أقلام وأراء

عشية اللقاء الأردنيّ – الإسرائيليّ بشأن الحرم الشريف

د. وليد سالم

وليد سالم ٢٩-٤-٢٠٢٢م

بعد زيارة الوفد من وزارة الخارجية الأميركية، والمكوَّن من ياعيل لامبرت، وهادي عمرو لكل من فلسطين والأردن وإسرائيل هذا الشهر، وبعد الاتصالات واللقاءات التي بادرت إليها الأردن (لقاء لجنة المتابعة العربية بشأن القدس في عمان، واللقاء الثلاثي الأردني – المصري – الإماراتي في القاهرة، واتصالات الملك عبد الله ابن الحسين مع قادة العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي، جو بايدن) والاتصالات الفلسطينية المتعددة من قبل الرئيس، محمود عباس، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ووزارة الخارجية الفلسطينية، تقرر عقد اجتماع أردني – إسرائيلي في عمان، بعد عطلة عيد الفطر مباشرة، لمناقشة التطورات الجارية في الحرم الشريف.

من الملاحَظ أولا أن هذا اللقاء المرتقب، سيتم دون مشاركة أميركية، كما كان عليه اللقاء الثلاثي الذي عُقد عام 2015 في عمان، بمشاركة جون كيري وزير الخارجية الأميركي، والملك عبد الله بن الحسين، ورئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، بنيامين نتنياهو.

تمخّض لقاء عام 2015 عن اتفاق على أن حق الصلاة في الحرم الشريف، هو حق حصري للمسلمين دون غيرهم، على أن يكون لغيرهم حق الزيارة للحرم وحسب. وإلى جانب هذا الاتفاق الهام، ظلّ الاختلاف قائما في لقاء 2015 حول حق إدارة الحرم الشريف، حيث يطرح الأردن موقفه المعروف بأن حق إدارة الحرم وتنظيم زيارته، هي شأن خاص بالأوقاف الإسلامية التي تحدد من يحق له الدخول من عدمه، بدون أن يكون للسلطات الإسرائيلية أي دخل في ذلك، وبدون أن يكون للشرطة الإسرائيلية الحق في التواجد داخل باحات الحرم. وقد رفض نتنياهو هذا الطرح الأردني، وترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية أيضا.

بعد رفض نتنياهو المذكور، جرت مياه كثيرة في النهر، حيث حاولت إسرائيل عام 2017، فرض بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين على أبواب الحرم، وهو ما أفشلته هبة المقدسيين آنذاك، كما حاولت تحويل باب الرحمة إلى كنيس يهودي، ولكن هبة 2019 أعادت فتح الباب الذي كان مغلقا بقرار قضائي إسرائيلي، مما أدى لإفشال المخطط. عوضا عن ذلك ازدادت اقتحامات المستوطنين من جماعات ما يسمى بـ”جبل الهيكل” إلى الحرم الشريف، عاما بعد عام، وفي ضوئها تمّ التوسّع في الكشف عن سردية اليمين الصهيوني المتطرف تجاه الحرم، والمتضمنة للعناصر التالية:

1- أن ما للمسلمين لا يتعدى المسجد القبلي، الذي هو فقط ما يمثل المسجد الأقصى، بحسب التعريف الإسرائيلي.

2- كل ما تبقى من الحرم بعد ذلك هو مكان مقدس للطرفين، وليس للمسلمين فحسب.

3- أن للشرطة الإسرائيلية أن تنظم حق حرية العبادة للطرفين، وتقسم ساعات الوقت اليومي بما يضمن هذا الحق.

حتى عام 2021 تم التركيز على البندين الأول والثاني في ممارسات الشرطة الإسرائيلية، وتم في إطار ذلك تنظيم اقتحامات المجموعات اليهودية المتطرفة للحرم، ولكن دون السماح لها بالصلاة فيه. ولكن مع 2021 سُمِح بالصلاة الفردية والجماعية الصامتة لليهود، لتنتقل بسرعة إلى السماح بالصلوات العلنية لهم، سيما بعد أن أعلنت حكومة نفتالي بينيت أن حرية العبادة متاحة للطرفين في الحرم، وبعد أن صدرت قرارات قضائية تتيح لليهود حق الصلاة فيه، بزعم أنه مكان يجثم حيثما كان الهيكل قائما. وأخيرا جاء التلويح بذبح القرابين خلال عيد الفصح اليهودي الذي تزامن مع الأسبوع الثالث من شهر رمضان لهذا العام.

الأخطر مما تقدم، أنه تعالت أصوات مجموعات الهيكل المتطرفة بأن الإجراءات أعلاه للتقسيم الزماني، ليست إلا خطوات مرحلية على طريق هدم الحرم وإقامة الهيكل مكانه. ويُذكر هنا أن مشروعهم يقضي بوجود مرحلتين: الأولى يتم فيها فرض التقسيم الزماني وحرية العبادة للطرفين في الحرم كله (مع استثناء داخل الحرم القبلي فقط)، أما المرحلة الثانية فتقضي بهدم الحرم وبناء الهيكل مكانه. لذا لا حديث صهيونيا عن تقسيم مكاني يتلو التقسيم الزماني كما يكتَب فلسطينيا، بل إن الحديث يدور عن الاستحواذ لاحقا على كل المكان، لهدمه ولإعادة بناء الهيكل عليه مع بقاء المسجد القبلي فقط لا غير، كمكان صلاة للمسلمين.

أدت اقتحامات 2021 (مع ترافقها مع محاولات تهويد الشيخ جراح) إلى هبة في كل فلسطين التاريخية، وبين اللاجئين الفلسطينيين، والجاليات الفلسطينية في العالم، وشاركت فيها الجموع العربية والعالمية في دول عربية وعالمية كثيرة. وترافقت مع حرب على غزة . ولكن ما إن هدأت الهبة وتوقفت الحرب، حتى عادت إسرائيل إلى سيرتها الأولى، وزادت الاقتحامات للحرم، ومورست صلوات اليهود فيه جهارا، وفي الأسبوع الثالث من شهر رمضان تم فرض التقسيم الزماني بالقوة، حيث تم إخراج المعتكفين المسلمين صباح يوم الجمعة 15 نيسان الجاري، للسماح في المقابل للمقتحمين المتطرفين اليهود بالدخول والصلاة بحرية. وعلى خلفية ذلك اندلعت أعمال مقاومة وتظاهرات فلسطينية، ولكنها كانت لعدة أسباب يمكن تفصيلها لاحقا، بحجم أقل مما كان عليه الحال عام 2021، لذا تمكن الاحتلال من الاستفراد بمئات المعتكفين في المسجد القبلي، واعتقل 470 منهم في يوم واحد، يوم الجمعة 15 نيسان الجاري، لكي يمنعهم من التشويش على اقتحامات اليهود المتطرفين.

على خلفية كل ذلك يأتي اجتماع عمان الإسرائيلي الأردني المرتقب، ولعل الغياب الأميركي عنه، يعكس تراجعا عما كان في عام 2015 حينما شارك جون كيري وزير الخارجية الأميركي بنفسه في الاجتماع، كوسيط بين الأردن وإسرائيل، وفرض على نتانياهو القبول بحق المسلمين الحصري في الصلاة في الحرم. تتخلى أميركا اليوم عن هذه الوساطة تاركة للطرفين الأردني والإسرائيلي أن يناقشا بنفسيهما، وذلك في ظل تراجع أميركي عن المواقف السابقة حيث باتت أميركا الرسمية أكثر قبولا للرواية الإسرائيلية بأن الحرم الشريف هو مكان مقدس مشترك للمسلمين واليهود في آن معا، وأن المسجد الأقصى محصور بالمسجد القبلي، وأن عليهما أن يجدا الطرق والوسائل لإدارة حرية العبادة داخل الحرم لكليهما بشكل سلمي.

ليس من المتوقع أن تكون اجتماعات عمان يسيرة، ففي هذه الاجتماعات سيطرح الجانب الإسرائيلي تشكيل لجنة أردنية – إسرائيلية مشتركة لإدارة شؤون الحرم، مما يشكل تجاوزا لاتفاقية السلام الأردنية الفلسطينية لعام 1994، والتي تعطي الأردن لوحده حق إدارته. كما ستطرح إسرائيل أن الحرم هو مكان مقدس للطرفين، وأن لها الحق بحكم سيادتها على القدس باعتبارها عاصمتها الموحدة، أن تنظم حق العبادة للطرفين فيه. وعوضا عن ذلك ستعلل إسرائيل الحاجة لتواجد قواتها داخل الأقصى، بعدة أمور منها الحاجة التي تدعيها لحماية أمن اليهود الداخلين للمكان، ومنع رشق الحجارة باتجاه حائط البراق (المبكى)، وللتصدي “للمتطرفين الفلسطينيين” من حماس وغيرها الذين تعتبر إسرائيل أنهم هم من قام بإذكاء الهبة الأخيرة بدون أي سبب، إلا لمعاداة إسرائيل كما تدعي.

في إطار ذلك، سترفض إسرائيل إعادة الوضع القائم لما كان عليه سابقا حينما كانت الأوقاف هي المشرف على الحرم والمنظم للزيارات له، ولهذا سترفض إسرائيل إضافة أعداد أخرى لطاقم حراس الأقصى، وستصر على تلقي أسماء أي حراس جدد سيتم تعيينهم من أجل سجلاتهم الأمنية، قبل الموافقة على تعيين أي منهم.

من جهته، سيقوم الأردن بطرح إعادة الوضع القائم إلى ما كان عليه بأن الحرم هو ملك حصري للمسلمين، ولهم وحدهم حق الصلاة فيه، وتشرف الأوقاف عليه وتنظم زيارته، وسيطرح الأردن أن تخرج الشرطة الإسرائيلية من داخله مقابل زيادة عدد حراس الأوقاف، لحفظ الأمن والنظام، وسترفض الأردن إنشاء لجنة مشتركة إسرائيلية أردنية بشأنه، وأي تدخل إسرائيلي في تعيين حراسه.

لا يمكن معرفة ما الذي سيترتب عن هذين الموقفين المتباعدين. ربما وبأحسن الأحوال صيغة تشبه اتفاق كيري – الملك عبدالله – نتنياهو لعام 2015، تعترف بحق الصلاة الحصري للمسلمين، ولكن مع بقاء الوجود الشرطي الإسرائيلي في الحرم لتنظيم اقتحامات اليهود المتطرفين له، مما سيبقي فتيل التفجر قائما لوقت ليس ببعيد، فمسيرة رقص الأعلام لشهر أيار القادم خلال يوم ما يسمى بـ”يوم توحيد القدس” باتت قريبة، وهي مناسبة لاشتعال الوضع من جديد، وكذلك هنالك الأعياد اليهودية الطويلة الممتدة من شهر آب/ أغسطس وحتى تشرين الأول/ أكتوبر القادم، والتي ستكون مناسبة لإذكاء المزيد من التفجر.

هنالك عوامل تدفع إسرائيل للتراجع عن الصيغة التي رعى جون كيري التوصل إليها عام 2015، مثل الوضع العربي القائم، وهنالك عوامل أخرى قد تدفعها لإعادة تأكيد تلك الصيغة بما فيها وضع الحكومة الإسرائيلية الحالية المهلهل، ومدى ثبات الموقف الفلسطيني، سيما على مستوى الهبة الشعبية والاستمرار فيها. في هذا الإطار يقف الأردن في موقف لا يُحسد عليه بين التشدد في مطلبه للعودة إلى الوضع القائم السابق، بأن تشرف الأوقاف على الحرم؛ إدارة وحق زيارة، وأن تخرج الشرطة الإسرائيلية منه، وبين الاستعداد للنزول عنه باتجاه صيغة كتلك التي رعاها جون كيري عام 2015، والتي تبقي كما رأينا أعلاه، الوضع متفجرا، لأنها لا تعالج جذور المشكلة المتعلقة بالتواجد الشرطي ورعايته لاقتحامات اليهود المتطرفين.

في كل الأحوال، وحده الوجود على الأرض واستمرار الهبات الشعبية الواسعة، هو الضمانة لكبح المخططات الإسرائيلية مهما بلغت خطورتها، ولخلق بيئة ضاغطة يمكن استثمارها سياسيا ودبلوماسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى