت لجنة الانتخابات المركزية مراكز للحصول على البطاقات الانتخابية في مدارس الفتاة اللاجئة، والنظامية، وأبوبكر الصديق وهي مدارس واقعة داخل قدس ١( موقع لجنة الانتخابات المركزية).. وقد قامت قوات الاحتلال بعدة انتهاكات خلال الانتخابات شملت إغلاق مكاتب لجنة الانتخابات المركزية في القدس ، ومنع مرشحين من دخول المدينة لإجراء الدعاية الانتخابية وغير ذلك من الانتهاكات الواردة في صفحة لجنة الانتخابات المركزية.

تشير هذه المعطيات إلى نسبة تصويت منخفضة في محافظة القدس للانتخابات الفلسطينية لم تزد عن 42.47% عام 1996 فيما بلغت النسبة في الضفة وغزة 69.63% ( لجنة الانتخابات المركزية، 1996)، هذا علما أن عدد المقترعين أعلاه يعود لإجمالي رقمهم في محافظة القدس ككل أي قدس 1 وقدس2 معاً.

في غمرة الإعداد للانتخابات الفلسطينية لعام 2021 تثار الأسئلة من جديد حول إمكانية عقدها في قدس1  كإنتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، وطرق تحقيق ذلك، وكذلك سبل زيادة مشاركة المقدسيين فيها ، وهذا ما تحاول هذه الورقة تسليط الضوء عليه بادئة بتحليل الاستراتيجية الفلسطينية المطروحة حتى الان بشأن كيفية إجراء الانتخابات في القدس ، ويلي ذلك طرح خيارات مقترحة ، وأخيرا طرح آليات وأفكار للعمل.

الانتخابات الفلسطينية في القدس عام 2021

في آواخر 2019  وافقت حماس وكافة الفصائل الفلسطينية على عقد الانتخابات الفلسطينية التشريعية وفق التمثيل النسبي الكامل على أن تتلوها الانتخابات الرئاسية بعد أشهر ، وبقيت في حينه مسألة عقد الانتخابات في القدس كمسألة كانت لا زالت تعترض صدور المرسوم الرئاسي لعقد هذه الانتخابات.

لحلحلة هذه العقدة قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بخطوتين في نهاية عام  2019 تمثلت الخطوة الأولى بتوجيه رسالة للحكومة الاسرائيلية عبر الوزير حسين الشيخ للموافقة على عقد الانتخابات الفلسطينية في القدس وفق ترتيبات اتفاق أوسلو ٢ المشار اليها آنفًا ، وفي كانون اول/ ديسمبر ٢٠١٩ أبلغت الحكومة الاسرائيلية الجانب الفلسطيني بأنها تمتنع عن الرد على الطلب الفلسطيني في هذه المرحلة. وقد استدعى هذا الرد الاسرائيلي انتقال الجانب الفلسطيني إلى الخطوة الثانية والتي تمثلت بالطلب من الحكومات الأوروبية والأمم المتحدة للضغط على إسرائيل من أجل إجبارها للموافقة على عقد الانتخابات في القدس، وقد تحدث مع الاسرائيليين بهذا الخصوص وزير خارجية إيرلندا سيمون كوفيني، ومندوب الأمم المتحدة لعملية السلام نيقولاي ملادينوف ، ولم يجد كلاهما آذانًا صاغية لدى الحكومة الاسرائيلية . وفي التاسع من كانون ثاني/ يناير ٢٠٢٠ إلتقى الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين في فلسطين وكرر الطلب بأن تقوم حكوماتهم بالضغط على اسرائيل لإجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس الشرقية، وتوافق هذا الاجتماع مع تصريح للسيد عزام الاحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح أشار فيه أن الرئيس سيعقد اجتماعا لكافة الفصائل لبحث النتائج في حال رفض إسرائيل لإجراء الانتخابات في القدس، وأشار الاحمد إلى رفض اجراء التصويت من قبل المقدسيين عبر التصويت الإلكتروني وهو ما يبدو أنه اقتراح قام بطرحه الأوروبيون وذلك نظرًا لكون هذا الاقتراح يحاول ايجاد حل عبر الالتفاف على حق المقدسيين بالتصويت داخل مدينتهم. وأخيرا طرح السيد الاحمد إمكانية الانتقال الى طرح انتخابات لبرلمان دولة شاملة للقدس  بدلًا من انتخابات مجلس تشريعي لمرحلة انتقالية ، على أن يتم ذلك في إطار من التحدي مع الاحتلال والاشتباك معه.

بقيت المحاولات الاوروبية جارية في فترة ما قبل ظهور أزمة جائحة كورونا في اذار 2020 ، وذلك كاستمرار لجهود كوفيني المذكورة أعلاه وفي هذا الإطار طلب رئيس الوزراء محمد إشتيه من النرويج  يوم 16 كانون ثاني 2020 الضغط على إسرائيل لإجراء الانتخابات ، كما تم الطلب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ان يثير الموضوع مع نتنياهو أثناء لقائه به في القدس يوم 22 كانون ثاني 2020 وفي نفس اليوم طرح السفراء العرب ذات الموضوع على نظرائهم الاوروبيين في إجتماع التنسيق العربي الاوروبي الذي  عقد في بروكسل، هذا علما ان عدد من الدول الاوروبية كان لا زال بحاجة الى اقناع  حينذاك قبل التحرك مع إسرائيل حيث تشترط هذه الدول صدور المرسوم الرئاسي حول الانتخابات اولاً وقبل الحديث مع إسرائيل في هذا الموضوع ( الأزعر، كانون ثاني 2020). بعد إمتناع الحكومة الإسرائيلية عن إعطاء ردها بدى وكأن أمر عقد الإنتخابات الفلسطينية قد تم تجميده. وبعد انتخابات 2 آذار  2020 في إسرائيل نشبت أزمة جائحة كورونا في فلسطين وإسرائيل والتي عززت التجميد المذكور.  وحينها بدى أن التعويل على موافقة إسرائيلية لعقد الإنتخابات في القدس ضمن قيود اوسلو المذكورة أعلاه قد إنتهى،  حيث لم تقبل الحكومة الاسرائيلية التي تشكلت بعد إنتخابات اذار 2020 بعقد هذه الانتخابات  أيضا فيما تعتبره عاصمة إسرائيل الموحدة، وهي على العكس  كانت تسعى لضم الغور والمستوطنات الإستعمارية في الضفة بدعم من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آنذاك إضافة للقدس المضمومة سابقا إلى إسرائيل.

إذن، لقد تمت حتى الان خطوتان فلسطينيتان عامي 2019 و 2020: الأولى هي الطلب المباشر من اسرائيل لقبول عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في القدس  وهو ما إمتنعت إسرائيل عن الرد عليه، والخطوة الثانية هي الطلب من الأوروبيين والأمم المتحدة الضغط على إسرائيل للموافقة، وهو ما لم ترضخ له إسرائيل. وبقي لاحقا الخطوة الثالثة والتي طرحها السيد عزام الاحمد وهي انتخابات لرئيس دولة وبرلمان دولة فلسطين في إطار التحدي للاحتلال وفتح معركة معه .وتأتي أهمية هذه الخطوة في وقت تم فيه إصدار مرسوم الإنتخابات من قبل الرئيس محمود عباس يوم الرابع عشر من كانون ثاني 2021 وذلك بعد أن تلقى الرئيس رسالة رسمية من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية تنص على قبول الحركة بعقد الإنتخابات التشريعية والرئاسية وللمجلس الوطني الفلسطيني بشكل متتابع ووفق صيغة التمثيل النسبي الكامل . وقد نص المرسوم على عقد الإنتخابات التشريعية يوم الثاني والعشرين من أيار ، والرئاسية في الحادي والثلاثين من تموز ، وللمجلس الوطني في الحادي والثلاثين من آب 2021 على أن تكون الإنتخابات هذه المرة  إنتخابات لدولة فلسطين وليس انتخابات لمرحلة إنتقالية كما كان عليه الحال في الإنتخابات السابقة كما ورد  في نص القرار بقانون الذي اصدره الرئيس قبل مرسوم الإنتخابات ونشرته مجلة الوقائع الفلسطينية يوم الثالث عشر من كانون ثاني الجاري .

فكيف يمكن أن تكون هكذا انتخابات؟ ما هي خطواتها ؟ ما هي الخيارات التي يمكن أن تكون متاحة في إطارها؟ وما هو الخيار الأفضل بينها؟

خيارات لإجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس

يشير تصريح السيد عزام الأحمد من العام الماضي أعلاه إلى أن دولة فلسطين قد غسلت يديها من إمكانية موافقة الحكومة الإسرائيلية على عقد الإنتخابات في القدس ، وعليه فقد جاء المرسوم الرئاسي لعام 2021 حول الإنتخابات ليحدد إجراءها لدولة فلسطينية وهو ما كان قد لوح به السيد الأحمد . مع ذلك تشير الحركة السياسية الراهنة إلى إمكانية التوجه في البداية مجددا لإدارة بايدن والإتحاد الأوروبي للتفاوض مع إسرائيل حول عقد الإنتخابات في القدس ، وسيترتب على ذلك إحتمالان : ألأول أن تنأى إسرائيل بنفسها مجددا عن تقديم أي موافقة بذريعة أن ذلك غير ممكن فيما هي تمر بمرحلة تحضير لإنتخابات جديدة ستتم في أواخر آذار القادم ، والإحتمال الثاني يقضي بأن  يعود الأوروبيون والأمريكان لفلسطين حاملين شرطا إسرائيليا أن لا تكون الإنتخابات  المزمع إجراؤها  لدولة فلسطين بل لتمديد فترة الحكم الذاتي  ، وفي النهاية قد ينجح الأوروبيون وإدارة بايدن الجديدة في واشنطن في الحصول على موافقة اسرائيلية من الحكومة الإسرائيلية التي قد تتشكل بعد الإنتخابات الإسرائيلية ( إن شكلت في ظل التجاذبات الداخلية الجارية في إسرائيل ) لعقد الانتخابات الفلسطينية كإنتخابات دولة في القدس على قاعدة أن للفلسطينيين أن يسموها إنتخابات دولة وهي ليست في الواقع كذلك وهذه موافقة ستكون غالبا مستبعدة ، كما أنها يمكن أن تأتي متأخرة بالنسية للجدول الزمني للإنتخابات الفلسطينية حيث أن تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد إنتخابات 23 آذار هناك ستحتاج إلى عدة أسابيع سيتلوها أسابيع أخرى للتداول الداخلي والتفاوض مع الأمريكان قبل إتخاذ قرار إسرائيلي . فهل سيترتب عن هكذا وضع قيام فلسطين بتأجيل الإنتخابات التشريعية المقررة في 22 أيار إرتباطا بالجدول الزمني الإسرائيلي ؟ هذا هو السؤال .

من جهة أخرى قد تنجح إدارة بايدن في جلب موافقة إسرائيلية على إنتخابات لتمديد فترة الحكم الذاتي وفق صيغة أوسلو والتي لم تكن صيغة منصفة لمقدسيي قدس ١، حيث أجبرت الغالبية العظمى منهم على التصويت خارج حدود قدس ١ ، وفي هذه الحالة الثانية سيكون على فلسطين أن تقرر بين ثلاثة خيارات هي:

أولا: إجراء الإنتخابات وفق التمثيل النسبي الكامل مع مشاركة لمرشحين من القدس في قوائم التمثيل النسبي التي تخوض الإنتخابات ولكن مع التخلي عن تواجد مراكز إقتراع داخل القدس وعن إجراء الدعاية الإنتخابية في المدينة وهو أمر قد يترتب عنه تقليص نسبة الإقبال على التصويت من قبل المقدسيين.

ثانيا: أو أن تقرر فتح مراكز إقتراع متنقلة في المدينة وإجراء الدعاية الإنتخابية في المدينة وغير  ذلك من متطلبات الإنتخابات في إطار مواجهة مخططة مع الإحتلال ( أنظر/ي أدناه) .

ثالثا: أو تأخذ القرار الأسهل ولكن الأكثر ضررا على العافية الداخلية للمجتمع الفلسطيني وهي تجميد الإنتخابات مجددا بذريعة رفض إسرائيل إجراءها في القدس.

في هذا الإطار صرح الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الإنتخابات المركزية في مؤتمره الصحفي يوم السادس عشر من شهر كانون ثاني الجاري أن اللجنة تمتلك  خيارات بديلة لعقد الانتخابات في القدس في حال رفض الإحتلال عقدها فيها . يتوقع هنا أن الدكتور ناصر يعني أولا إعفاء المقدسيين من التسجيل المسبق للإنخابات كما ورد في الصفحة الإلكترونية للجنة االإنتخابات المركزية وهو سلاح ذو حدين إذ قد يترتب عنه إحجام الكثير من المقدسيين عن التصويت إذا لم تتم حملات واسعة من الفصائل والمرشحين بينهم لإقناعهم بالتصويت وكذلك إقناعهم بما سيترتب عن المشاركة في هذه الإنتخابات من نتائج وآثار ايجابية عليهم . بدون ذلك ستبقى نسبة تصويت المقدسيين سيما من قدس 1 متدنية كما كان عليه الحال في الإنتخابات السابقة وربما أدنى منها أيضا . يعني الدكتور ناصر أيضا عقد لقاءات دعاية إنتخابية إلكترونية ، وتصويت إلكتروني للمقدسيين سيما في ظروف إنتشار فايروس كورونا المساعد على ذلك ، ولكن ذلك لن يكون كافيا ايضا كما سيتبين أدناه ، كما أنه سيكون من الخطأ إلقاء عبء إدارة العملية الإنتخابية في القدس على كاهل لجنة الإنتخابات المركزية فقط ، حيث أن موضوع الإنتخابات في القدس هو موضوع سياسي بإمتياز ويتطلب أكثر من حلول وتدخلات فنية تستلزم أدوارا لمنظمة التحرير الفلسطينية وللفصائل في حلها ومعالجتها.

وبالعودة للخيارات الفلسطينية الثلاث ، لا يبدو خيار تأجيل الإنتخابات الفلسطينية هذه المرة محتملا وذلك للأسباب التالية:

أولا: عدم ثقة فلسطين بأن إتجاه الحركة في إسرائيل سيعطي موافقة على عقد الإنتخابات في القدس وفق المتطلبات الفلسطينية . فلم تفعل إسرائيل ذلك وهي على تمام الثقة بأن  كل الإدارات الأمريكية بجمهورييها وديمقراطييها تعتبر القدس كلها عاصمة موحدة لإسرائيل , وبأن إدارة بايدن لن تعيد نقل السفارة الأمريكية مجددا من القدس إلى تل أبيب ، وأن هذه الإدارة ومعها اوروبا  ستكتفي ببيانات الإستنكار لتوسيع القدس حتى البحر الميت شرقا، وحتى مشارف مدينة الخليل جنوبا ، وحتى منتصف الطريق نحو نابلس شمالا ، وكذلك لإستمرار الإقتحامات للمسجد الأقصى، وتهويد مركز مدينة القدس المحيط بالبلدة القديمة وجوارها مثل عمليات التهويد الواسعة الجارية في سلوان وغير ذلك من الممارسات الإسرائيلية الهادفة لتصفية المكان والإقليم والفضاء والمشهد الفلسطيني في المدينة وتبديد وشرذمة المجتمع الفلسطيني فيها وتشويه الهوية الوطنية سيما لقطاع الشباب المقدسي .

ثانيا: حاجة فلسطين لإستعادة الوزن للقضية الفلسطينية بعدما تم تهميشها من بعض الأنظمة العربية التي إنتقلت للتحالف مع إسرائيل وفي إطار ذلك قبلت بالضم الزاحف للأراضي الفلسطينية ، كما قبلت بما تطلق عليه إسم ” إبراهيمية الحرم الشريف ” في القدس، وبالتالي الإدعاء بكونه مكانا مقدسا للديانات السماوية الثلاث وليس حقا حصريا للمسلمين، مما أدى بدوره لتشريع الإقتحامات الصهيونية ومن قبل الجماعات الأفنجليكانية المتطرفة في أمريكا والعالم للحرم الشريف .

ثالثا: حاجة فلسطين لتوحيد البيت الفلسطيني  من أجل تحسين القدرة الفلسطينية على طرح مواقفها والضغط من أجل تحقيقها من  خلال الحديث  بصوت واحد مع الإدارة الأمريكية الجديدة والعالم من ، مستثمرة في إطار ذلك الأجواء الإيجابية الداعمة الناشئة في مطلع عام 2021 مثل المصالحة الخليجية والإنفتاح المصري على قطر وتركيا.

يظل خيار التأجيل أقل إحتمالا طالما بقيت العوامل الثلاث أعلاه قائمة ، ولكن إحنمالات الـتأجيل قد تزداد في حال حدوث متغيرين :

المتغير الأول يتعلق بظهور إختلافات بين فتح وحماس حول تفاصيل إجراءات الإنتخابات  كالقائمة المشتركة لفتح وحماس مع أو بدون بقية الفصائل ، أو الفشل في الإتفاق على تفاصيل ما أطلق عليه إسم القائمة المنقوصة التي تقضي بأن يخوض كل فصيل الإنتخابات التشريعية بقائمة تقل عن 132 عضوا هم عدد أعضاء المجلس التشريعي وذلك لترك مقاعد شاغرة لفصائل أخرى، وكذلك الإختلاف حول ما سيتلو الإنتخابات التشريعية  مثل طريقة تشكيل الحكومة ، والتشارك في الحكم في الضفة وغزة ، والإنتخابات الرئاسية وآليات إنتخاب المجلس الوطني . يعني ذلك أيضا إحتمالية عقد الإنتخابات التشريعية وتأجيل الإنتخابات الرئاسية وللمجلس الوطني كليهما أو واحدة منهما.

أما المتغير الثاني فيتعلق بحدوث ضغوط أمريكية – أوروبية شديدة يشارك بها بعض العرب لمنع حدوث إنتخابات لدولة فلسطينية وتأجيل إنتخابات كهذه إلى ما بعد الإتفاق مع إسرائيل على تلك الدولة وحدودها ونطاق سيادتها .  يجتهد البعض  أنه في إطار هكذا متغير قد تجري إنتخابات مجلس تشريعي فقط ، أخذا بعين الإعتبار كما يرون أن المرسوم الرئاسي للإنتخابات قد دعى لإنتخابات رئاسة دولة ولكنه في المقابل لم يدع لإنتخاب برلمان دولة ، بل إكتفى بدل ذلك بالدعوة لإنتخابات مجلس تشريعي يكرر المجالس السابقة المتناسية مع مرحلة حكم ذاتي سابقة ( عصفور، 2021). إذا كان هذا التحليل صحيحا وهو ما يحتاج لإجتهاد القانونيين حوله ، فإن الضغوط المذكورة قد تسفر عن عقد إنتخابات مجلس تشريعي فقط ، وتأجيل ما تبقى من إنتخابات إاى مرحلة لاحقة .

إضافة لهذين المتغيرين يجب أخذ العامل الإسرائيلي الذي قد يعرقل على الأرض إجراء أي إنتخابات قد لا توافق عليها إسرائيل وذلك من خلال مداهمة وإغلاق مراكز إقتراع ، ونصب الحواجز لمنع الوصول إليها ، وإعتقال المرشحين ، وهكذا . هذه ألإجراءات قد تشمل القدس وكذلك غيرها من مناطق الضفة ، وقد تأخذ طابعا أكثر حدة لدى إجراء إنتخابات للرئاسة الفلسطينية لدولة فلسطين غير المعترف بها إسرائيليا ، عنها في حالة الإنتخابات للمجلس التشريعي في إطار المرحلة الإنتقالية والإتفاقيات مع إسرائيل .

يستخلص مما تقدم أن فرص عقد الإنتخابات التشريعية هي الفرص الأعلى من غيرها يسندها وجود درجة معينة من الإتفاق الداخلي عليها ومن الدعم العربي والدولي المحتمل لها ، أما الإنتخابات الرئاسية فتكتنفها حالة من عدم اليقين تتعلق بطبيعتها ، ومن سيتنافس بها وكيف ، وأخيرا فإن الإنتخابات للمجلس الوطني قد تكون أكثر تعقيدا لإرتباطها بطبيعة برنامج منظمة التحرير الفلسطينية ونسب التمثيل داخلها .

بالنسية للقدس سيشمل عقد الإنتخابات التشريعية فيها على ما يبدو مزيجا بين دمج مرشحين مقدسيين في القوائم الإنتخابية النسبية، وبين العمليات الإلكترونية التي تشمل من طرف لجنة الإنتخابات المركزية عقد لقاءات إلكترونية لتوعية الناخبين المقدسيين ، وتنظيم التصويت الإلكتروني منهم . أما من طرف الفصائل والأحزاب والمرشحين فستتم الدعاية الإنتخابية بالوسائل الإلكترونية ، كما لن يخلو الأمر من تعليق يافطات دعاية دهخل المدينة وإجراء بعض اللقاءات الإنتخابية في المدينة , وسيتخلل ذلك إعتقالات إسرائيلية للمرشحين وإزالة مواد الدعلية الإنتخابية ومنع اللقاءات الإنتخابية في المدينة وتفريقها. أما الأمر الأكبر فسيكون ىعير منع تواجد أي صناديق إقتراع داخل المدينة . فهل يكفي الإقتراع الإلكتروني للتعويض عن ذلك؟ . كما ستمنع الرقابة المحلية والدولية على الإنتخابات داخل المدينة وسيحظر على وسائل الإعلام تغطية سير العملية الإنتخابية فيها .  فما العمل تجاه هذه العراقيل؟

آليات مقترحة لكيفية عقد انتخابات برلمان الدولة ورئيسها، وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني

يرى البعض أن دمج المقدسيين بنسبة معينة في قوائم التمثيل النسبي كافية لحل مشكلة مشاركة القدس في الإنتخابات الفلسطينية . حسب وجهة النظر المبسطة هذه فإن المقدسيين ممثلين سواء صوتوا في النتخابات أو لم يصوتوا، وفي أحسن الأحوال يدعو هؤلاء المقدسيين للمشاركة في لقاءات على نظام زوم للدعاية الإنتخابية ، كما يمكن أن يدعو من لا يمكنهم التصويت إلكترونيا للقدوم إلى مراكز إقتراع تقام في قدس 2 الخاضعة لدولة فلسطين ، أي ليصوتوا خارج مدينتهم.

هذا الرأي يؤدي إلى مشاركة مرشحين من القدس في القوائم الإنتخابية ، ولا يحل مشكلة مشاركة المقدسيين ككل في العملية الإنتخابية ، ولدى طرحه لمشاركتهم يقوم بذلك بطرق فوقية غير تشاركية بدعوتهم للقاءات زوم لايقررون بشأنها مسبقا وتفتقر للتفاعل المطلوب ، أو بدعوتهم للتصويت في مراكز إقتراع خارج مدينتهم.  إزاء هذا الطرح  يجب القول أن للإنتخابات أن تجرى في إطار عملية وطنية تشاركية أوسع لإعادة بناء الروابط التي جرى انفصامها بين القدس وفلسطين ، أي إعادة القدس إلى فلسطين، وإعادة فلسطين إليها لا على مستوى الشعار والخطط فقط، بل على مستوى تطبيق الخطط وإطلاق مبادرات فلسطينية عامة نحو القدس، وانطلاق أخرى من القدس نحو فلسطين، أي أن تكون العملية متكاملة ومتبادلة. وتؤدي هذه العملية بدورها إلى إطلاق أخرى موازية للانفكاك عن الاحتلال في المدينة على طريق التحرر في ظل كونها أيضا  مدينة ذات أهمية عربية وإسلامية وعالمية دينيا وتاريخيا.

إن أي انفكاك عن الاحتلال في القدس يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تنسيق الجهود الفلسطينية والعربية والدولية معا بشأنها. وبمعنى آخر فإن الأمر يتطلب إجراء الانتخابات في القدس بصورة تشاركية فلسطينية ، ومع العالمين العربي والإسلامي والعالم مترافقا مع توزيع للأدوار … فكيف ذلك؟

تكمن البداية بتعزيز المشاركة بين مختلف قطاعات وفئات المجتمع المحلي المقدسي في التحضير للإنتخابات وتنفيذها في المدينة عبر فتح أوسع حوار منظم ومتسلسل حول الانتخابات في القدس تشارك به معا وعلى قدم المساواة وبدون إقصاء لأحد كل من الهيئات الرسمية  وغير  الرسمية الفلسطينية ذات العلاقة بالقدس : يقف في مقدمة الجهات الرسمية منها لجنة الإنتخابات المركزية ، ثم دائرة القدس في منظمة التحرير الفلسطينية واللجنة الرئاسية العليا للقدس ووزارة شؤون القدس ومحافظة القدس والمؤتمر الوطني الشعبي للقدس والهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس ، وأمانة القدس ، ومجلس أوقاف القدس . وغير الرسمية منها كمنظمات المجتمع المدني واللجان والهيئات العاملة في المجتمعات المحلية المقدسية كاللجان المحلية ولجان الإصلاح ولجان الزكاة وهيئة العمل الوطني والأهلي في القدس والأحزاب والفصائل السياسية في المدينة ورموز المدينة الوطنية والدينية والعشائرية وأئمة المساجد والقيادات الكنسية المسيحية والمجموعات الفاعلة في الفضاء الإلكتروني، والعاملين في مجال الإعلام المقروء والمرئي والمسموع .

ستتمحور أجندة هذا الحوار حول قضايا الإنتخابات في القدس بما يشمل :

•تقديم تصورات حول عدد المرشحين من القدس في كل قائمة، وحول معايير إختيار هؤلاء المرشحين وكيفية مشاركة المجتمع المحلي المقدسي في إختيارهم .

•التوافق على وإيجاد أنظمة الدعاية الإنتخابية وآليات توعية اصحاب حق الإقتراع في المدينة وتجنيدهم للمشاركة.

•إيجاد صيغة إبداعية للإنتخاب داخل مراكز إقتراع تقع داخل المدينة.

•التوافق على طريقة عمل الرقابة المحلية على الإنتخابات في المدينة ، والتواصل مع الهيئات الدولية وهيئات الأمم المتحدة المتواجدة في المدينة والمتضامنة لإيجاد أنظمة للرقابة الدولية وحماية مراكز الإقتراع قي المدينة.

سيولد هذا الحوار الحيوي افكارا ابداعية واستعدادات وكذلك ديناميكيات واليات قد تنجم عنها مثلًا أفكار حول كيفية عقد الانتخابات داخل كل مجتمع محلي من المجتمعات المحلية ال ٢١ لقدس ١ واحدا واحدا وغير ذلك من الأفكارالتي تنفذ بمشركة المجموع المقدسي.

يمكن أن يترافق مع التفاعلات الشعبية حول الانتخابات في القدس تفاعلات اخرى مع جهات ذات صلة، فهذا حوار يمكن أن يتم مع الاردن ومع الاوقاف الإسلامية والمسيحية في المدينة لتحديد ما يمكنهم فعله لدعم إجراء الانتخابات في القدس، وهذا حوار مع أعضاء الكنيست العرب ومع فلسطينيي الداخل المقيمين بالآلاف في القدس للتفكير ايضا عما يمكن أن يكون عليه دورهم. هذا اضافة لحوارات اخرى مع ممثليات دول العالم وأوروبا   والأمم المتحدة في القدس ، وهكذا.

في إطار هذه العملية  ربما ينبغي استبعاد التصويت الإلكتروني كوسيلة رئيسة وربما حصره على من يتقنون العمل مع التكنولوجيا ، فهو إذا إستعمل وحده سيكون أسلوب هروب من المواجهة مع الإحتلال بدل العمل على  إعادة الروابط الوثيقة بين القدس وبقية أجزاء الوطن كما تقدم . هذا فيما يجب أن تتم الانتخابات في القدس تحت إشراف لجنة الانتخابات المركزية وذلك لتوحيد انتخابات القدس مع بقية فلسطين ، ولكن ذلك سيتطلب بالمقابل صيغا ابداعية تحتاج للتطوير ، كما تشمل إلغاء سجل الناخبين في حالة القدس كما قررت لجنة الإنتخابات المركزية مشكورة والاكتفاء باثبات المواطن لشخصه من خلال بطاقة الهوية أو رخصة السياقة كما يجري في الانتخابات الاسرائيلية التي لا تعتمد السجل الانتخابي.

كانت هنالك فكرة طرحتها اللجنة الأهلية للرقابة على الانتخابات عام 2006 تقترح اجراء الإنتخابات في المدارس وعدم اجرائها في مكاتب البريد . قد تكون هذه الصيغة ملائمة لعام 2006، اما اليوم فقد تكون لم تعد ملائمة سيما في ظل الهجمة الإسرائيلية على قطاع التعليم في القدس واتجاهها لاغلاقه. يشابه ذلك أفكار سابقة طرحت لعقد الانتخابات في القدس داخل الأقصى وكنيسة القيامة وهذا لم يعد ربما خيارا في ظل الهجمة الإسرائيلية المسعورة على الأماكن المقدسة في القدس. والبديل الممكن ربما يقوم على تحميل المجتمعات المحلية المقدسية ال 21 مسؤولية انجاز الانتخابات داخلها مدارساً وجوامعاً ومؤسسات ونوادي  ، وذلك وفق ما تقتضيه حالة كل مجتمع محلي من هذه المجتمعات.

بقيت نقطة تتعلق بمشاركة المقدسيين اللاجئين والنازحين في الخارج في انتخابات المجلس الوطني  التي ستتطلب اشتراك لاجئي ونازحي فلسطين ومنها القدس في الخارج، وسيترتب على ذلك الحاجة الى ايجاد نظام خاص لهذه المشاركة  عبر الإنتخابات المباشرة حيثما أمكن وعبر صيغ لتمثيل القطاعات والفئات وهيئاتها المنتخبة منها حيثما يتعذر الإنتخاب المباشر ، وذلك بالتشاور مع الدول العربية المضيفة للاجئين والنازحين الفلسطينيين.

ملاحظات ختامية وتوصيات

في  ضوء ما يرشح حتى لحظة إنهاء هذه الورقة من توافقات فصائلية فقد بتنا نعرف أن الإنتخابات للمجلس التشريعي ستتم  إما بقائمة مشتركة بين فتح وحماس وربما بمشاركة باقي الفصائل ، أو بقوائم  منقوصة منفصلة لكل فصيل بحيث يتمثل الجميع في المجلس التشريعي . التعليل الذي يقدم لهذا التوجه يقول بأن المخاطر التي وصلت إليها القضية الفلسطينية قد وصلت إلى وضع غير مسبوق بات يتطلب مشاركة الكل الفلسطيني في المسؤولية وإتخاذ القرار .عوضا عن ذلك لا زلنا بإنتظار التوافقات التي ستتم ( أو تفشل ) بشأن إنتخابات الرئاسة والمجلس الوطني والتي قد تتمخض عن اللقاءات القادمة للفصائل .

يترتب عما اتفق عليه حتى الآن أن فرص بعض المستقلين الذين يطمحون لتشكيل قوائم خاصة بهم لخوض الإنتخابات قد تقلصت بشكل كبير أمام حالة الإحتكار الفصائلي للحيز السياسي الإنتخابي . يثار في هذا السياق أيضا السؤال عن مدى التجديد الذي ستشهده الإنتخابات سيما لجهة تمثيل قطاع الشباب ، ولكن كان من الأمور الإيجابية التي حوى عليها المرسوم الرئاسي بشأن الإنتخابات ما نص عليه من رفع لنسبة تمثيل النساء في القوائم الإنتخابية من 20 إلى 26 بالمئة.

فيما يتعلق بالقدس تخلص الدراسة الى أنه يجب النظر إلى مسألة مشاركة القدس في الإنتخابات من خارج المنظار الضيق الذي يرى بأن دمج مقدسيين في القوائم النسبية كاف لحل هذه المسألة ، كما تخلص الدراسة أن قضايا القدس هي سياسية بإمتياز ، لذا لن تكفي حلول تقنية لمعالجتها مثل إجراء الدعاية الإنتخابية ياستعمال الفضاء الإلكتروني ، أو التصويت الإلكتروني. بدل ذلك فإن المطلوب هو الشروع بعملية وطنية تردم الفجوة بين المقدسيين والقيادة السياسية وهي فجوة ترتب عنها انخفاض نسبة مشاركة المقدسيين في الإنتخابات الفلسطينية السابقة نتيجة لشعورهم بأن إتفاق أوسلو قد أهملهم . وقد تكون الإنتخابات القادمة مدخلا لإنشاء آلية تشاركية مع مختلف قطاعات وفئات المجتمع المقدسي للحوار معهم حول كل قضايا الإنتخابات بدءا من تحديد نسبة المقدسيين في القوائم، وسبل الدعاية الإنتخابية و طرق التصويت ومراقبة الإنتخابات داخل المدينة ، وسبل إدراج القدس في أول إنتخابات بلدية فلسطينية قادمة .

وبناء على ما تقدم يمكن تلخيص التوصيات التالية :

1- تعقد الانتخابات الفلسطينية في القدس بشكل لا مركزي في المجتمعات المحلية المقدسية حيث يتم التصويت للقوائم النسبية التي تخوض الانتخابات التشريعية على مستوى الوطن ككل في هذه المجتمعات نواديا ومساجدا ومؤسسات.

2-  تتولى لجنة الانتخابات المركزية من اليوم مسؤولية الاعداد للانتخابات في القدس وذلك من خلال عقد لقاءات مع ممثلي المجتمعات المحلية المقدسية والفصائل ومنظمات المجتمع المدني والاوقاف الاسلامية والمسيحية والمؤسسات الدولية  ومؤسسات الأمم المتحدة في القدس وفلسطيني الداخل المقيمين في  القدس واعضاء الكنيست العرب بحيث يترتب عن هذه اللقاءات ما يلي:

أ- اعداد نظام الانتخابات المفصل في القدس وطريقة اجرائها وادارتها.

ب- تشكيل لجان الرقابة الأهلية والدولية على الانتخابات في القدس.

ج- فحص فرص إستضافة بعض المؤسسات الدولية والأممية ( من الأمم المتحدة ) لصناديق إقتراع للإنتخابات الفلسطينية في القدس .

كما يتم حوار وفق مبدء المشاركة المتساوية بين كافة الجهات الرسمية المعنية بالقدس وبين فئات وقطاعات المجتمع المقدسي لبحث هذين الأمرين ونقاط أخرى كما تم التطرق له في النص أعلاه .

3-  تقوم م.ت.ف ودولة فلسطين بحملة مع الدول العربية والاسلامية ومع أوروبا والأمم المتحدة وبمساعدة الأردن والجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي لتهيئة غالبية العالم لتقبل ودعم الخطوات الفلسطينية في القدس وانتخاباتها باتجاه الانفكاك عن الاحتلال في المدينة، هذا اضافة لشرح وتوضيح لماذا يقاطع الفلسطينيون المقدسيون انتخابات بلدية الاحتلال الهادفة ضمن خطوات احتلالية أخرى لدمج القدس الشرقية في اسرائيل وهو الأمر الذي ليس مفهوما بشكل كاف دوليا كما تبين أثناء انتخابات البلدية الإسرائيلية الأخيرة حيث سعت جهات اوروبية لتشجيع الفلسطينيين المقدسيين للمشاركة في هذه الانتخابات.

4- إجراء الترتيبات مع الدول العربية االمضيفة لمشاركة النازحين واللاجئين الفلسطينيين في الخارج، وتحديد نسبة عضوية ممثلي اللاجئين والنازحين في المجلس الوطني وكذلك لاحقا نسبة لاجئي ونازحي القدس في أمانة القدس التي تشمل نازحي ولاجئي المدينة.

5- في حال عدم التمكن من عقد الانتخابات الفلسطينية في القدس وفق الصيغة السابقة يتم اعتماد بديل إحتياطي حسب طريقة انتخابات المجلس الوطني القائمة مع بعض التعديلات الطفيفة وذلك بأن تنتخب الفصائل والتجمعات والمجتمعات المحلية المقدسية ممثليها وينشأعن ذلك مجلس عام للقدس يفرز أعضاء للمجلس الوطني ولبرلمان فلسطين كما يفرز أمانة للقدس في الوقت ذاته .

المراجع والهوامش

– الأزعر، محمد خالد. 13/1/2020 ” الأوروبيون ومرسوم الإنتخابات الفلسطينية” جريدة القدس ص.11.

–  الشّقاقيّ، خليل وحرب، جهاد. 2007. الانتخابات الفلسطينية الثانية: (الرئاسية، والتشريعية، والحكم المحلي) 2005-2006. رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.

– الصحف اليومية وموقعي وكالة وفا ووكالة معاً حول أخبار وتصريحات محمد اشتيه وصائب عريقات وعزام الأحمد وحسين الشيخ، وتصريحات نير بركات، وقرارات المجلسين المركزيين والمجلس الوطني  حول أمانة القدس لعام2018، وكذلك حول  المرسوم الرئاسي للإنتخابات في 15 كانون ثاني عام 2021.

–  اللجنة الأهلية للرقابة على الانتخابات . 2006.

– حلبي، أسامة . 2007 . بلديّة القدس العربيّة. القدس: الجمعيّة الفلسطينيّة الأكاديميّة للشّؤون الدّوليّة ( باسيا) ط 2 .

–  جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني. 2017. دليل التجمعات الفلسطينية.

– جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني. 2019. كتاب القدس الاحصائي السنوي.

– دولة فلسطين ألجريدة الرسمية الوقائع الفلسطينية 13/1/ 2021. قرار بقانون رقم 1 لسنة 2021 بتعديل قرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الإنتخابات العامة . عدد ممتاز 23 .

–  سالم ،وليد.  القدس والانتخابات المحلّيّة . جريدة الأيّام ، 15.8.2016 .

–  سالم، وليد . في الحاجة إلى مرسوم رئاسيّ حول أمانة القدس، جريدة الأيّام 5.9.2016 .

– عصفور ، حسن ( 14/1/ 2021) ” تعديلات الرئيس عباس القانونية تربك المشهد الإنتخابي ” . أمد للإعلام . www.amad.ps

–  لجنة الإنتخابات المركزية. 1996. الديمقراطية في فلسطين: الانتخابات الفلسطينية العامة لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي.

–  لجنة الإنتخابات المركزية: الموقع الالكتروني

–  منظّمة التّحرير الفلسطينيّة مركز التّخطيط الفلسطينيّ محاضر ورشات عن أمانة القدس. 2016 .

مقابلات 2016

يونس العموري ، المؤتمر الوطني الشعبي.

* د. وليد سالم، باحث وكاتب من القدس .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.