د. مصطفى الفقي يكتب - الطريق إلى المستقبل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. مصطفى الفقي يكتب – الطريق إلى المستقبل

0 81

د. مصطفى الفقي – 11/8/2020

لكل الشعوب؛ بل ولكل الأمم خارطة للمستقبل ليست بالضرورة محددة الملامح تماماً، لكنها تحوي على الأقل تصوراً شاملًا ورؤية بعيدة لما تريده المجتمعات البشرية في بقعة معينة، وهي تتشكل نتيجة حلم بعيد يتأسس على غايات وأهداف ترتبط بتاريخ تلك الجماعات، وتفتح أبواب الأمل نحو مستقبلها. لا توجد دولة تعيش يوماً بيوم ولا شعباً لا يرى غده أو يعمل لمستقبله، لذلك فإن دراسة المستقبليات هي واحدة من أهم فروع المعرفة، لأنها تفتح الآفاق نحو ما هو قادم، أقول ذلك وأنا أدرك أننا أمة ماضوية تلوك زمانها الغابر وتتغنى بأمجادها القديمة، ولا توجد دولة على الأرض لا يعتريها القلق ولا يساورها الشك ولعلي أفسر جزءاً مما نسعى إلى التفكير فيه:

* أولًا: إن ثراء لغتنا العربية بمفرداتها ومحسناتها البديعية وعباراتها الفخمة يكون أحياناً بمثابة قيد على حرية التفكير ووضوح التعبير، فنحن نتغنى بالأشعار والأذكار ونشيد بأبطالنا في الليل والنهار وكأننا لا ندرك أن مفاتيح المستقبل هي في الحاضر وأن ما مضى قد انتهى، لكنه يبقى رصيداً للمعرفة ودافعاً للتطور، ونحن نعيب على أنفسنا أننا نتذكر الماضي أكثر مما نفكر في المستقبل، ولا أكاد أعرف أمة من ذوات الحضارات القديمة لديها ذلك الشغف بماضيها على حساب حاضرها ومستقبلها مثلما نحن العرب؛ إذ نتغنى بديوان الحماسة ونعيش في إطار أمجاد يا عرب أمجاد، وبالمناسبة فإنه لا بأس من ذلك في حدود، لكن عندما تطغى تلك الأفكار والمشاعر على رؤية المستقبل، فإن الأمر يختلف.

* ثانياً: لقد جاء عام 2020، بمتغيرات لم تكن في الحسبان، فقد حمل معه وباء عالمياً تغيرت به ملامح الحياة وأساليب المستقبل ولم نعد في حاجة إلى تأكيد سرعة إيقاع التطور والإحساس العام بالخطر المشترك والرغبة الأكيدة في تحصين البشرية قدر الإمكان من المخاطر المحيطة وما أكثرها وربما أيضاً الأوبئة القادمة التي لا نعرفها، وعندما ضرب وباء «الكورونا» العالم؛ حيث أصاب الملايين في كل مكان، فإن إحساساً عميقاً بالخوف على مستقبل الإنسان فوق الأرض قد بدأ يرتاد كثيراً من العقول الذين يظنون أن فكر المؤامرة يتجدد وأننا نعيش في عالم تحكمه قوى متحالفة في الخفاء تسعى إلى السيطرة الكاملة على الإنسان وحياته ومستقبله وهي على كل حال مخاوف مبررة.

* ثالثاً: يبدو أنه لا مناص من الاعتراف الكامل بنظرية (وحدة المعرفة) أي أن كل ما نعرف يرتبط بغيره كما أنه يفتح الباب أمام ما لا نعرف فكلما ازداد الإنسان علماً كلما اكتشف أنه أكثر جهلًا وهذه نقطة مهمة تعطي الإحساس بأن التقدم العلمي وجهود البحث الأكاديمي والدراسات المتطورة في العلوم البحتة والتطبيقية هي أدوات عصرية تدفعنا إلى الأمام ولن تتقدم أمة لا تهتم بالبحث العلمي ولن تنهض دولة تتجاهل أهمية التعليم باعتباره بوابة العصر نحو المستقبل، إننى أضم صوتي إلى كل أولئك الذين نادوا بضرورة التضامن البشري في البحث العلمي والتفكير الواعي في مستقبل الإنسانية التي باتت معرضة للخطر في العقود الأخيرة.

* رابعاً: إن الصراعات الإقليمية التي تفاقمت في الفترة الأخيرة وتأكد للجميع أنها ناجمة عن الرغبة في السيطرة من جانب تركيا في شرق المتوسط والسواحل الليبية مع أطماع تاريخية مكبوتة تصور لقادتها أن التاريخ قد توقف عند آل عثمان، كما أن إثيوبيا على الطرف الجنوبي الشرقي من الوطن العربي تقوم بتصرفات استفزازية وتعبث بمجرى النيل بتنسيق واضح مع الدولة العبرية التي لن تكف أبداً عن محاولة إضعاف الدول العربية، خصوصاً مصر بحجم سكانها وضخامة مواردها وتنوع مصادر الدخل فيها، ولقد لاحظنا في الشهور الأخيرة أن تنسيقاً واضحاً يبدو بين أطراف (الكماشة) التي تحاول تطويق الأمة العربية وتمزيق أواصر الصلة بينها مع حرب شعواء على مفهوم الدولة الوطنية وهي ركيزة القاعدة ومنطلق البقاء.

* خامساً: إننا نتطلع إلى يوم تنتشر فيه الجامعات المتقدمة في ربوع الوطن العربي وتعلو أصوات البحث العلمي على غيرها من الشعارات المرحلية والعبارات الرنانة، إننا نريد إنتاجاً فكرياً وزخماً علمياً يدفعنا نحو ما هو أفضل، فليس من المتصور أن نظل عالة على التكنولوجيا الغربية أو حتى الآسيوية، وإذا كنا نرى أن التكنولوجيا هي عملية توظيف التعليم في خدمة الصناعة، فإننا يجب أن نسعى بكل جهد إلى توطين التكنولوجيا في بلادنا، وألاّ نكتفي بأن نكون مستوردين لها مستهلكين لنتائجها معتمدين عليها، وما زلنا نكرر أن الاستقلال الحقيقي هو أن تقوم بضمان توفير غذائك وأن تصنع كل ما تحتاج إليه بما في ذلك صناعة السلاح، وأنا أعرف أنها آمال واسعة، لكنني أردد مع الصينيين قولتهم الشهيرة.. إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

يبدو واضحاً من الملاحظات السابقة، أن الطريق إلى المستقبل ليس مُعَبداً أو مفروشاً بالورود كما أنه لا يتحدد بالأمنيات الطيبة والأحلام الوردية، لكنه يحتاج على حد تعبير (ونستون تشرشل) إلى الدم والعرق والدموع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.