د. وليد سالم يكتب - التراجعات الاسرائيلية بين الاقتناع أو تغيير الحسابات - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. وليد سالم يكتب – التراجعات الاسرائيلية بين الاقتناع أو تغيير الحسابات

0 85

د. وليد سالم – 5/12/2020

تعالج هذه المقالة ثلاثة تراجعات إسرائيلية تمت منذ عام ١٩٩٣ وحتى اليوم ، الاولى هي الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٩٣ وما تلاه من اعادة انتشار للجيش الاسرائيلي إلى خارج المدن الفلسطينية بين أعوام ١٩٩٤- – ١٩٩٦، والثانية هي الانسحاب الاسرائيلي الكامل من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠،  والثالثة هي فك الارتباط الاسرائيلي مع غزة وتفكيك المستعمرات الاسرائيلية في جنين عام ٢٠٠٦. وتهدف هذه المعالجة إلى تحديد العامل الرئيس الذي أدى لهذه التراجعات على اختلافها، وما الذي يمكن تعلمه منها بالنسبة للنضال الفلسطيني اللاحق في سبيل حقي العودة وتقرير المصير على أرض فلسطين.

بادئ ذي بدء يجدر التمييز بين هذه التراجعات الثلاثة حيث لم يأت مكتملا منها سوى الانسحاب الاسرائيلي الكامل من جنوب لبنان ، أما إعادة انتشار الجيش الاسرائيلي خارج المدن الفلسطينية بين أعوام ١٩٩٤ – ١٩٩٦ فقد كان مؤقتا حيث تمت العودة عنه كلية لدى قيام الجيش الاسرائيلي باعادة اجتياح الأراضي الفلسطينية بشكل كامل عام ٢٠٠٢، كما أن إعادة الانتشار تلك ( وليس الانسحاب ) كما تمت تسميتها قد تضمنت حق الجيش الاسرائيلي بالقيام ” بمطاردات ساخنة” داخل المدن الفلسطينية حينما تقتضي الضرورة الامنية الاسرائيلية وهو ما نصت عليه  اتفاقيات أوسلو ١ ، وأوسلو ٢ بين الطرفين.  اما ما أسمي في خطة شارون لعام ٢٠٠٤ بإسم ” فك الارتباط مع غزة ” فلم يكن أيضا انسحابا رغم سحب الجيش وتفكيك المستعمرات داخل قطاع غزة ، ولكنه اتخذ شكل إعادة نشر للجيش الاسرائيلي خارج القطاع ليسيطر سيطرة كاملة على كل منافذ الدخول والخروج منه محولا إياه إلى سجن كبير.

حصل إعتراف   إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية  ومنحها موطئ قدمداخل جغرافية فلسطين لأول  مرة منذ نشوئها على خلفية ضغط الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اتخذت الطابع الشعبي غير المسلح ، وجاء انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ جراء الكفاح المسلح للمقاومة اللبنانية وما ترتب عنه من خسائر بشرية ومادية لإسرائيل . أما فك الارتباط مع غزة وتفكيك المستعمرات في جنين فقد جاء على وقع نتائج الانتفاضة الثانية التي اتخذت الطابع المسلح وترتب عنها أيضا إنشاء حزب كاديما في إسرائيل والذي قام زعيمه الثاني ايهود أولمرت بالتفاوض مع م ت ف في مؤتمر أنابوليس عام ٢٠٠٧ تلاه مفاوضات عام ٢٠٠٨ إستعد فيها أولمرت للانسحاب مر  ٩٤ من الضفة وذلك على عكس ايهود باراك الذي  لم يتجاوز عرضه في مفاوضات كامب ديفيد عام ٢٠٠٠ الانسحاب مما يزيد عن ٨٠ بالمئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧.

يستنتج مما تقدم أن المقاومة المثابرة سواء كانت مسلحة أو غير مسلحة هي ما حقق التراجعات الكلية أو الجزئية الاسرائيلية في الحالات الثلاث المذكورة . يتناقض هذا الطرح مع وجهة النظر القائلة بأن الانتفاضة الثانية باستعمالها للعنف قد كانت وبالا على الشعب الفلسطيني ، فعلى العكس فهي قد حققت بعض التراجعات الاسرائيلية المجزوءة ، كما يؤكد حتى المراقبون الاسرائيليون منهم دمتري شومسكي الاستاذ في الجامعة العبرية وكاتب العمود الصحافي في جريدة هآرتس . ففي مقالة له ترجمتها جريدة الايام الفلسطينية إلى العربية بعنوان ” اليمين الاستيطاني ومحفزات الانتفاضة الثالثة ” يشير أن الانتفاضة الثانية والخسائر التي خلفتها في إسرائيل هي ما دفعت أولمرت لتقديم صيغة حل سياسي أفضل من أي صيغة سبقتها ، ويضيف شومسكي أن غياب أو تراجع الكفاح الفلسطيني المسلح بعد ٢٠٠٥ هو ما أدى  لنمو وانتعاش اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي بات يرى أن عمليات التهويد التي يقوم بها لم تعد تلقى ردودا فلسطينية مقاومة مما جعله يمعن في هذه الخطوات نحو تصفية القضية الفلسطينية، وإستبدال نتنياهو المتطرف بمن هو أكثر تطرفا منه في استطلاعات الرأي مشيرا بذلك إلى نفتالي بينيت زعيم حزب يمينا . ويختتم شومسكي مقالته بالقول أن كل ذلك سيجعل الفلسطينيين يعودون للاستنتاج مجددا بأن استخدام القوة هو السبيل الوحيد لجعل إسرائيل تتراجع لصالحهم ( جريدة الأيام ٤ /١٢/ ٢٠٢٠).

يحيلنا التحليل السابق إلى المقارنة بين ما قبل عام ٢٠٠٥ وما بعده ، حيث كان لفصائل الشعب الفلسطيني ” أسنانًا” شعبية وفدائية سواء بسواء قبل ٢٠٠٥ أدت لتحقيق تراجعات اسرائيلية جزئية ، كان لها أن تتعمق وتتوسع سواء في تسعينيات القرن الماضي ، أو إبان الانتفاضة الثانية لو استمر الكفاح بشكل أكثر ثباتا بدلا من الاسراع نحو الحصاد قبل أن تنضج ثمرة الكفاح كاملة . أما بعد ٢٠٠٥ فقد انتهت ممارسة الكفاح من فصائل م ت ف وتحول الكفاح إلى انفجارات عفوية غير منظمة تتخذ الطابع المحلي ، أو هجمات فردية غير منظمة بالسكاكين أو بالدهس ، أو إطلاق صواريخ من غزة المسجونة التي دفعت ثمن ذلك باهظا بحروب مدمرة للبشر والمساكن والمنشئات شنتها إسرائيل عليها في أعوام ٢٠٠٨-٢٠٠٩، ٢٠١٢، و ٢٠١٤.

يرى محللون غربيون أن التراجعات الاسرائيلية المذكورة هي نتاج لإعادة حسابات إسرائيلية أكثر منها نتاجا للخسائر التي لحقت بإسرائيل بشريا وماديا، ووفق هذا التحليل فإن إسرائيل قد انسحبت من جنوب لبنان نتاجا لتقديرها أن لا مصلحة لإسرائيل في استمرار احتلاله وذلك مع أن إسرائيل تمتلك القدرة الكاملة على تدمير منظمة حزب الله تدميرا كاملا ولكنها تراجعت عن ذلك لاعتبارات المصلحة وفق رأيهم . كما يرى هؤلاء المحللون أن اعادة الإنتشار للجيش الاسرائيلي خارج مدن الضفة وغزة في تسعينيات القرن الماضي لا يعبر عن نكوص أمام فعالية الانتفاضة الاولى بقدر ما هو نتاج حسابات حزب العمل الاسرائيلي في ذلك الوقت الذي أراد جلب م ت ف من الخارج وتوريطها في تقاسم إقليمي للأرض الفلسطينية يخضع للسطوة الاسرائيلية الكلية ، كما يرى ذات المحللون بانسحاب شارون من غزة وتفكيك المستوطنات في  جنين عام ٢٠٠٥ كنتاج حسابات إسرائيلية لتركيز الاستيطان الاستعماري في القدس والنقب والجليل بدل تشتيته في كل البلاد مما يمنع تشكيل اغلبية إسرائيلية فيها كلها. يرد على هذه الطروحات أن قوة إسرائيل لا تلغي حساسيتها المعروفة تجاه الخسائر سيما البشرية منها وعدم استعدادها لتلقي خسائر كثيرة من هذا النوع فيما تحتفظ في الوقت ذاته بحساباتها المتغيرة في كل فترة من حياتها تبعا لطبيعة قيادتها في كل مرحلة والظروف التي تعيش فيها هذه القيادة في كل وقت من الأوقات المتغيرة .

بقي أخيرا الاشارة إلى مدرسة فكرية تقول بأن التراجعات تحصل عند أي طرف نتيجة تغيير حساباته حول ما هو الأنسب لتحقيق مصالحه،  لا  نتيجة الاقتناع  بحقوق الطرف الآخر  . ما تقوله هذه المدرسة التي واجهتها عندما زرت جامعة ستانفورد الامريكية أول مرة عام ٢٠٠١ وتلتها مرات ، هو درس لكل من يؤمنون بأن مشكلة إسرائيل مع الشعب الفلسطيني ناشئة عن عدم وعي وعدم معرفة  لدى الشعب الاسرائيلي بالشعب الفلسطيني وتاريخ قضيته ومعاناته، وأن علينا بالتالي توعية الشعب الاسرائيلي أكثر فأكثر عبر التواصل معه ومع قواه من أجل توسيع تأييد الشعب الفلسطيني وخلق رأي عام إسرائيلي مؤيد للحقوق الفلسطينية . هذا الطرح خاطئ لثلاثة أسباب : الأول : أن الشعب الاسرائيلي له مصلحة في المشروع الصهيوني وفي الحفاظ على ما سلبه من أراضي وممتلكات الشعب الفلسطيني ، وبالتالي فإن المشكلة هي المحافظة على الامتيازات المترتبة عن المشروع الصهيوني لكل فرد إسرائيلي ، وهي مشكلة لا تحلها التوعية إلا عند أقلية يهودية صغيرة وهامشية ذات ضمير يجعلها مستعدة للتنازل عن امتيازاتها . أما الامر الثاني فهو أن الحالات الثلاث أعلاه قد بينت سيما الحالة اللبنانية أن المقاومة للمشروع الصهيوني من خارجه هي الوسيلة لجعل هذا المشروع يصبح مكلفا بشريا واقتصاديا وماديا بما يؤدي لتغيير الرأي العام داخله بما يجعله يضغط على قيادته للقيام بخطوات مثل الانسحاب من جنوب لبنان عام  ٢٠٠٠ بعد مظاهرات مليونية دعت لذلك حينذاك. وثالثا : هناك إعادة انتشار وفك ارتباط تما في فلسطين نتيجة خسائر إسرائيلية مترافقة مع تغير في حسابات القيادة الإسرائيلية حول كيفية تحقيق المصالح الاسرائيلية بشكل أفضل وليس نتيجة اقتناع بحقوق الشعب الفلسطيني.  وعليه فقد طرح الأكاديمي شومسكي أن الفلسطينيين سيعودون لاكتشاف المقاومة كوسيلة لتغيير إسرائيل وتغيير حساباتها  بديلا عن مجرد التواصل مع الشعب الاسرائيلي بدون اسنان المقاومة، أو مجرد التفاوض  مع القيادات السياسية الاسرائيلية لجعلها تقتنع بالحقوق الفلسطينية، وهو من الوهم حدوثه بدون ضغط المقاومة السابق والمرافق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.