د. نهى خلف تكتب - في البحث عن حقيقة استراتيجية روسيا الكبرى ولماذا تثير غضب وجنون الولايات المتحدة؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. نهى خلف تكتب – في البحث عن حقيقة استراتيجية روسيا الكبرى ولماذا تثير غضب وجنون الولايات المتحدة؟

0 181

بقلم د. نهى خلف  *- 18/3/2021

في الوقت الذي بدأت فيه ادارة بايدن بعرض عضلاتها عبر العالم، وخلق توترات مع من تعتبرهم خصومها الكبار،  أي  روسيا والصين، عبر اتهام بايدن لبوتين بالمجرم من جهة وعبر ارسال وزير خارجيته في جولة أسيوية لاستفزاز الصين، نرى من الضرورة القيام بابحاث اكادمية معمقة للاستراتيجيات السياسية لخصوم الولايات المتحدة في محاولة تفادي الوقوع في فخ الاشاعات المنصوبة من قبل الادارات الامريكية حول سياسات هذه القوى، واهدافها الحقيقية من اجل تبرير عدوانيتها تجاهها.

في هذه السلسلة من الدراسات سنقوم بالقاء الضوء على بعض التحاليل الأكادمية التي تتناول مفهوم الاستراتيجيات الكبرى بجدية اكثر مما هو متداول، أكان ذلك من قبل مؤيدي أو معارضي استراتيجية دولة ما، مما يختلف عما يردد في المقالات والمجلات السياسية الشائعة، من اكاذيب أو تحليلات خاطئة او منقوصة حيث سنعالج  هذه الدراسة بشكل خاص بعض التساؤلات حول استراتيجية روسيا الكبرى عبر التطرق إلى بعض النظريات والتكهنات الشائعة حول حقيقة هذه الاستراتيجية.

وسنستند  في هذه الورقة  على بعض ما جاء في ابحاث لمفكرين عسكريين واستراتيجيين متخصصين في الفكر الاستراتيجي الروسي، عبر محاولاتهم النقدية لفكفكة وتحطيم بعض الاساطير الشائعة حول روسيا، ويمكن الذكر على سبيل المثال الاتهام الجديد الموجه إلى روسيا من قبل الولايات المتحدة بالتدخل بالانتخابات الامريكية وبمحاولاتها لتطوير اسلحة جديدة فتاكة، هذا بالاضافة إلى الضجة المثارة مرة اخرى حول حقوق الانسان ومصير المعارض الكساندر نفالني، والتهديد الامريكي بفرض عقوبات على روسيا.

ويدور التساؤل الاول حول طبيعة الأيديولوجيا أي الايديولوجية التي تسير الاستراتيجية السوفيتية الكبرى، حيث اشار احد الباحثين الاستراتيجيين الغربيين: “ان أحدى المفاهيم الخاطئة الشائعة هو أن قادة روسيا – وبوتين على وجه الخصوص – مدفوعون بدوافع أيديولوجية في سعيهم لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى لروسيا. وان هذه الايديولوجية محافظة وغير ليبرالية عامة. ويدعم هذا الرأي ما اشار اليه بوتين نفسه، عندما قال لصحيفة “فاينانشيال تايمز” في عام  2019 “ان الفكرة الليبرالية تفترض مسبقًا أنه لا يلزم فعل شيء”، مضيفا ان هذه الفكرة الليبرالية “قدعفا عليها الزمن”. ويبرهن بعض الاستراتيجيين هذه النزعة الإيديولوجية المحافظة عبر الادعاء ان هناك علاقات بين روسيا والحركات السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا. ولكن  بينما يرى الباحثون ان في حين وجود تلك العقائد فهي قد تؤثر على الحكم المحلي لبوتين، ولكنها لا تلعب دورا في رؤيته الاستراتيجية العالمية لدور روسيا.

ويرى آخرون أن نظرة روسيا الاستراتيجية للعالم متأثرة بشدة بـ”الأيديولوجية الأوراسية” التي تجد جذورها في الفلسفة السياسية الروسية التابعة للقرن التاسع عشر والتي تمنح الأمة الروسية مصيرًا ملهمًا – أو حتى إلهيا – لتوحيد الشعوب الروسية وغير الروسية التي تشترك في ثقافات مشتركة عبر أراضي الإمبراطورية الروسية السابقة. كما ان الاشارة في السنوات الأخيرة الى المفكر السياسي الروسي ألكسندر دوجين كمنظر للايديولوجية الأوراسية، والذي تم وصفه من قبل البعض على أنه “عقل بوتين”، هي في رأي المفكرين الاستراتيجيين العقلانيين فكرة غير صحيحة لأنه ليس هناك أدلة كافية تشير إلى أن دوجين له تأثير أيديولوجي مباشر على بوتين، رغم  ان سياسات أو تصريحات بوتين تعكس افكاره الأورآسيوية والتي تعتبر احدى خيوط الفكر القومي الروسي.

ويرى المحللون ان الاستراتيجية الروسية الكبرى تجد جذورها في فكر واقعي مبني على موقع روسيا الجيوسياسي وعن إحساس عميق ودائم بانعدام الأمن الجيوسياسي الذي شكّل علاقتها بالعالم الخارجي  منذ قرون. بسبب موقعها الجغرافي الذي كان يصعب الدفاع عنها من الغزو الخارجي، بناء على القرب الشديد من القوى العظمى الأخرى مما يجعل ما يمكن ان يظهر كميول توسعية لروسيا هو فقط رد فعل لهذا للشعور بانعدام الأمن. والشعور بالضعف واستباق الهجمات من قبل قوى عظمى أخرى، حتى اصبحت الثقافة الاستراتيجية الروسية تعبر في بعض الاحيان عن “عقلية الحصن المحاصر” والتي يرى البعض ان  بوتين قد عبر عن هذه العقلية في خطابه في مارس 2014 الذي أعلن فيه ضم شبه جزيرة القرم قائلا: “لدينا كل الأسباب التي تجعلنا نفترض أن سياسة الاحتواء الشائنة، التي تمت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، لا تزال مستمرة حتى اليوم. إنهم يحاولون باستمرار حشرنا في الزاوية لأننا نمتلك منصبًا مستقلًا، ولأننا نحافظ عليه ولأننا نسمي الأشياء كما هي ولا ننخرط في النفاق. لكن هناك حدود لكل شيء. ومع أوكرانيا، تجاوز شركاؤنا الغربيون الخط”.

ويرى المفكرون الاستراتيجيون ان هناك خرافة ثانية شائعة وهي ان  روسيا تسعى إلى إعادة بناء الاتحاد السوفيتي أو الإمبراطورية الروسية. وقد شاعت هذه الاسطورة  خاصة في أعقاب الحملات العسكرية الروسية في جورجيا في عام 2008 وأوكرانيا منذ عام 2014، والتي أسفرت عن ضم شبه جزيرة القرم، مما أدى الغرب الى الادعاء بأن روسيا تسعى إلى إعادة بناء إمبراطورية على أراضي الاتحاد السوفيتي السابقة أو الإمبراطورية الروسية التاريخية، ولكن يرى المحللون ان روسيا تفضل بدلاً من استعادة الحكم الإمبراطوري التقليدي، ان تعمل في القرن الحادي والعشرين على بناء “إمبراطورية ما بعد الحداثة”.. حيث “يتميز هذا النوع بالسيطرة غير المباشرة بدلاً من الحكم المباشر، ويفضل استخدام الوسائل الاقتصادية والثقافية بدلاً من الأدوات العسكرية الفظة.. لأنها تهدف إلى تحقيق أفضل ما في جميع المجالات واستمرار النفوذ والسلطة، ولكن بحد أدنى من المسؤولية”.

أما الخرافة الثالثة الشائعة التي يحاول أعداء روسيا ترويجها فهي ان روسيا تحاول استعادة النظام العالمي البائد والذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، مثل نظام  يالطا..

بعض المحللين قام برسم أوجه تشابه تاريخية مع العصور السابقة لبناء النظام العالمي، مما حيث ان الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في يالطا في عام 1945، والتي تم اتخاذها بمشاركة روسيا النشطة للغاية، قد ضمنت سلامًا دائمًا بينما ان [معاهدة] فرساي التي أبرمت بدون مشاركة روسيا، كانت قد أرست الأساس للحرب العالمية الثانية.

ولكن لم تمر سنة واحدة فقط على يالطا حتى ألقى تشرشل خطابه الشهير “الستار الحديدي” ليفتتح بداية الحرب الباردة، مشيرا بوضوح إلى أن أي تعاون بين الاتحاد السوفيتي والغرب قد مات.

أما الخرافة الرابعة التي يروجها الغرب هي ان بوتين انتهازي وليس مفكرا استراتيجيًا..

ومن الشائع أن يتساءل المحللون حول مدى وجود استراتيجية روسية كبرى، وفقط استراتيجية انتهازية من خلال التأكيد على أن بوتين انتهازي وليس مفكرا استراتيجيًا. هذا بينما أعلن بعض الكتاب ان بوتين “لاعب شطرنج عظيم ذو تصميم كبير يتم متابعته باستمرار” بينما وصفه البعض بأنه “انتهازي وقح” بناء على الافتراض المفرط في التبسيط القائل بأن الاستراتيجية والانتهازية لا يتفقان ويستبعد أحدهما الآخر على اساس المنطق القائل أن الانتهازية هي علامة على ضعف أو غياب الإستراتيجية، فبينما يعتبرها البعض انها تعبر عن مرونة ضرورية لتحقق بنجاح الأهداف الاستراتيجية لدولة ما لان الإستراتيجية الجيدة لا تتعارض مع السلوك التكتيكي – ولكنها  تعتمد عليه لأن الاستراتيجي الجيد سيكون لديه سيطرة قوية على مجموعة الأدوات والمتغيرات، ويعرف متى يتقدم، أو يتراجع، أو يلتف، أو ينتهز الفرصة للتحرك نحو الهدف الأكبر.

وبناء على هذه الملاحظات الاستراتيجية يمكننا ان نستنتج ان استراتيجية روسيا الكبرى هي دفاعية وليست هجومية، كما تريد ان تصورها الادارة الامريكية وانها معنية بالدفاع عن حدودها الجيوسياسية كما إنها تقدمية في تعاملها مع العالم بالرغم من بقايا بعض الايديولوجيات التقليدية والمحافظة في سياساتها الداخلية ورفضها لليبرالية الغربية المتوحشة، فتتعامل مع التغيرات الحديثة على الصعيد العالمي وليس على أساس استعادة الايديولوجيات البائدة ولا على التوسع الجغرافي واستعادة بناء الاتحاد السوفياتي السابق. ولكن تعمل استراتيجية روسيا الكبرى للحفاظ على مكانتها كدولة قوية في عالم متعدد الاقطاب عبر بناء تحالفات مع اقطاب اخرى تشاطرها مبادئها السلمية وخاصة مع الصين التي تشكل معها المدى الجغرافي السياسي والاقتصادي الاورواسيوي، كما ان  استراتيجية بوتين على الصعيد الكوني تتمثل بالذكاء والمرونة والتطلعات المستقبلية والاعتماد على الأطر الدولية والقانون الدولي لمعارضة المخططات الجهنمية الامريكية من اجل افتعال الحروب وتسويق الاسلحة والسطو على الاموال والنفط واخضاع الشعوب الضعيفة الى رغباتها.

وأخيرا يبدو ان الشعب الروسي يعتبر ان الاتهام الخطير والوقح الذي وجهه بايدن الى بوتين بأنه مجرم هو بمثابة اتهام استفزازي يمس النظام الروسي وكرامة شعبه ككل، مما يعني ان الأيام القادمة ستشهد تصعيدا بين الاستراتيجيتين الامريكية والروسية، ربما في حلقات متتالية وفي  بؤر معينة من العالم.

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت.

khalaf.noha@gmail.com   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.