د. نايف جراد يكتب - الانتخابات الإسرائيليّة الـ 24 : دلالات ومؤشرات - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. نايف جراد يكتب – الانتخابات الإسرائيليّة الـ 24 : دلالات ومؤشرات

0 101

د. نايف جراد  27/3/2021

لأول وهلة، قد لا يبدو أن هنالك جديدا جوهريا جاءت به نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية الرابعة والعشرين، ولكن التمعّن المعمّق بالنتائج يُظهر أن هنالك ما هو جديد يجب التنبّه له، بعضه يؤكد قديما بات شبه مستقر، ويعمقه، وآخر جديد كليا، ولهذا فإنّ لنتائج هذه الانتخابات دلالات ومؤشرات جوهرية ذات علاقة بمنحى تطوّر المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ الصهيونيّ في فلسطين ومآلاته، وما يرتبط بذلك من انعكاسات على الصراع في فلسطين والإقليم. وهو ما تستهدف هذه المقالة توضيحه.

الدلالة الأولى التي تؤكد وتعمّق القديم، أن الاتجاه العامّ لتطوّر الخارطة السياسيّة في دولة الاحتلال يسير بخطى حثيثة ومتسارعة أكثر فأكثر نحو التطرف اليمينيّ القوميّ والدينيّ، الذي يعمّق دولة الأبارتهايد ويشرعنها كمنهج وممارسة رسمية، معزّزا طبيعته بشراكة مع قوى فاشية مثل حزب كاهانا “الصهيونية الدينية”، التي كانت تُلفَظ سابقا أو يُخجَل من التحالف معها لاعتبارات داخلية وخارجية، لكنها اليوم تشرعن ويجري التحالف معها، بل وتوقّع اتفاقيات للحصول على فائض الأصوات منها، كما فعل الليكود. وهي قوة بات لها وزن، حيث حصلت على 7 مقاعد في الانتخابات الأخيرة.

ولذا لا يكفي توصيف اليمين الإسرائيليّ بالقوميّ والديني المتطرف، بل يجب أن تُضاف له صفة الفاشيّة. ولهذه الفاشية مظاهرها المتزايدة التي تتعمّق يوما بعد يوم في النظام السياسيّ وأوساط الحكم والمجتمع اليهوديّ، وتجد انعكاساتها في الانقضاض على ما تبقى من علمانيّة الدولة واستقلاليّة مجتمعها المدنيّ، وفي تعمّق سياسة التمييز العنصريّ والأبرتهايد.

والدلالة الثانية، أن هذا النجاح المتجدد للمعسكر اليمينيّ القوميّ الدينيّ الفاشيّ في إسرائيل، يُظهر بشكل جلي، أن التحولات في الوسط السياسي الإسرائيلي باتت عميقة جدا لدرجة تنتفي معها إمكانية أي تسوية إقليمية مع الفلسطينيين، راهنا وفي المدى المنظور، وأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ماض في مشروعه لحسم صناعة وجوده عبر التأكيد أنّه لا حقّ في تقرير المصير على أرض فلسطين الانتدابية لغير “الشعب اليهودي” كما جاء في قانون أساس القومية، وأنه لا رادع لحكام إسرائيل يثنيهم عن المضي قدما لحسم صناعة الوجود المتوخّاة عبر المزيد من الاستيطان والضم والتهويد والأسرلة والتطهير العرقي، والمزيد من العمل على تقويض كل مقومات وجود دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، “متصلة”، و”قابلة للحياة”.

وثالث الدلالات، أن سياسة التمييز العنصري و”التطهير العرقي” تجاه فلسطينيي 48 تتعمق وتزداد، وستتعزز لاحقا بالمزيد من التشريعات والقوانين، وكما ذكر البروفيسور عزيز حيدر، في ندوة نظمها معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي عشية الانتخابات الأخيرة؛ إن تكتيكات شرعنة الصوت العربي والتوجه للناخب العربي من قِبل الأحزاب الصهيونية يعني أن الكيان الصهيوني ماض في تكريس وجوده الاستعماري الاستيطاني عبر التعامل مع فلسطينيي الداخل كأفراد وليس كجماعة قومية، ويعد ذلك نفيا قطعيا لحق الفلسطينيين كجماعة في أي شكل من أشكال تقرير المصير، وإمعانا في حسم صناعة الوجود الاستعماري الاستيطاني القائم على مبدأ الاستيلاء على الأرض ومنطق الإبادة (Elimination)، وعلى أساس لعبة المعادلة الصفرية مع السكان الأصليين (zero sum game) من خلال إجراءات الضبط والسيطرة والإبادة، بحسب استخلاصات وولف عن مثل هذا النمط من الاستعمار الاستيطاني (Wolf, 1994) وصولا إلى مرحلة متقدمة من احتجاز وعزل سكان البلاد الأصليين (carceration) والانتقال إلى استيعابهم وتذويبهم كأفراد في إطار بنية دولة الأبارتهايد اليهودية.

وسيستخدم ذلك، كما التجربة السابقة للتمدد الاستيطاني والأسرلة والتهويد والتطهير العرقي في أراضي 48، كنموذج للسيطرة واستيعاب سكان الضفة الغربية بما فيها القدس، وهو الأمر الجاري على قدم وساق وبشكل يسابق الزمن. وما يجري في القدس والأغوار وبريّة الخليل وأماكن عديدة في الضفة الغربية؛ خير دليل على ذلك.

ومن الدلالات الجوهرية التي أظهرتها الانتخابات على الصعيد السياسي، أن الوسط السياسي الإسرائيلي المتحكم بالأمور، وعلى رأسه نتنياهو، يستقوي بإجماعه، لنفي عدم استقرار الدولة والقفز عن نقاط ضعفها، سواء تلك المتعلقة بنسيجها الاجتماعي وأمن جبهتها الداخلية وحالة التشظي واللاإستقرار في الحلبة السياسية أو بالمؤشرات الضعيفة لاقتصادها في المجالات غير العسكرية والهايتك، ليؤكد اعتبار دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بأنها “دولة عظمى” بإجماع صهيوني متزايد، رغم أن هذا الحكم قد جرى تمثله بسبب استقواء دولة الاحتلال في السنوات الماضية بالرئيس الشعبوي ترامب وترسانته المسيحية الأنغليكانية الصهيونية، وتم استثماره جيدا لاستكمال غاية حسم الوجود في شقها المتعلق بقدرة الدولة على الاستغناء عن رعاية “دولة المتروبول الأم” من خلال الحلول محلها والقيام بأخذ دورها في الإقليم بشرط ضمانها لمصالح الطرفين، الأمر الذي فسحت له المجال “صفقة القرن” واتفاقيات التطبيع والتحالفات الإقليمية الجديدة.

ولهذا فإنه ورغم وجود إدارة أميركية جديدة وحراك يهودي تقدمي في الولايات المتحدة مناهض لسياساتها ومعارض لنهج وسياسة ترامب و”صفقته”، ومع نجاح “الملك” نتنياهو ومعسكر اليمين القومي الديني الفاشي، لن يثنيها عن المضي قدما لتحقيق هذا الحلم، معولة على تفوقها التكنولوجي والعسكري والاستخباراتي، وعلى تأثير اللوبي الصهيوني والدولة الأميركية العميقة المدافعة عن مصالحها والضامنة لأمنها وتفوقها وعلى عمق العلاقة الإستراتيجية بين الطرفين التي لا تتأثر بشخص الحاكم هنا أو هناك. وهذا ما يؤشر إلى اتجاه مواقفها من الحل مع الفلسطينيين، ومن محدودية الدور الأميركي في التأثير الجذري على الحل، الأمر الذي يرجّح بقاء الوضع الراهن، وفي أحسن الأحوال بالنسبة للفلسطينيين، وأسوئها بالنسبة لإسرائيل؛ أن يجري الضغط باتجاه تحسين حياة الفلسطينيين اقتصاديا والتأكيد من حيث المبدأ مجددا على حل الدولتين، ولكن مع استمرار إدارة الصراع بمفاوضات ماراثونية دون حلّ يلبّي الحدّ الأدنى من الحقوق والمطالب الفلسطينية، فيما تستمر دول الاحتلال بتنفيذ سياساتها وأطماعها على الأرض تحت وهم وغطاء السلام.

أما المؤشر الجديد، الذي له دلالة واضحة، والذي كانت له أنوية وبذور في المرحلة السابقة، وظهر كليا مع الانتخابات الأخيرة، أن الصراع مع الفلسطينيين لم يعد يُؤخذ كمصدر تهديد قوي للأمن القوميّ الإسرائيليّ، ولم يعد مثار جدل ونقاش في المعركة الانتخابية والنقاش الداخلي والتنافس بين الأحزاب والكتل الصهيونية، فالأمر بالنسبة لهم جميعا قد حُسم، ويعود السبب في ذلك، بحسب تقديري، إلى تقييم واستخلاص بات متبلورا لدى حكّام إسرائيل وقياداتها الأمنية؛ أن الطرف الفلسطيني بات على درجة كبيرة من الضعف والوهن لا تمكّنه من التأثير على الأمن والاستقرار ومجريات الأمور داخل الكيان.

والدلالة الكبيرة، والتي تحمل مؤشرات خطيرة على المستقبل الفلسطيني، هو النجاح الصهيوني الواضح في تمزيق القائمة العربية المشتركة، ما أدى إلى تبعثر قواها ومفاقمة الخلافات والصراع الداخلي، الأمر الذي انعكس سلبا على الناخبين الفلسطينيين وأدى إلى حالة إحباط، ودفع البعض إلى مقاطعة الانتخابات، وعزز من موقف المقاطعين أصلا للانتخابات، بل ومكّن الأحزاب الصهيونية، يمينها وبقيّة يسارها، من اختراق المجتمع العربيّ الفلسطينيّ، ما أدى إلى تراجع نسبة التمثيل إلى أقل من 10%. وكما لاحظ عريب الرنتاوي، فإن هذا الوضع قد عبر عن نفسه بـ”هجرة الأصوات العربية” نحو القوائم اليهودية، بينما شهدت الانتخابات السابقة هجرة معاكسة، يهودية، صوتت للقائمة العربية المشتركة، فجعلتها تحصل على 15 مقعدا. ولا شكّ في أن هذا امر خطير، يتطلب الوقوف أمامه بعناية فائقة، وخاصة أنه يقوّض إمكانية التعبير عن التمثيل الجماعي، ويكرس، كما أُشير أعلاه، التعامل مع الفلسطينيين كأفراد وليس كجماعة قومية.

وما يزيد الأمر سوءًا هنا، وهو ما أثّر على المشاركة في الانتخابات أيضا، هو تردّي الأوضاع الاقتصادية للجماهير العربية جراء جائحة كورونا، والانتشار المنفلت من عقاله للجريمة والعنف المغذَّى من قِبَل الشرطة ومؤسسة الأمن الإسرائيلية في أوساط المجتمع الفلسطيني، والتي أدت إلى نشوء حراكات شعبية شبابية، عبرت عن عدم ثقة بالقيادات السياسية وأدائها.

ولو نظرنا عميقا إلى خلفيّة الأمر، فإن التقسيم والشرذمة وخلق حالة من عدم الثقة بالقيادات، وإشغال المجتمع بقضايا وهموم الجريمة والعنف يصبّ في إضعاف التماسك المجتمعي ووحدة التمثيل، وفي تفكيك وجود كتلة مانعة كان يمكنها أن تُسقط نتنياهو، وفي منع تشكيل العرب الفلسطينيين لمعارضة رسمية لها كل استحقاقات المعارضة الرسمية حسب القانون والأعراف الإسرائيلية، وبالتالي فإن ما حدث ويحدث ليس له بعد تكتيكيّ فحسب، بل وبعد إستراتيجي. ويتّضح هذا البعد من المؤشرات الخطيرة التي تتعلق بمصير الفلسطينيين في أراضي 48، والتي ستكون لها انعكاساتها الخطيرة على المصير الفلسطيني برمّته، وهي تلك المرتبطة بما أقدم عليه عباس منصور وحصول قائمته (الموحدة) على 4 مقاعد. وليست المسألة هنا أن تخوض الحركة الإسلامية الجنوبية الانتخابات منفردة، فقد خاضتها سابقا منفردة أو بتحالف مع قوة أخرى أو ضمن القائمة المشتركة، وقد أشارت تلك التجارب السابقة إلى سوء التشرذم والانقسام وانعكاسه السلبي على الناخب الفلسطيني، ومثال ذلك انتخابات الكنيست الـ20 عام 2018 التي انخفضت فيها نسبة التصويت في المجتمع العربي إلى 49.2%، بينما ارتفعت بشكل ملحوظ في الانتخابات 23 في ظل القائمة المشتركة إلى 65%.

والأمر ليس بنسب التصويت فحسب؛ وهو ما بيّنا دلالته آنفا، بل في محاولة إذكاء فرز المجتمع الفلسطيني على أساس قطبَي لدين والعلمانية، وحرف النقاش عن مجاله السياسيّ والوطنيّ الذي من المُفترض أن يتعزّز في ضوء قانون أساس القومية اليهودية واستمرار سياسة التطهير العرقي. ومن لا يقف مع “الدين” وينتخب أصحابه ممثلين بـ”الإسلام السياسي” الذي تعبر عنه “القائمة العربية الموحدة” كما جاء في منشوراتها، فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر، يخلط حرامه بحلاله ويكسب إثما كبيرا!

وقد شهدنا كيف أدى هذا الخطاب إلى حروب أهليه ودمار في الأقطار العربية. وقد أدى هذا النهج هنا حتى اللحظة إلى ما أدى إليه من إضعاف وانقسام وتشرذم واختراق صهيونيّ للمجتمع العربي، ولكن إلى ماذا سيؤدي ذلك لاحقا إذا ما استمرّ؟

من الواضح، ومع العلاقة التي ظهرت روابطها جليّة بين منصور عباس ونتنياهو، أن الأمور تتجه نحو فرز آخر كما يقول وديع عواودة: بين من هو “وطني” و”متأسرل”.

وفي النهاية فإن من سيدفع الثمن هي “الأقلية القومية” الصامدة في وطنها، والتي دفعت ثمنا كبيرا من دماء أبنائها ومعاناتهم سنين طويلة حتى امتلكت الثقة بذاتها وفرضت مكانتها وهيبتها واحترامها، الأمر الذي شهدنا انطلاقته النوعية في يوم الأرض، الذي تصادف ذكراه الخامسة والأربعين نهاية شهر آذار الحالي بعد عدة أيام؛ فهل سنشهد عودةً إلى الوراء تقضي على الآمال التي كانت معقودة على شعبنا داخل أراضي 48 في الانتصار للقضية الوطنية العادلة في معركة الوجود الفلسطينيّ؟ .

إن الآمال لا تزال معقودة على الشرفاء أبناء الشعب الفلسطيني الأصيل، الصامدين على هذه الأرض، كما هي معقودة على وحدة وكفاح كل الشعب الفلسطيني وقواه الحية في كافة أماكن تواجده، فمواجهة هذه التحولات المشار إليها لحسم صناعة الوجود الاستعماري الاستيطاني في فلسطين تستدعي الوحدة والارتقاء إلى مستوى التحديات التي تطرحها بتعزيز الكفاح الوطني على كل الجبهات، في مواجهة الفاشية الصهيونية والتمييز العنصري والأبارتهايد والتطهير العرقيّ، والاحتلال والاستيطان، والحصار، والتنكر لحق عودة اللاجئين، وبما يعيد الاعتبار لجوهر الصراع، ولوحدة الأرض والشعب والقضيّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.