د. ناصر اللحام يكتب- الانتفاضة لا تبيض في الفنادق ومواكب المسؤولين بل تولد في الشوارع - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. ناصر اللحام يكتب- الانتفاضة لا تبيض في الفنادق ومواكب المسؤولين بل تولد في الشوارع

0 76

د. ناصر اللحام – 17/9/2020

 لم يكتب علماء الاجتماع بعد ، عن انتفاضة يقودها وزراء ورجال أعمال وأصحاب ملايين . ويجوز أن المذكورين أعلاه يدعمون انتفاضة لكنهم غير قادرين على قيادة انتفاضة كما أنه لا يمكن استحضار انتفاضة من دون أية خسائر .

ولغاية الآن يدرس علماء الاجتماع والمؤرخين سبب اندلاع الانتفاضة الأولى ، ولا يجدون إجابة قاطعة . وكل ما ذكر عن عوامل مساعدة وحادث السير في جباليا ، ودعم القيادة من تونس ، والاستيطان ، والقهر ، وقوة الحركة الطلابية حينها ، وقوة الحركة الأسيرة حينها . إنما هي الأدوات التي شاهدها الناس ، ولكن دافع السلوك الجمعي نفسه لم يعرف بعد .

فالانتفاضة الشعبية وقيادتها الموحدة حينها . كانت جاهزة للتضحية بكل ما هو موجود من أجل غاية سامية . خرجوا في الشوارع وهزموا جيوش رابين وخسروا كل شيء من أجل شيء واحد هو الكرامة الوطنية . رموا هويات الاحتلال ، وأعلنوا العصيان المدني ، وتعطلت المدارس والجامعات ، وساد التكافل الاجتماعي ، وعم العصيان المدني . ولا أعتقد أن القيادات التنظيمية الراهنة جاهزة للتضحية بكل ما هو موجود لديها من أجل انتفاضة ، ولا هي جاهزة للتضحية بجزء بسيط مما لديها من اجل انتفاضة كاسحة تقلب كل الطاولة . فهم لن يتركوا المواكب والمرافقين والوزارات وحسابات البنوك والفيزا كارد ، ولن يتركوا منازلهم الفخمة وسياراتهم الفارهة ويعيشون في الجبال .

الانتفاضة الثانية لم تكن انتفاضة شعبية أبدا . بل انتفاضة مسلحة قامت فيها نخب ثورية وفدائية . وكانت مشاركة الجماهير فيها محدودة وبعيدة . فحينما يلعلع الرصاص في الشوارع تنسحب الجماهير إلى بيتها .

الدعوة لانتفاضة ثالثة ممكنة . ولكن ليس من خلال ( بيان رقم واحد ) . وبالمناسبة فان بيان رقم 1 يأتي دائما بعد فعل كبير . وليس قبل أي فعل \ وأنا لم أسمع في حياتي أن قيادة ميدانية تصدر بيان رقم واحد قبل أن تفعل الفعل رقم واحد !!!!

هل يمكن أن تندلع انتفاضة ثالثة ؟ الإجابة نعم بالتأكيد . وهي مسألة وقت فقط حتى تندلع . ولكن هناك عدة ملاحظات مؤلمة وجب ذكرها دون خجل :

– الشعار السياسي للانتفاضة المزمعة غير واضح ومن خلال ما ظهر حتى الآن فهو شعار مستهلك و” تحت الوصاية” . وهناك من يرى أن المفاوضات هي الغاية السامية النهائية وهناك من يرى الكفاح المسلح هو الغاية النهائية . ولأن الناس أذكياء ويفهمون أنهم سوف يدفعون ثمنا باهظا من أجل انتفاضة حقيقية , يجب أن يثقوا بالشعار السياسي أولا . وفي النهاية يدرك القاصي والداني أن الغاية الحقيقية لمعظم التنظيمات هي الوصول للسلطة .

– الفعاليات التي يجري تنظيمها بشكل مسرحي لغاية البث التلفزيوني لا تعبّر عن غضب الجماهير وإنما تعبر عن” انتفاضة تحريكية ” الهدف منها لفت الانتباه فقط .

– هناك غضب شعبي كبير على سوء أداء السلطة في غزة والضفة على حد سواء . وليس من السهل فتح صفحة جديدة . لأنهم هؤلاء الذين يبتسمون ويقولون أيها الشعب العظيم ، لم يختلطوا بالجماهير منذ عشرات السنين .

– قيادة الانتفاضة غير واضحة . ومما يرشح حتى الآن فان نفس القيادات السلطوية ( داخل كل تنظيم سلطة أقوى من السلطة ذاتها ) . هذه القيادات التي ترأست نضال أجدادنا وآباءنا وترأستنا نحن أيضا . وهي نفسها تريد أن تقود أولادنا وتقود أحفادنا في هذه الانتفاضة . هل يعقل هذا ؟؟

– وختاما . فان الانتفاضة لا تبيض في فيلا لمسؤول أو في شاليه لأحد القادة . وإنما تولد في شوارع الأحياء الفقيرة في المدن ، وفي القرى التي تحارب الاستيطان وفي المخيمات التي طالما كانت خزانات الثورة .

الانتفاضة يا سادة

لا يقودها قائد مليونير يسافر على الدرجة الأولى ويصدع رؤوسنا بالشعارات المكررة ، ولا يعمل إلا أمام عشرات المايكروفونات وماكياج الاستوديوهات .

يمكن للوزراء والزعماء وأصحاب الملايين وخزائن المال أن يدعموا الانتفاضة ، ولكن لا يمكن أن يقودوها .

الانتفاضة يقودها أسرى في الزنازين ومطاردين في الجبال وشباب عاطلين عن العمل وفقراء لم يعد لديهم سوى عزة نفسهم وكرامة وطنهم .

والله من وراء القصد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.