أقلام وأراء

د. مصطفى الفقي – الـ «إسلاموفوبيا»

د. مصطفى الفقي ٥-٤-٢٠٢٢م

جاءتنا العقود الأخيرة من هذا العصر بتعبيراتٍ ذات طابع عنصري كان من أبرزها «العداء للسامية» ثم مصطلح جديد أصبح محل استخدام شائع، أعني به مصطلح «الإسلاموفوبيا»، أي مجموعة المخاوف بل قل الافتراءات التي تحاول ربط الإسلام كدينٍ بالعنف والاضطرابات والقلاقل في كثير من أنحاء العالم، مع التركيز على عدوانية هذا الدين ومحاولة ربطه بالإرهاب حتى يصبح عقدة في العقل الباطن للبشر، وهو أمر خطير ينم عن رغبة كاسحة في تطويق الإسلام والإساءة إليه.
 وأزعم أن ذلك الدين الحنيف يواجه حملة شعواء تحاول أن تدمغه دائماً بما ليس فيه بل بعكس ما لديه، فالدين الإسلامي يدعو إلى التسامح والرحمة واحترام الآخر والتعايش مع الغير، ولكن هناك من يحاولون المضي به في غير طريقه على غير علمٍ ولكن لهوى وغرض ومصالح مختلفة لقوى شريرة في هذا العالم. حتى أنني أزعم أن ظاهرة العداء للإسلام تحتل موقعاً كبيراً، لا في الكتابات والدراسات وحدها ولكن على مستوى الدراسات الدولية المعاصرة كلها، إذ يجري تعقب الإسلام والمسلمين سواء كانوا سكاناً أصليين أو جاليات في معظم الدول الغربية وأصقاع أخرى.
 فالمسلمون هم المطاردون في المطارات والمنتظرون للتأشيرات وهم محل شكٍ وريبة دون مبرر، كأنما هناك من أراد أن يصنفهم ظلماً بأنهم دعاة عنف وإرهاب ومصدر القلاقل والاضطرابات في كل مكان، وهم يستغلون في ذلك ما قامت به جماعات منا خرجت علينا وأساءت إلينا في تنظيمات إرهابية وجماعات متطرفة تحاول اختطاف الدين الإسلامي العظيم خارج مساره، وتعطي انطباعاً للغير بأن ما تقوم به هذه الفئات الضالة من تصرفاتٍ وأفعال خارج نطاق القانون والأخلاق ومحاولة منسوب كله، حتى ولو بالافتراء والكذب إلى الإسلام والمسلمين، فزرعوا الخوف لدى عموم البشر تجاه أتباع الديانة المحمدية في معظمها. وما زلنا نتابع الأخبار يوماً بعد يوم عن محاولات تطويق السكان الأصليين من المسلمين في عدد من الدول الآسيوية جنباً إلى جنب مع الجاليات الإسلامية في الدول الأوروبية، حيث لا نكاد نعرف من الذي يقف وراء ذلك التيار العنيف الذي يدفع بخطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين. ولنا هنا بعض الملاحظات:
* أولاً: لم تحقق المحاولات الجادة حتى ذات الطابع الرسمي ما كان متوقعاً لجهودها الصادقة في العمل على تجديد الخطاب الديني، ولا يبدو أن النتائج التي تحققت توازي الجهود التي بذلت، ولا يزال شيء من الجمود مسيطراً على معظم المؤسسات الدينية التي ترفض التفكير الذي هو فريضة إسلامية، وتتمسك بالقديم حتى لو لم يكن من صحيح الدين باعتباره مجرد آراء فقهية لبشر مثلنا قد يصيبون وقد يخطئون، ولكن النتيجة أنه يتم تعميم ما قالوا به والالتزام الكامل بنصوص غير مؤكدة المصدر بل وأحياناً مجهولة الهوية، ويدفع الإسلام والمسلمون في النهاية فاتورة كل ذلك. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل نلاحظ أن التشدد والتعصب يحركان بعض المؤسسات الدينية رفيعة الشأن بعيداً عن الوسطية والاعتدال واقتراباً من التشدد والفرز والإقصاء!
* ثانياً: ليس هناك من شكٍ في أن مسؤولية التعليم أساسية في كل الأديان إسلامية أو غير إسلامية، فالاهتمام بقضايا التعليم والتثقيف والتوعية هو أمر أساس لخلق الوعي الجمعي وإحداث الصحوة التي تصل إلى أعماق العقل والفكر، وتستطيع أن تغير من التركيبة التقليدية لمن يتعاملون مع الجانب الروحي في حياتنا، فإمام المسجد وواعظ الكنيسة ينبغي أن يكونا من أصحاب النظرة البعيدة والرؤية الشاملة مع إعمال العقل وترشيد الفكر، لأن الله لم يخلقنا لكي نمضي بلا وعي في كل اتجاه، لكنه دعانا إلى التدبر والتفكر وبدأ الذكر الحكيم بالدعوة إلى القراءة، فالمعرفة والعلم سلاحان يمضي بهما الإنسان نحو غاياتٍ يسعى إليها وأهدافٍ تؤدي إلى صلاح الأمة واستقرار شعوبها.
* ثالثاً: عندما يطل الإرهاب بوجهه الكئيب فإنه يترك بصماتٍ غائرة على الشخصية الإسلامية والهوية التي تشكلت مع الحضارة العربية ويسيء إلى ملايين المسلمين في بقاع الأرض وينشر الفكر الظلامي في كل اتجاه، لذلك فإن الإرهاب هو آفة العصر وهو مصدر التراجع في كل ما يتصل بحياتنا، وهو الذي أدى إلى ظهور مصطلح «الإسلاموفوبيا»، أي مجموعة المخاوف الناجمة عن كلمة الإسلام واعتباره المسؤول عن الفلسفة الإجرامية للتطرف والغلو والعدوان، وتمزيق أواصر الأمة وتفتيت وحدتها، مع أنني شخصياً أظن أن الإرهاب المتسربل بعباءة الدين وعمامة الإسلام هو أبعد ما يكون عنهما، ولكن ذلك هو قدرنا في ظل إعلام يعادي تقدمنا ويرفض الاعتراف بسماحة ديننا ورشد تفكيرنا. وأظن أن الإرهاب صناعة مستوردة من خارج إطار الدعوة الإسلامية ومدسوس علينا بهدف تعويق المسيرة وتشويه الصورة ودمغ الإسلام بما ليس فيه.
.. لقد أردت من هذه السطور أن ألفت النظر إلى مخاطر استخدام تعبير الإسلاموفوبيا وترديد ذلك المصطلح في الكتابات المطروحة من جانب غيرنا ونحن نتحمل الإساءة لديننا، ولن نستطيع أن نجدد خطابه الدعوي إلا بأن تلتقي كلمتنا على ضرورة الإصلاح الديني والاجتماعي تحت مظلة ثقافية عصرية شاملة.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى