#شؤون إسرائيلية

د. هنيدة غانم: صعود أقصى اليمين الإسرائيلي الخلفية والإسقاطات

د. هنيدة غانم 10-11-2022م: صعود أقصى اليمين الإسرائيلي الخلفية والإسقاطات

أظهرت نتائج الانتخابات الإسرائيلية حصول معسكر بنيامين نتنياهو على 64 مقعدا، حيث حصل حزب الليكود على 32 مقعدا، وحصل حزب شاس على 11 مقعدا، وحصل حزب يهدوت هتوراة على 7 مقاعد، فيما حصلت قائمة “الصهيونية الدينية” على 14 مقعدا، وتحولت إلى ثالث أكبر حزب في إسرائيل.

وتتشكّل “الصهيونية الدينية” من تحالف التيار الاستيطاني الحردلي بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وهو أكثر التيارات الاستيطانية تطرفا ويدمج معا ما بين التزمت الديني (الحريدية) والتزمت القومي، وما بين التيار الكهاني الذي يتزعمه إيتمار بن غفير وحزب “نوعم” المتشدد. بالمقابل حصلت المعارضة على 56 مقعدا، علما أن حزب ميرتس الذي يمثل اليسار الصهيوني لم يجتز نسبة الحسم كما اجتاز حزب العمل نسبة الحسم بصعوبة ولم يحصل إلا على 4 مقاعد. ويشكل المحور الذي يجمع تيارات اليمين المختلفة الراديكالية والمتطرفة والمحافظة والدينية الادعاء بأن مشروع الصهيونية المركزي ما زال غير مكتمل وأن إتمامه يتم فقط من خلال استكمال السيطرة على أرض إسرائيل وسحق المسألة الفلسطينية.

تأتي نتائج الانتخابات هذه بعد عقد ونيف من حكم اليمين الجديد بزعامة بنيامين نتنياهو الذي توقف مدة عام في ظل حكومة التغيير، والذي يتميز بنزعته الشعبوية والسلطوية وبالتحريض المثابر على الفلسطينيين والدفع باتجاه تزحيف الضم وترسيخ الفوقية اليهودية، وتحوصل نتائج الانتخابات عملية الانزياح المستمر والمثابر للمجتمع الإسرائيلي باتجاه أقصى اليمين واليمين الشعبوي وتطبيع التطرف.

في هذه المقالة سأحاول تتبع العوامل والسيرورات التي دفعت نحو تصاعد قوة أقصى اليمين المستمرة وتصدره المشهد السياسي، وذلك عبر الحفر في البعد الفكري والسوسيولوجي وتفاعلهما في التقاطعات التاريخية. ويحاجج المقال بأن أقصى اليمين الجديد هو جزء من سيرورة التطور الجدلي للصهيونية وتجاوز لها في ظل التحولات التي شهدتها إسرائيل على امتداد سبعة عقود ونيف، ومن التفاعل المستمر ما بين العامل الذاتي في الصهيونية وبنيتها القيمية والفكرية القائمة على علمنة الثيولوجيا الدينية والعامل الموضوعي المتغير الذي يرتبط بالتغيرات الجيو-استراتيجية والذي أفرزه احتلال 1967 وبالتحولات الفكرية في الصهيونية الدينية وتقاطعها مع التغيرات الديمغرافية في مجتمع المستعمرين التي أدت إلى انهيار هيمنة المؤسسين وصعود قوة الجماعات اليمينية والدينية والاستيطانية وتصدرها المتصاعد لمقود المشروع الصهيوني ودفعه نحو تحقيق المشروع الخلاصي على هدي تصوراتها الدينية.

خلفية صعود أقصى اليمين..العامل الذاتي

يحيل العامل الذاتي إلى الأفكار والقيم والتصورات التي تشكلت على أساسها الصهيونية والتي تم من خلالها صياغة الوعي الجمعي وروح الأمة والهوية القومية، وعلى أساسها وضعت المشاريع السياسية والأيديولوجية لتحقيق فكرتها للدولة القومية. في هذا الإطار شكلت علمنة الدين اليهودي وتحويل القصص التوراتية إلى قصص تاريخية موضوعية محور الأيديولوجيا القومية الصهيونية واستعانت فيها لتبرير مشروعها الاستعماري في فلسطين.

بمجرد انبنائها على علمنة الدين وعلى التحقق عبر أدوات الاستعمار، انطوت الصهيونية في لحظة تشكلها، بحسب أمنون راز كركوتسكين[1]، على بذور أبوكاليبتبية، إذ بتحققها على أرض مسكونة كانت الصهيونية تحمل خراب حاضر فلسطين وسكانها، وبتشكلها على أساطير دينية معلمنة كانت تحمل في طياتها بذور تحولها لأصولية دينية وقومية متمادية.

اعتقد مؤسسو الصهيونية ومنظروها أنه عبر تأسيسها على مبادئ العقلانية الغربية العلمانية ستكون الصهيونية قادرة على ترويض الأساطير التي استقدمتها من الحقل الديني وإخضاعها لحساباتها والتحكم بها، وبحسب أمنون راز- كركوتسكين ظن هؤلاء أنه يمكن للصهيونية أن تستعيد المشهد التوراتي بجزئيته التي تناسبها وأن تتوقف في النقطة التي تريدها، أي أن تحقق “الخلاص” بجزئه السيادي من دون أن تحققه كاملا أي: “أن تعيد بشكل غير مباشر العملية التاريخية- احتلال البلاد (يهوشع)، الاستيطان والترسخ (القضاة) والمملكة (خاصة شاؤول) وأن تتوقف في هذه النقطة”.[2]  لم يكن مشروع بناء الهيكل أو إقامة دولة شريعة يهودية هو هدف الصهيونية المؤسسة، بل إقامة الدولة القومية التي تخيلها هرتسل علمانية غربية حديثة أوروبية، وعلى الرغم من أنه أشار إلى الهيكل الذي يسميه هيكل السلام فإنه لم يتوقف عنده إلا للإشارة إلى أنه سيبنى داخل أسوار المدينة بجانب بقية الأماكن المقدسة.[3] وعلى الرغم من ذلك أدرك عدد من منظري الصهيونية العلمانيين أن الثيولوجيا السياسية الصهيونية تنطوي على شحنة مسيانية خطرة يمكنها أن تحول الصهيونية وتسيطر عليها، وأقلق هذا عدداً من قياداتها. وبحسب المؤرخ موطي جولاني، عبر حاييم وايزمان عن رفضه الحاد لقيام حزب المزراحي الصهيوني-ديني خوفا من أن يصادر ما اعتبره السيادة من الإنسان ويعيدها للرب.[4] أما الفيلسوف المتخصص بالقابلاه اليهودية غرشوم شالوم فكتب في رسالة موجهة إلى فرانز روزنزفايغ عن المخاطر التي تنطوي على علمنة اللغة العبرية “المقدسة”:[5] غالباً ما نتحدث هنا عن أشياء كثيرة قد تفشلنا، ويتم الحديث عن العرب اليوم كثيرا. لكن خطراً آخر أشد خطورة من العرب يتهددنا، خطر لا محالة استجلبته المهمة الصهيونية. ماذا ستكون نتيجة عصرنة العبرية؟ ألن تفتح فوهة الهاوية للغة المقدسة التي غرسناها بين أبنائنا؟ في الواقع، الناس هنا لا يعرفون معنى أفعالهم. يعتقدون أنهم حولوا العبرية إلى لغة علمانية. إنهم نزعوا عنها مركبها الأبوكالبتي. لكن هذه ليست الحقيقة. ويضيف: “ألن تنفجر في يوم من الأيام القوة الدينية المخزونة بها، ضد متحدثيها؟ أي شكل سيكون للجيل الذي ستوجه إليه تعابيرها؟ إننا نعيش في هذه اللغة على فوهة الهاوية، كلنا نمشي بثقة عمياء. ألا يوجد خوف من أن نتدهور نحن أو القادمين بعدنا الى داخلها، حين تتفتح العيون”.

وبحسب الباحث في الصهيونية الدينية تومر برسيكو لم يكن بن غوريون: “يريد جبل الهيكل، وكذلك أيضا بقية القيادات الصهيونية. لقد اعتقد هؤلاء أن المدينة القديمة ليست سوى خراب يحتوي على مخزون طاقة للإشعاع الديني. وأراد بن غوريون التخلص منها بتقسيم المدينة إلى شرق وغرب”. وحين عارض التقسيم التيار التصحيحي في 1937 تحت شعار عدم التنازل عما يعتبره جبل الهيكل اعتبر الأمر كارثياً وكتب مدافعا عن التقسيم: “أورشليم يهودية محررة من الشراكة المقيتة مع الأفنديات والموظفين الإنكليز، منقطعة عن البلدة القديمة التي لا علاج لها إلا بتحويلها إلى متحف ثقافي وروحي وديني لجميع الأديان، ومعفية من الأحياء العربية التي ستحفز مواهبنا الإبداعية الحضارية، وتركز ثروتنا وكياننا”.[6]

من الصعب أن نحكم إن كان موقف بن غوريون نابعاً من حسابات برغماتية أم من مخاوف حقيقية من الشحنة المسيانية الدينية، إذ أن ما كتبه لابنه عاموس من أجل إيضاح موقفه من الموافقة على التقسيم يكشف جانبا مختلفا فيه يعبر عن أن الموافقة هي مناورة للحصول على ما يمكن حتى يتمكن من تحقيق كامل “أرض إسرائيل”، لكن المؤكد أن بن غوريون استخدم خطابا ساخرا من البلدة القديمة ككل واعتبر أن الإصرار على السيطرة عليها يحتوي على إمكانيات كارثية على المشروع الصهيوني. خلال العشرينيات من القرن الماضي ومع تشكل التيار التصحيحي أصبح بناء الهيكل الثالث بمثابة التعبير الملموس عن استعادة التاريخ القومي والسيادة الكاملة على الأرض، ذلك أن السيادة اليهودية على أرض إسرائيل بحسب الموروث اليهودي وكما يشير برسيكو لا تقاس فقط بإقامة “المملكة”/الدولة بل أيضا بإعادة إقامة الهيكل وحكم ملكي من سلالة داوود.

هكذا بدأت الفكرة الصهيونية عن السيادة القومية والدولة اليهودية تكتسب طبقات إضافية مستمدة من تفاسير جديدة لمعنى السيادة والخلاص التي تمحورت حولها، إذ أن “الهيكل” الذي لم يكن محور مشروعها أو على الأقل كان هامشه أصبح جزءاً مركزياً في تنظير التيارات اليمينية التصحيحية، وحولت  شخصيات مثل أبا أحيميئير والشاعر تسفي غرينبرغ الذين شكلوا “حركة البلطجية” موضوع “الهيكل” إلى جزء من ممارستها الطقوسية التي انعكست في نفخ البوق كل سبت بالقرب من الحائط الغربي للحرم، أما أبراهام شطيرن، زعيم التنظيم الإرهابي الليحي، فوضع بناء الهيكل في كراسة “أساسيات النهضة” والتي اعتبرت بمثابة دستور ونشرت في 1941 ، شملت الكراسة 18 نقطة  ضرورية لانبعاث الأمة اليهودية. وجاء في بندها الثامن عشر والذي يختم دستورها: بناء الهيكل الثالث كرمز لعصر الخلاص الكامل”.[7]،[8]

بالمقابل لم يكن موضوع بناء الهيكل جزءا من  خطاب التيار الصهيوني الديني  الذي أقامه الحاخام يعقوب راينس وانضوى تحت مظلة المزراحي وشارك في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل، إذ أن راينس أسس دعمه للصهيونية على مبررات علمانية بحتة، واعتبر الصهيونية أداة لحل المشكلة اليهودية وخلاص اليهود من معاداة السامية والمجازر التي يتعرضون لها خاصة في أوروبا الشرقية، وفصل راينس فصلا مطلقا بين الصهيونية والخلاص الديني، وكان ممن دعموا مقترح إقامة الدولة اليهودية في أوغندا،[9] ولم تكن “أرض إسرائيل” تشكل بالنسبة له هدفا بل مجرد أداة ووسيلة، ولم تحمل الدولة اليهودية فيها أي معنى ديني أو قداسة بل معاني علمانية مجدولة بعقلانية موضوعية.

لم يستمر الفصل الذي أراده راينس بين الخلاص الديني والعلماني كثيرا وسرعان ما تحققت مخاوف شالوم بحذافيرها وبدأ المقدس ينفلت من عقال اللغة المعلمنة ويحوّل الأساطير الى مرجعية سياسية، وبدأت تصعد في التيار الديني أصوات جديدة ترفض الفصل بين المجالين وتدفع إلى إعادة تفسير العلاقة القائمة بينهما، وجاء التحول الفكري الأساس في الصهيونية الدينية مع صعود قوة الحاخام أبراهام يتسحاق هكوك (1865-1935) الذي كان الراف الأشكنازي الأول في فترة الانتداب، ومن أسس يشيفات هراف في القدس في 1924، على خلاف الراف راينس، أعطى الراف كوك المشروع الصهيوني طابعا خلاصيا دينيا واعتبر أن الصهيونية حتى في صيغتها العلمانية هي تعبير وجزء من الخطة الربانية لتحقيق الخلاص المسياني، ورأى في الصهيونية رغم علمانيتها بداية الخلاص (اتحلتا دي غيئولا) واعتبر أن الدولة هي حالة تسام ربانية تتحقق من خلالها الإرادة الإلهية على الأرض، وأضاف أنه في هذه الدولة لا مكان للعلمانية، ذلك أن إقامة العلاقة بين العالم الإلهي والدهري هو أساس وجودها.[10] واستمر في تطوير وتوسيع البعد الديني الخلاصي الابن إسحاق هكوك (1891-1989) الذي تحول إلى الاب الروحي والقائد الملهم للصهيونية الاستيطانية. ترأس الابن كوك مركز يشيفات هراف التي أقامها والده، ودفع من خلال دوره إلى التثقيف والترويج لصهيونية خلاصية دينية يلعب فيها شعب إسرائيل دورا مقدسا في تحقيق إرادة الرب وتسريع مجيئ المسيح، وتحول مركز الراف بعد احتلال 1967 إلى خط الإنتاج المركزي لقيم الصهيونية الاستيطانية التي تمردت على قيادات المفدال وعلى يوسف بورغ الذي كان من أتباع  تيار راينس ويشارك في الائتلافات الحكومية مع حزب مباي بشكل دائم ويصنف كأحد الشركاء الطبيعيين معه قبل أن يستكمل تيار كوك السيطرة على المفدال ويتحول إلى التحالف مع الليكود ويسهم معه بالانقلاب عام 1977.

حتى حرب 1967 كانت الدولة اليهودية التي أقيمت على خرائب الوجود الفلسطيني وتهيمن عليها حركة مباي، تعكس تحقق الصهيونية بصيغتها الغربية- علمانية استعمارية، وكانت القوة السياسية المهيمنة قادرة على إقامة الفكرة القومية وفق دين مدني يوظف الأسطورة الدينية ويتبعها  لمشروعه السياسي، وأسهم في  قدرتها على الهيمنة تبني حزب المفدال (وريث المزراحي) بقيادة يوسف بورغ خط يعقوب راينس السياسي في الفصل بين الخلاص الديني والدولة الصهيونية وتبنيه إثر ذلك خطا سياسيا براغماتيا [11]  يرتكز على الاهتمام بالتشريعات المرتبطة بشهادات الحلال والقيم والتعليم اليهودي، وكانت التيارات الحريدية التي كانت رافضة أصلا وبشكل قطعي للصهيونية قد أقامت علاقتها مع إسرائيل بعد إقامتها على الفصل القاطع ما بين الأخيرة والخلاص الديني ونظمت علاقتها مع الدولة على أساس توافقي إثر رسالة الستاتوس كفو لبن غوريون الذي التزم عبرها إعطاء التيار الحريدي نوعاً من الحكم الذاتي وذلك ليضمن عدم معارضته لإعلان الدولة،  فيما كان التيار القومي اليميني الذي مثلته حيروت حركة معارضة لا تتمتع بقوة تنفيذية.

في هذا السياق كانت مشاريع الهيكل وأرض إسرائيل بمثابة أفكار مؤجلة إما بحكم فصل الخلاص الديني عن العلماني أو بحكم الجغرافيا. لكن التغير الاستراتيجي في الخارطة الجيو- سياسية في أعقاب 1967 والتحولات الاجتماعية  الفكرية في تيار الصهيونية الدينية الذي أدى إلى بروز جيل جديد يتبني تنظيرات الراف كوك بدل راينس، زعزع هيمنة الصهيونية المؤسسة بزعامة مباي وشكل منعطفا حاسما ولحظة تحول بارادايمية  في تطور المشروع الصهيوني وإعادة تديين قيمه القومية المعلمنة حول الخلاص وقداسة أرض إسرائيل، والدفع باتجاه تحويل ما كان هوامش الصهيونية من صهيونية دينية كوكية (نسبة للراب كوك) ويمينية تصحيحية قومية (حيروت/الليكود لاحقا)  إلى مركز الحقل السياسي.

احتلال 1967 كنقطة تحول بارادايمية

 تمخض احتلال الأرض الفلسطينية عام 1967 عن صيرورتين مركزيتين: الأولى صعود القومية اليمينية والثانية إطلاق الشحنة المسيانية الدينية الصهيونية. مع احتلال 1967 تحول مشروع اليمين التنقيحي القومي الأرض إسرائيلي “المؤجل” بحكم الجغرافيا إلى مشروع قابل للتحقق، وانتقلت الصهيونية الدينية نحو إعادة تأصيل الأساطير المعلمنة على أسسها الدينية، وتقاطع الاثنان على أخذ الصهيونية نحو أقصاها كل بحسب تصوراته لنقطة النهاية التي يعتبرها نقطة بلوغ الكمال، وتزامن هذا التحول مع تآكل هيمنة التيار المؤسس الصهيوني لمباي على خلفية التحولات الديمغرافية العميقة وظهور نخب وتحالفات جديدة.

خرجت من رحم الصهيونية الدينية من كلية الراف المتأثرة كما أشرنا بتنظيرات الراف كوك الاب والابن طلائع حركة الاستيطان “غوش إيمونيم” التي تمردت على القيادة التقليدية للمفدال.  خرجت هذه المجموعة وهي مسلحة بكل القيم الصهيونية الدينية المعلمنة عن “الطلائعية” و”الاستيطان” و”خلاص الأرض” و”اليهودي الجديد” لتعيد استكمال المشروع الخلاصي ليس كمشروع سياسي معلمن بل كمشروع سياسي ديني ذي طابع مقدس، وقلبت بذلك الأدوار التي وضعتها الصهيونية الأم من مشروع سياسي يخضع الثيولوجي لتصوراته إلى مشروع ثيولوجي يخضع السياسي لصهيونيته.

جدلت غوش إيمونيم، التي انطلقت غداة حرب أكتوبر 1973، مشروع الاستيطان بمفردات دينية توراتية وجاء في ندائها “أرض إسرائيل تناديكم” الذي نشرته بالصحف مقطع من سفر التثنية “ويكون أنك تأتي إلى الأرض التي أعطاك إياها الرب إلهك نصيبا، وترثها وتسكن فيها”، وأطلقت على مشروعها تسمية توراتية – هتنحلوت- نحلا/ ورثة، وذلك خلافا لمفردة هتيشفوت- التي استخدمت ما قبل 1948 لوصف المستعمرات اليهودية، وهكذا استعاد المستوطنون المفهوم الديني للخلاص من الصهيونية العلمانية التي وظفته وأعادوه إلى أصله الأول على سكة الخلاص الرباني الذين هم أدوات تحققه.

 انعكس هذا التحول في الممارسة الاستيطانية على الأرض وفي بداية تفكك “التحريم” الديني الشامل على دخول باحات المسجد الأقصى الذي بدأ خجلا ثم تحول إلى ممارسة نشطة واسعة تحظى بشرعية مجتمعية كبيرة. بدأ التفكك مع اللحظات الأولى لاحتلال القدس، اذ كان من بين الشخصيات التي رافقت كتيبة المظليين التي احتلت البلدة القديمة داخل أسوار القدس الحاخام العسكري للجيش شلومو غورن الذي تردد وتخبط بحسب عدة شهادات بكيفية التصرف تجاه الحرم الشريف الذي يشكل بحسب الموروث الديني اليهودي مكان جبل الهيكل. بحسب عوزي بنزيمان الصحافي الإسرائيلي مرّ الحاخام غورن بتخبطات شديدة مع دخوله أسوار البلدة القديمة حول سؤال بناء الهيكل وسؤال السماح لليهود بدخول باحات الأقصى وحتى سؤال تفجير المسجد في باحاته.[12] ونقل نداف شرغاي في كتابه “جبل المنازعة” شهادات عن أن الحاخام فكر جديا بإمكانية تفجير المسجد وشارك أفكاره مع قيادات الجيش حول ذلك.[13]

لم يكن بناء الهيكل جزءاً من مشروع غوش إيمونيم في انطلاقتها الأولى، لكنه بلا شك كان نقطة النهاية التي تتطلع إليها حين تصبح الظروف مناسبة لتحقق الإرادة الربانية، كان دخول باحات الأقصى حينها محكوماً بالتحريم الديني الصارم وبالفتاوى الدينية لكبار حكمائها وحكماء التيار الحريدي. غير أن هذا الأمر سيبدأ تدريجيا بالتحول. بالمقابل لم تتأخر مبادرات بناء الهيكل التي دفعتها  شخصيات من التيارات القومية اليمينية العلمانية، وكانت أولى هذه الحركات حركة أمناء جبل الهيكل التي أسسها غرشون سلومون  ودعمت من نشطاء من قدامى الليحي والإيتسل ممن أضفوا على يناء الهيكل طابعا علمانياً سيادياً، وفي منتصف الثمانينيات ظهرت أول حركة دينية يتزعمها راف من الصهيونية الدينية (معهد الهيكل)،[14] كانت الحركات هذه ببدايتها هامشية وصغيرة ولم تحظ بدعم شعبي، واعتبرت الحاخامية الرسمية والتيارات الدينية المركزية دخول باحات الأقصى بمثابة خطيئة بسبب التحريم الديني على اليهود بناء على اعتقادات مرتبطة بالطهارة والنجاسة واشتراط دخولهم بالتطهر ببودرة بقرة حمراء ممزوجة بالماء، بمعنى آخر التحريم لا يرتبط بسؤال الاعتقاد بالحق اليهودي المطلق على الحرم بل باشتراط الدخول بالتطهر. لكن هذا التحريم الذي بدأ شبه شامل أصبح يتفكك تدريجيا، وفي بدايات العام 1996 أصدرت لجنة حاخامات ييشع (يهودا والسامرة) الاستيطانية رسالة/منشورا رسميا تضمن فتوى تسمح بالدخول إلى الحرم الشريف وفيه دعت الجمهور لـ”الصعود إلى جبل الهيكل” وإرشادات دينية عن كيفية التحضر لذلك. وانهار جزئيا اتفاق التفاهمات المرتبطة بالستاتوس كفو التي وضعتها حكومة أشكول في 1996 مع قيام حكومة نتنياهو الأولى بافتتاح النفق وانهار  بشكل كامل مع اقتحام أريئيل شارون زعيم الليكود في 2000  للحرم الذي أغلق بعد ذلك وفي ظل الانتفاضة التي تفجرت إثر زيارة شارون لمدة ثلاثة أعوام أمام اليهود وتم إعادة السماح لهم بالدخول في 2003 وبعدها تصاعدت بشكل كبير زيارات أمناء الهيكل وتحول الحرم إلى ساحة الصراع الرمزية التي ينز داخلها كل الموروث القومي والديني والقيامي، وجرت عدة تجارب للمس بالحرم الشريف ومن ضمنها مساعي لتفجير قبة الصخرة في 1984 من قبل مجموعة إرهابية سرية من المستوطنين المتدينين الذين خرجوا من قلب الصهيونية الدينية التي مرت عملية ردكلة عميقة في أعقاب احتلال 1967 وتحولت من تيار “وسطي” سياسيا إلى رأس حربة اليمين الاستيطاني.

في أعقاب ذلك تحول موضوع الخوف والتحريم إلى موضوع يحظى بدعم متصاعد من قبل المتدينين الصهاينة. وفي استطلاع أجري في 2014 بين جمهور المتدينين الصهيوني أجاب 75.4% أنهم يدعمون دخول اليهود إلى باحات الحرم وفقط 24% أعلنوا معارضتهم وأجاب 19.6% أنهم قد دخلوا الحرم وأشار 35.7% إلى أنهم لم يقوموا بذلك لكنهم ينوون ذلك[15].

التحولات الاستراتيجية التي نجمت عن احتلال الأراضي الفلسطينية المتبقية وصعود الصهيونية الدينية- الاستيطانية، تقاطعت مع الأيديولوجيا اليمينية العلمانية لليمين الليبرالي، ومكان الشراكة بين المفدال وحزب العمل التي استمرت اكثر من عقدين ونيف ومع صعود قوة التيار الاستيطاني في المفدال، انبنت شراكة جديدة بين المفدال الذي سيطرت عليه التيارات الشابة واستبدلت تلك التقليدية وحزب الليكود الذي بنى بدوره تحالفا سياسيا مع الشرقيين وأسهم ذلك في الإطاحة بحزب العمل في 1977 وصعود الليكود وتحول اليمين إلى صدارة المشهد السياسي.

جاء تحالف الشرقيين مع الليكود على خلفية الاستياء من سياسات مباي تجاههم واعتبر عدد من الباحثين تصويت الشرقيين لليكود الذي أدى إلى انقلاب 1977 بمثابة تصويت احتجاجي، ولا يعكس تبنيهم للفكر اليميني التنقيحي، لكن بغض النظر عن الأسباب تحول هذا الحلف إلى جزء من سياسات الهوية الذي يستخدمه اليمين لاستقطاب الشرقيين. وتظهر إحصائيات أعداد المنتسبين الشرقيين لليكود أن هذا الانتساب تصاعد خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث ارتفع عدد أعضاء مركز الليكود خلال عقد من 66 إلى 600 في عام 1977 وبحسب أسماء العائلات كان ما يقارب 40% من الأعضاء شرقيين مقارنة بـ20% في العام 1966.[16] تحالف الليكود مع الشرقيين والانقلاب السياسي الذي أعقبه، أدى إلى صعود قوة الجماعات التي كانت ثانوية وهامشية ومن دون أثر قوي على المسار السياسي وأصبحت بمثابة النخبة السياسية الجديدة التي تصارع من أجل فرض رؤيتها لتحقق الصهيونية.  انتظم الحقل السياسي تدريجيا بين معسكرين أساسيين: الأول، يضم تيارات اليمين القومي والديني الاستيطاني الذي يتمحور حول أرض إسرائيل ويريد تشكيل هوية شعب يهودي فيها مقابل المنافي، والتيار المؤسس الذي أراد تشكيل هوية إسرائيل وشعب إسرائيل وفق مفاهيم قومية أوروبية علمانية تخضع الديني لها وتوظفه بشكل نفعي براغماتي.

استمرت الصراعات بين هذه التيارات حتى بداية التسعينيات، وما بين 1984-1990 تشارك حزب العمل والليكود في حكومات وحدة وطنية وتم تقاسم الأدوار بين الحزبين. طالما لم يكن مصير أرض إسرائيل على المحك وطالما كان الاستيطان على قدم وساق استمرت حكومات الوحدة بالعمل، لكن الانتفاضة التي انطلقت في 1987 حولت موضوع التسوية لموضوع ذي صلة وغير قابل للتجاهل، وعقد مؤتمر مدريد في أعقاب حرب الخليج الأولى والضغط الدولي دفع أيضا إلى تعميق النزاع السياسي على مستقبل “أرض إسرائيل” بين الجناح الليكودي والاستيطاني من جهة والجناح العمالي الصهيوني- البراغماتي الذي ضم الجيل الثاني للمؤسسين، وتقاطع هذا الصراع مع التغيرات الديمغرافية العميقة ودفعت معا نحو مزيد من الانزياح باتجاه اليمين وأقصى اليمين.

الصراع حول الانسحاب من “أرض إسرائيل” ومحطات صعود أقصى اليمين

تظهر متابعة السلوك السياسي في هذا السياق أن محطات التسوية أو الانسحاب المرتبطة بالأرض المحتلة دفعت نحو تصليب قوة اليمين.

ويمكن الإشارة إلى ثلاث مراحل أساسية أدت بالذات إلى بروز أقصى اليمين الجديد.

 المرحلة الأولى: مرحلة أوسلو- التسوية والتي استمرت حتى  فشل مفاوضات كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الثانية، فيها تعمق الصراع حول كيفية مواجهة مشاريع التسوية والانسحاب المترتبة على أوسلو بين اليمين العقائدي والبراغماتي، والتي وصلت ذروتها باغتيال إسحق رابين وانتهت بإعلان حكومة ايهود باراك بأنه لا يوجد شريك فلسطيني ما شكل لحظة اعتراف أن لا طريق سوى طريق اليمين.

المرحلة الثانية: هي مرحلة انشقاق اليمين في إثر خطة الانفصال في 2005 ما بين يمين براغماتي يخضع الأيديولوجي للأمني وينظم الاستيطان وفق متطلبات أمنية ونفعية وليس فقط عقائدية ويمثله حزب كديما وأقصى يمين عقائدي يتمترس في الأيديولوجي ويرفض أي مساومة وانسحاب من أرض مسيطر عليها ويمثله متمردو الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو واليمين الاستيطاني الديني.

المرحلة الثالثة: هي مرحلة نجاح أقصى اليمين في الوصول إلى سدة الحكم في 2009 وفيها بدأت عملية منظمة لوضع الأساس لحسم الصراع على أساس ضم ما يمكن ضمه من أرض إسرائيل وترسيخ الفوقية القومية اليهودية.

تتميز المرحلة الثالثة بتحول الليكود إلى حزب شعبوي وبتطور طقوس الولاء والطاعة حول بنيامين نتنياهو واعتباره زعيما استثنائيا والدفاع عنه وعن كل ما يصدر عنه بغض النظر عن الحقائق، كما ينعكس في صعود قوة الصهيونية الدينية الاستيطانية وتحولها نحو مزيد من التطرف بعد هيمنة تيار الحردلية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، هذا التيار يدمج بين التزمت الحريدي الديني والتطرف القومي الاستيطاني، وبتحول الحريدية التي كانت إجمالا خارج المشروع الصهيوني إلى تيار يميني – قومي ، وبعودة الكهانية إلى قلب المشهد السياسي من خلال حزب “عوتسما يهوديت” بزعامة إيتمار بن غفير بعد أن كان تم إقصاؤها إلى خارج حدود القانون إثر مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، ويتوازى هذا الصعود مع ظهور عشرات الجمعيات اليمينية والاستيطانية الجديدة التي تعمل على وضع السياسات ومتابعة تطبيقها وصياغة مشاريع القوانين التي ترسخ الفوقية اليهودية وتقوم بمراقبة النخب الأكاديمية والثقافية ونشر التقارير عنها وملاحقتها في الحيز العام، وتصيد جمعيات حقوق الإنسان ونشطائها ومحاصرتها والتحريض عليها ونزع شرعيتها عبر اتهامها بالخيانة ومساعدة العدو، وانتشار الأنوية التوراتية  في قلب المدن الساحلية بهدف تهويدها.

وتتميز عملية صعود أقصى اليمين بتياراته وتنويعاته المختلفة بسيرورتين أساسيتين مترابطتين هما: أولا، تطبيع التطرف والفاشية، وثانيا، يمننة (من يمين) المجتمع الإسرائيلي، ويحوصل في هذ الإطار تبييض بن غفير وخطابه وسلوكه عملية تطبيع التطرف، فيما يعكس التوافق الإسرائيلي حول المشاريع الاستيطانية عملية يمننة المجتمع والحقل السياسي. فقد اشتهر بن غفير في صباه عشية اغتيال إسحق رابين من خلال مقطع فيديو[17] يظهر فيه وهو يستعرض إشارة سيارة الفولفو الخاصة برابين ووعيده عبر الشاشات: “كما وصلنا لسيارته سنصل إليه”، مضيفا: “حين يقوم رئيس الوزراء بعمل أشياء خطيرة كهذه – القصد توقيع اتفاقيات أوسلو- بالتأكيد يمكن أن تمارس ضده أشياء خطيرة”. في الفترة التي أعقبت اغتيال رابين في 4 تشرين الثاني 1995 كان بن غفير يعتبر في الخطاب العام جزءا مما اصطلح عليه إسرائيليا “الأعشاب الضارة”، أي تلك العناصر المتطرفة التي نمت على هوامش الدولة والمجتمع والتي يمثل سلوكها انحرافا عن الإجماع والقيم المقبولة ويجب بالتالي التعامل معها على أساس ضررها. ظل بن غفير الذي يعلق في صالون بيته صور باروخ غولدشتاين وكهانا وصورة الهيكل الذي يريد بناءه على خرائب المسجد الأقصى يمثل الولد العاق في الحقل السياسي، وتم التعامل معه كحد مجازي يفصل بين المسموح والمعقول وبين المرفوض والمدان. في شباط 2021 وبعد ضغط شديد من نتنياهو تم الإعلان عن إقامة تحالف “الصهيونية الدينية” الذي جمع معا حزب “عوتسما يهوديت” بزعامة بن غفير و”البيت اليهودي” بزعامة بتسلئيل سموتريتش وحزب “نوعم”، وفي نيسان 2021 أصبح بن غفير عضوا في الكنيست الإسرائيلي. ومن صبي مدان وجزء من الأعشاب الضارة تحول بن غفير إلى نجم إعلامي وضيف دائم تتسابق المحطات الإسرائيلية على استضافته، وبحسب التقارير فقد حظي بن غفير بثلاثة أضعاف وقت بث أكثر من أعضاء الكنيست العرب مجتمعين،[18] والأهم أن هذا التحول لم يرافقه تحول في الخطاب أو السلوك لبن غفير، على العكس فقد جاء محملا بثلاث وخمسين لائحة اتهام، وبثماني إدانات بقضايا جنائية وأعمال شغب وإخلال بالنظام والتحريض على العنصرية ودعم منظمات إرهابية، ناهيك عن التقارير الإعلامية التي نشرت عنه واتهمته بدعم مجموعات إرهابية من جماعات تدفيع الثمن.[19] فيما أصبحت مشاهد عربدته وهو يلوح بالسلاح في وجه الفلسطينيين،[20] جزءا من المشاهد “الاعتيادية” المميزة له التي تذكرها نشرات الأخبار بدون أن تكون لها تبعات، وبتجاهل أغلب السياسيين.

“خطة الحسم” على هدي يهوشع بن نون:

يعكس فوز تحالف “الصهيونية الدينية” (بن غفير – سموتريتش) بـ14 مقعدا صيرورة تديين الصهيونية وانفلات شحنتها المسيانية من عقالها، ويحوصل صيرورة نمو بذور التطرف التي حملتها الصهيونية الأم برحمها عبر انبنائها على علمنة الدين  في ظل تحولات السياق الذي تنشط فيه، حيث ظلت الأساطير الدينية والتوراتية على حالها وتغير الشرط السوسيولوجي والتاريخي وأصبحت نقطة النهاية التي تضعها الصهيونية الدينية متداخلة مع السيرورة الربانية الخلاصية وتمازجت فكرة الشعب المختار بفكرة الأمة القومية وبالفوقية اليهودية.

وفسر الحاخام إليعازر كشتيئيل لتلامذة المدرسة الدينية التحضيرية للجيش في مستوطنة “عيلي” أهداف محاربتهم للفلسطينيين بأنها جزء من خطة الخلاص الرباني: “نحن نحارب لأننا نريد بناء الهيكل. هذا هدفنا (…) نحن نحارب لأننا نريد إعادة الحضرة الإلهية (لشخينا) إلى صهيون. نريد أن تظهر التوراة بكاملها. نحن لا نريد فقط أن يكون هدوء على الحدود الجنوبية. نحن نريد أن يتبخر الشرّ كله كدخان ويخبو، كي يملك الرب أن تتحقق ملكوت السماء بالأرض”.[21]

من المهم التوضيح أن الخلاص لا يرتبط بالفلسطيني ولا بممارسته لأن الخلاص وتحقيقه هو فرض إلهي، كما يوضح الراف كشتيئيل: الحرب للاحتلال هي واجبنا حتى في وقت السلم.. حتى لو لم يطلقوا علينا رصاصة واحدة. حتى لو أن أبناء قطاع غزة من غير الإسرائيليين كانوا يقدمون لنا كل الوقت الورد، مع رسائل حب ورسومات قلوب، كان علينا أن نبدأ الحرب يوم السبت لاحتلال كل الأرض. إذا كانوا على استعداد لإعادة الأرض لنا. ليتفضلوا. ولكن إذا لا- فيجب أن نحتل.[22]

وتعكس خطة بتسلئيل سموتريتش، زعيم “الصهيونية الدينية” – الحردلية- التي تحمل عنوان “خطة الحسم” المنظومة القيمية الموجهة للصهيونية الدينية التي تضفر السياسة بالأسطورة. سك سموتريتش خطته من سياسات يهوشع بن نون تجاه سكان البلاد بعد أن احتل البلاد ومن الخيارات التي وضعها أمامهم.

 تنطلق خطة سموتريتش من الاعتقاد بأنه لا يوجد بين النهر والبحر مكان إلا لدولة واحدة هي “دولة إسرائيل التي تستند شرعيتها على الحق الإلهي وعلى اتفاق شعوب العالم في لحظة تاريخية نادرة للمساعدة من أجل تحقيق الرؤيا وإعادة البلاد لشعب إسرائيل”. وتضع أمام الفلسطينيين ثلاثة خيارات: أن يتركوا البلاد، أن يعيشوا في البلاد كرعايا (‘גר תושב[23]‘) ويكونون بحسب الشرائع اليهودية- بطبيعة الحال- أقل مكانة من اليهود، أو أن يقاوموا وحينها سيعرف الجيش ماذا عليه أن يفعل. وحين سئل سموتريتش ان كان يعي أن ذلك يعني قتل عائلات وأطفال ونساء أجاب أنه بالحرب نتصرف كما بالحرب. وبحسب سموتريتش بعد أن وصل حل الدولتين إلى طريق مسدود  يتعين على المجتمع الإسرائيلي أن يستعد لـ “حسم الصراع” اذ من المستحيل أن تتسّع “أرض إسرائيل” لحركتين وطنيتين/قوميتين متناقضتين لا يُمكنهما العيش معاً تحت أي ظرف أو شكل من أشكال الحلول المطروحة. يقول سموتريتش إن المنطقة الواقعة غرب الأردن، تتسع فقط لقومية واحدة وهي اليهودية، وبموجب ذلك، لا يُمكن أن تقوم أي قومية عربية، وإن ذلك سيعزّز الإرهاب فقط، وعليه يجب فرض “السيادة الإسرائيلية” الكاملة على “يهودا والسامرة” وإقامة مستوطنات وتجمّعات جديدة واستجلاب مئات الآلاف من اليهود للعيش فيها، وبذلك؛ تُثبت إسرائيل، وبشكل عملي، للعرب والعالم أجمع، أن دولة إسرائيل وجدت هنا لتبقى فقط، وأن إقامة دولة عربية أو فلسطينية هو أمر مستحيل وأشبه بالحلم. واستناداً إلى هذه النقطة؛ سيكون أمام العرب المتواجدين في “أرض إسرائيل” خياران: الأول؛ أولئك الذي يتقبّلون فكرة “دولة إسرائيل في أرض إسرائيل الكاملة” ويتنازلون عن طموحاتهم القومية، سيكون بإمكانهم العيش في دولة إسرائيل اليهودية، الثاني؛ من لا يُبدي استعداده لقبول الشرط الأول، سيحصل على مساعدة من اليهود للهجرة لإحدى الدول العربية الكثيرة، وفيها يستطيع تحقيق طموحاته القومية، أو لأي مكان آخر في العالم. ومن لا يقبل بهذين الخيارين، ويختار المواجهة مع الجيش واليهود، سيتطلّب من اليهود والجيش القضاء عليه بطرق وشروط لم يتم طرحها واختيارها مسبقاً.[24]

جاءت خطة سموتريتش هذه بناء على ما ألمح إليه لاحقا مبنية على هدي يهوشع بن نون وتعامله مع السكان المحليين بعد أن عبر نهر الأردن واحتل أرض كنعان تنفيذاً للإرادة الإلهية وتحقيقاً للوعد، وبحسب الأسطورة أرسل يهوشع بن نون لسكان البلاد ثلاث رسائل فيها ثلاثة خيارات أوضحها موسى بن ميمون (الرمبام): إذا لم يهرب سكان البلاد يجب أن تفرض عليهم قيود، أن يكونوا مهانين ومحتقرين وأن لا يرفعوا رأسا في إسرائيل. وإن عارضوا ذلك “لا نترك منهم نفسا”.[25]

ليس بالضرورة أن تحقق الصهيونية الدينية مشروعها بضربة واحدة، ناهيك عن أن ذلك مرتبط بالدينامية الداخلية والدولة العميقة والمقاومة الفلسطينية والعلاقات الدولية، ولكن هذه هي وجهتها ورؤيتها الفكرية التي تدفع نحو تحققها.

 من المهم أن نشير الى أن التغيرات الديمغرافية في إسرائيل تشي بأن صعود قوة الصهيونية الدينية والتيارات الحردلية والمتزمتة والحريدية ليس حدثا عابرا. كان العلمانيون الأشكناز في العام 1948 يشكلون الغالبية العظمى من الإسرائيليين لكنهم اليوم أصبحوا 40% وأقل من اليهود الإسرائيليين، أما الحريديون والمتدينون الذين كانوا أقلية هامشية فقد أصبحوا قوة عددية ضخمة حيث وصل تعداد الحريديين في 2021 إلى حوالي 1.226.000 مقابل 750.000 في 2009 وارتفعت نسبتهم من 10 بالمئة في 2009 إلى 13 بالمئة في2021[26] فيما تجاوز عدد المستوطنين 720 ألف مستوطن.  

من المتوقع أن تستمر نزعة صعود أقصى اليمين في ظل زيادة سيرورة التديين التي تغذيها التحولات الديمغرافية ويساهم في دفعها أيضا ما كشفته السنوات الأخيرة عن تصاعد انجذاب الجماعات الحريدية إلى أقصى اليمين الديني بما فيه الكهانية التي يتزعمها حزب “عوتسما يهوديت” بزعامة بن غفير.[27]

الهوامش : 

[1]  أمنون راز كركوتسكين، 2022، وعي المشناة، وعي المكرا، https://www.e-vrit.co.il/product.aspx?pid=26147&

[2]  أمنون راز – كركوتسكين، م. س

[3]جاء في رواية هرتسل “ألتنويلاند”: لقد أصبحت أورشليم كيانا ضخما ينبض حيوية. إن المدينة القديمة بين الأسوار والتي يظللها وقار الشيخوخة، لم تتغير كثيرا، كما استطاعا أن يتبينا من أعالي الجبل. فمن هنا بدت لأنظارهما كنيسة القبر المقدس، ومسجد عمر، وسائر القباب والأسطح التي كانت تقوم هنا في السابق، وقد أضيف اليها عدد من المباني الفخمة. فذاك البيت الواسع الفخم مثلا هو “هيكل السلام: وقد خيم الأمن على البلدة القديمة وسادتها الطمأنينة”، بنيامين زئيف هرتسل، 1968 [1902] أرض قديمة جديدة (ألتنويلاند، ص177)، ترجمة مئير حداد: تل أبيب.

[4] موطي غولاني.2014. “متى انتصرت المسيانية على الصهيونية”، هآرتس, June 27, 2014, https://www.haaretz.co.il/israelpeaceconvention/2014-06-27/ty-article/0000017f-e786-dea7-adff-f7ff801b0000.  

[5] فرانز روزنسفايغ .1989. إعلان الولاء للغتنا، تل أبيب: عام عوفيد، ص 59-60

[6] تومر برسيكو، 2022.”جبل الهيكل هو النقطة الأخيرة للصهيونية”، هآرتس  22.6.2022: shorturl.at/bwEGV

[7] أبراهام شطيرن (بدون تاريخ) مبادئ النهضة https://benyehuda.org/read/197.

[8] ، تومر برسيكو. 2022. “لماذا لا يمكن للصهيونية الدينية من دون ولا مع جبل الهيكل”، مدونة تومر برسيكو https://tomerpersico.com/tag/%D7%90%D7%91%D7%90-%D7%90%D7%97%D7%99%D7%9E%D7%90%D7%99%D7%A8:” accessed September 20, 2022,

[9] عميت ناؤور، 2020. حين دعم الراف راينس خطة أوغندا، بلوغ المكتبة الوطنية الإسرائيلية، ית, February 1, 2020, https://blog.nli.org.il/chov-reines-uganda/. (

[10]  تومر برسيكو، 2022. “صعود وسقوط غوش إيمونيم، أو سقوط المحاولة اليهودية الأخيرة لمعارضة عملية العلمنة, accessed October 20, 2022, https://tomerpersico.com/2017/06/23/gush_secularized/.

[11] مهند مصطفى (يصدر قريبا)، الصهيونية الدينية وتحولاتها، في هنيدة غانم (محررة)، أقصى اليمين الجديد. المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، مدار.

[12]  أمنون رامون.1997.  موقف دولة إسرائيل والجمهور اليهودي على تياراته من جبل الهيكل (1997-1996) ص. 4 معهد القدس لبحث الصهيونية.

[13] نداف شرغاي.1995.  جبل المنازعة/، إصدار كيتر. ص29-30.)

[14]أمنون رامون. م.س

[15] تومر برسيكو، م.س.

[16] أوري كوهين ونيسيم ليئون، 2011. مركز حركة حيروت والشرقيون، من شراكة السيد إلى شراكة 1965-1977 المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ص.149

 ص. 173.

[17]ايتمار بن غفير في مقابلة بعد سرقة شارة سيارة رابين: https://www.youtube.com/watch?v=JQ0sXLyOQeg

[18] أورن برسيكو، 2022، “الإعلام أقصى أعضاء الكنيست العرب”، العين السابعة  27.10.2022 (https://www.the7eye.org.il/468685?fbclid=IwAR2d3WuP0Y5n-PbvEyIA8ifpsMdXw8QM8Z2uieEyaJ9lUlvtC0AyXHpQtI8 )

[19] أنظر/ي برنامج الاستقصاء عوفدا/ حقيقة، تقديم إيلانا ديان، 27.5.2022: https://m.facebook.com/watch/?v=1384157495419840&paipv=0&eav=AfYI12m1e6hnrNlC_20c3x5FaldR9I0f0EXQMWwhvlkDOo9Rgh08aMhe-AUTxG7s3WA&_rdr

[20] https://www.youtube.com/watch?v=gOkIm8trIz0

[21] يائير نهوراي. 2022. الثورة الثالثة. إصدار شخصي للكاتب.  52

[22] في نهوراي ص. 87

[23]تعريف مستقى من الموروث الديني لغير اليهودي (غوي) الذي يقبل بمجموعة من القوانين والعقائد اليهودية دون أن يكون يهودياً.

[24] بتسلئيل سموتريتش، خطة الحسم: مفتاح السلام يكمن لدى اليمين الإسرائيلي، هاشيلواح، no. 6 (2017), https://bit.ly/3wLmpFJ.

[25] تومر برسيكو، 2015، خطة سموتريتش للحسم: الصهيونية الدينية والأصولية. 15.5.2015:  https://tomerpersico.com/2017/05/15/smut_fund/

[26]  المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2021. كتاب الإحصاء الخاص بالمجتمع الحريدي https://www.idi.org.il/articles/37864

[27] https://www.ynet.co.il/news/article/skuhephf9

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى