د. منى ابو حمدية: المؤتمر الثامن لحركة فتح: استحقاق تنظيمي للنهوض والتجديد في ظل التحولات السياسية المتسارعة
د. منى ابو حمدية 9-4-2026: المؤتمر الثامن لحركة فتح: استحقاق تنظيمي للنهوض والتجديد في ظل التحولات السياسية المتسارعة
ظروف انعقاد المؤتمر في مرحلة مفصلية:
يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مرحلة سياسية ووطنية دقيقة، تتسم بتسارع التحولات الإقليمية والدولية، وتنامي التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي ومحاولاته فرض وقائع جديدة على الأرض، إلى جانب تعقيدات المشهد الداخلي الفلسطيني وما شهده من انقسامات أثّرت على وحدة القرار الوطني وقوة الفعل التنظيمي.
وفي خضم هذه الظروف، يكتسب المؤتمر أهمية استثنائية، ليس بوصفه حدثاً تنظيمياً دورياً فحسب، بل باعتباره استحقاقاً فتحاوياً بامتياز يعكس إرادة الحركة في مراجعة مسيرتها، وتجديد أدواتها، واستعادة دورها الريادي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة وتحدياتها.
أهمية انعقاد المؤتمر: محطة للنهوض بالحركة واستعادة المبادرة
إن انعقاد المؤتمر الثامن يشكل فرصة تاريخية للنهوض بالحركة وتعزيز حضورها التنظيمي والسياسي، وترسيخ دورها كحركة تحرر وطني قادت المشروع الوطني لعقود طويلة. فالمؤتمر ليس مجرد اجتماع تنظيمي، بل هو منصة لتقييم الأداء، وتصويب المسار، ووضع رؤية استراتيجية تواكب المتغيرات المتسارعة على الساحة الفلسطينية.
وتكمن أهمية المؤتمر في قدرته على إعادة تفعيل الطاقات التنظيمية، وإحياء روح المبادرة داخل صفوف الحركة، وتعزيز ثقة الجماهير بقدرتها على قيادة المرحلة القادمة، خاصة في ظل الحاجة الملحّة إلى خطاب وطني جامع، وبرنامج سياسي واضح يعيد الاعتبار للمشروع الوطني ويعزز صمود الشعب الفلسطيني.
ضرورة التجديد والتطوير: حركة عصرية ببرامج وكوادر متجددة
إن من أبرز التحديات التي تواجه حركة فتح اليوم ضرورة التجديد والتطوير في بنيتها التنظيمية وبرامجها السياسية وكوادرها البشرية، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها. فالحركات التي لا تتجدد تفقد قدرتها على التأثير والاستمرار، بينما التجديد المدروس يعزز الحيوية التنظيمية ويمنح الحركة القدرة على التكيف مع المتغيرات.
ويشمل هذا التجديد تطوير البرامج السياسية والتنظيمية، واعتماد آليات عمل حديثة، وتحديث أدوات التواصل مع القاعدة الجماهيرية، إلى جانب الاستثمار في بناء القيادات الشابة وتأهيلها، بما يضمن استمرارية الحركة وقوة حضورها في المستقبل.
ترتيب البيت الداخلي: وحدة الصف ومعالجة الانقسام التنظيمي
إن ترتيب البيت الداخلي للحركة يمثل أولوية وطنية وتنظيمية في آنٍ واحد، إذ لا يمكن لحركة بحجم فتح أن تؤدي دورها القيادي بكفاءة دون وحدة صفها وتماسك بنيتها التنظيمية. ومن هنا تبرز ضرورة معالجة أي مظاهر للانقسام الداخلي، وتعزيز ثقافة الحوار التنظيمي، وترسيخ مبدأ العمل الجماعي وروح المسؤولية الوطنية.
كما أن توحيد الصفوف يشكل عاملا أساسياً في تفويت الفرصة على الاحتلال الذي يسعى دائماً إلى استغلال الانقسامات الداخلية لإضعاف الموقف الوطني الفلسطيني وتعزيز سياساته القائمة على التفتيت والتجزئة.
تعزيز الشفافية والمحاسبة والديمقراطية التنظيمية
إن نجاح أي مؤتمر تنظيمي يقاس بقدرته على ترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة والديمقراطية داخل مؤسسات الحركة. فالمحاسبة العادلة تعزز الثقة، والشفافية ترفع مستوى الأداء، والديمقراطية التنظيمية تضمن مشاركة القاعدة في صنع القرار.
ومن هنا، فإن تفعيل هذه المبادئ لا ينبغي أن يكون شعاراً نظريا، بل ممارسة عملية تنعكس في آليات اتخاذ القرار، وإدارة الموارد، واختيار القيادات، بما يحقق العدالة التنظيمية ويعزز الانتماء للحركة.
تطوير البرنامج السياسي وتعزيز الدور الوطني
يُعد تطوير البرنامج السياسي لحركة فتح ضرورة ملحّة في ظل التحولات السياسية المتسارعة، بما يضمن الحفاظ على الثوابت الوطنية، وفي الوقت ذاته مواكبة المتغيرات الدولية والإقليمية. فالحركة مطالبة بتقديم رؤية سياسية واضحة تعزز مكانتها كقائدة للمشروع الوطني، وتحدد أولويات المرحلة القادمة على المستويات السياسية والتنظيمية والمجتمعية.
كما أن تعزيز الدور الوطني للحركة يتطلب تفعيل حضورها في مختلف ميادين العمل الوطني، وتوسيع قاعدة الشراكة مع القوى الوطنية والمجتمعية، بما يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
ضخ دماء جديدة: تمكين شبيبة فتح والتركيز على الشريحة المناضلة في الصدارة
إن ضخ دماء جديدة في جسد الحركة، من خلال تمكين شبيبة فتح وإشراكها في مواقع المسؤولية، يمثل استثماراً استراتيجياً في مستقبل الحركة. فالشباب يشكلون طاقة متجددة وقادرة على الابتكار والعمل الميداني والتنظيمي، وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة الفاعلة في صنع القرار يعزز الحيوية التنظيمية ويجدد الروح النضالية داخل صفوف الحركة.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التركيز على الشريحة المناضلة التي كانت على الدوام في طليعة العمل الوطني والتنظيمي، وقدمت التضحيات في مختلف الميادين، لتبقى هذه الشريحة في الصدارة دائماً، ليس فقط تقديراً لتاريخها النضالي، بل ايماناً بدورها الحيوي في حماية الحركة وتعزيز ثوابتها الوطنية.
إن وضع الشريحة المناضلة في موقع القيادة والتأثير يعكس وفاء الحركة لتاريخها، ويؤكد أن معيار التقدم داخلها يقوم على التضحية والكفاءة والانتماء، بما يضمن استمرار روح النضال وتجذرها في الأجيال القادمة، ويعزز وحدة الصف التنظيمي وصلابة الموقف الوطني.
المناضل أولاً: معيار الاستحقاق التنظيمي في المؤتمر الثامن
يجب أن يكون المعيار الأول للاستحقاق التنظيمي في المؤتمر الثامن هو الالتزام الوطني، والتاريخ النضالي، والكفاءة في العمل التنظيمي والسياسي. فالمناضل الذي يسهم باستمرار في حماية الحركة، ودعم مشروعها الوطني، وتقديم التضحيات، يجب أن يكون في موقع الصدارة، مع احترام الكفاءات الجديدة وضخ الطاقات الشابة، لضمان مزيج متوازن من الخبرة والتجديد داخل قيادة الحركة.
إن اعتماد هذا المعيار يرسخ العدالة التنظيمية، ويعزز ثقة القاعدة بالقيادة، ويؤكد أن المؤتمر ليس مجرد شكل تنظيمي، بل ممارسة حقيقية لإحياء الروح الفتحاوية في العمل الوطني والسياسي.
في الختام؛ لا نريد نجاحاً شكلياً … بل تنفيذاً حقيقيا ً
إن التحدي الحقيقي أمام المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يكمن في نجاحه الشكلي أو في حجم المشاركة فيه، بل في قدرته على تحويل التوصيات إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ، وإحداث تغيير حقيقي في الأداء التنظيمي والسياسي للحركة.
فالمؤتمر يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العمل الوطني والتنظيمي، عنوانها التجديد، والوحدة، والانضباط، والشفافية، مع إشراك شبيبة فتح والشريحة المناضلة والكفاءات الوطنية في صدارة القيادة، بما يعزز مكانة حركة فتح كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وحاضنة لتطلعات شعبها في الحرية والاستقلال.



