أقلام وأراء

شيرين وحّدت فلسطين وفضحت جرائم إسرائيل

د. مصطفى البرغوثي

د. مصطفى البرغوثي ١٥-٥-٢٠٢٢م

وحّدت شيرين أبو عاقلة الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته واتجاهاته، والذي أصرّ على تشييع جثمانها من شوارع مخيم جنين ومدينتها وأزقتهما، ونابلس وأحيائها، وعبر قرى الضفة الغربية وصولا إلى رام الله، والقدس التي شهدت واحدةً من أكبر الجنازات الشعبية في تاريخها رغم أنف الاحتلال وقمعه الوحشي. 
كأننا رأينا شيرين تخرج من كفنها صباح يوم الجمعة، لتفضح إجرام الاحتلال الفاشي مرّة أخرى، وجنوده ينقضون بوحشيةٍ على المشيعين الذين يحملون تابوتها، وعلى أعلام فلسطين التي تكلّله. لم يسقط تابوت شيرين، ولم تسقط أعلام فلسطين في ساحة المستشفى الفرنسي، بل سقط الاحتلال الفاشي العنصري وسمعته في وحلٍ من الدناءة المخزية. 
وحتى في جنازتها شدّت شيرين انتباه العالم كله إلى معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال ونظام الأبارتهايد والتمييز العنصري الإسرائيلي. ولم يكن ذلك غريبا، لأن مراسلة قناة الجزيرة، شيرين أبو عاقلة، دخلت كل بيت فلسطيني، وكانت ضيفة مرحبا بها من كل عائلة فلسطينية. وتربى مع صوتها وصورتها، وهي تنقل الحقيقة في فلسطين، وعن فلسطين، جيل بكامله على مدار خمسة وعشرين عاما. ولذلك كان الإحساس بفاجعة فقدانها شاملا لكل الفلسطينيين، ولكل من تابع على امتداد ربع قرن تقاريرها على محطّة الجزيرة، وكذلك لكل من شعر بفداحة جريمة جيش الاحتلال في اغتيال صحفيةٍ تميزت دوما بمهنيتها وموضوعيتها، ورزانة تقاريرها، وشجاعتها في الوصول إلى مواقع الخطر، من أجل نقل الحقيقة.

وربما يذكّر استشهادها على يد جيش الاحتلال العنصري، بتاريخ طويل من الاعتداءات والجرائم التي يمارسها ضد حرية الصحافة، والصحفيين الذين يكابدون معاناةً لا توصف، لممارسة مهنتهم النبيلة. فمنذ عام 2000، استشهد برصاص الاحتلال الإسرائيلي 55 صحفيا، منهم محمد شاهين وعبد الحميد الكولك ويوسف محمد أبو حسين أثناء العدوان على قطاع غزة عام 2021. ومنهم عزيز يوسف التنح الذي استشهد برصاصة إسرائيلية في الرأس، تماما كما جرى لشيرين. ومنهم عماد أبو زهرة الذي استشهد في أثناء مجزرة مخيم جنين، وغطت شيرين استشهاده قبل عشرين عاما، لتعود إلى المكان نفسه، وتستشهد بالطريقة نفسها في مخيم جنين الذي أحبّته لنقائه، ووحدة مناضليه، وصلابة سكانه.
وثّقت مؤسسة مراسلون بلا حدود اعتداءات جيش الاحتلال ضد 144 صحفيا وصحفية، فلسطينيين وأجانب، خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وشمل ذلك إطلاق النار والرصاص الحي عليهم، والرصاص المعدني، وقنابل الصوت، وقنابل الغاز، والضرب والسحل والتنكيل. وأكدت لجنة دعم الصحفيين وقوع 653 انتهاكا ضد الإعلاميين الفلسطينيين في عام 2021 وحده. ولم يقتصر قتل الصحفيين على الفلسطينيين، إذ قتل الجيش الإسرائيلي الصحفي البريطاني، جيمس ميللر، في أثناء إعداده فيلما وثائقيا في رفح عام 2003، كما أودى بحياة الصحفي التركي جودت كيللر في أثناء اقتحام سفينة أسطول الحرية في مايو/ أيار من عام 2010. وإلى جانب الصحفيين، برع جيش الاحتلال في اغتيال الأطباء، والمسعفين والممرضين وهم يؤدّون واجبهم الإنساني كما جرى لمسعفة الإغاثة الطبية رزان النجار التي قتلت برصاصة قناص إسرائيلي في القلب، وهي تسعف الجرحى عام 2018 في قطاع غزة.

لن يكفي التحقيق في الإعدام الميداني الذي نفذه جنود الدوفدوفان (المستعربون) الإسرائيلي ضد شيرين أبو عاقلة، ولن تكفينا معاقبة من نفّذوا الاغتيال البشع، إنْ عوقبوا، لأن التحقيق والعقوبات يجب أن لا يقتصرا على من اغتالوا شيرين أبو عاقلة، وجرحوا زميلها الشجاع علي السمودي، ويجب أن لا يقتصرا على كل من قتل صحفيا أو طبيبا أو مسعفا، بل ما يجب التحقيق فيه وتنفيذ العقوبات ضده هو منظومة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلية بكاملها، وهي تشمل حكام إسرائيل السابقين والحاليين، بمن فيهم رئيس حكومتها الحالي نفتالي بينت رئيس الكيان، ووزير جيش الاحتلال غانتس، اللذان حاولا التغطية على الجريمة بنشر الأكاذيب، كما تشمل جيش الاحتلال بكامله، والمنظومة الإسرائيلية العنصرية بكل مكوّناتها العسكرية، والاستخبارية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية، لأنها توفر البيئة العنصرية المتطرّفة، وتنتج الفاشيين من طراز عضو الكنيست بن غفير الذي لم يتورّع، في لحظة استشهاد شيرين أبوعاقلة، عن تشجيع الجيش الإسرائيلي على إطلاق النار على الفلسطينيين، وعلى الصحفيين الذين، حسب رأيه، يعرقلون عمل هذا الجيش.
من يجب أن يعاقب هم أولئك المسؤولون عن استشهاد ما لا يقل عن مائة ألف فلسطيني منذ عام 1948، وعن التطهير العرقي والتهجير لما أصبح اليوم 6.5 ملايين فلسطيني، وعن الاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، ومنظومة الأبارتهايد والتمييز العنصري التي تُجمع منظمات حقوق الإنسان على أنها أسوأ من نظام الأبارتهايد الذي ساد في جنوب أفريقيا. ومن كان صادقا في إدانته اغتيال شيرين أبو عاقلة يجب أن يطالب بفرض العقوبات والمقاطعة على المنظومة التي اغتالتها.

تحمل شيرين، بالإضافة إلى مواطنتها الفلسطينية، الجنسية الأميركية، ولكم أن تتخيّلوا ردود فعل الإدارة الأميركية، وقنوات التلفزة الغربية، لو أنها استشهدت في أوكرانيا وليس في فلسطين. ولذلك، الصدق في إدانة اغتيالها يفرض أيضا إدانة ازدواجية المعايير الدولية، عندما يتعلق الأمر بفلسطين، وتغيير كل السياسات التي سمحت لحكام الاحتلال وجيشه أن يكونوا فوق القانون الدولي، محصّنين من المحاسبة والمساءلة، رغم وضوح جرائم الحرب التي يرتكبونها.
لم تمت شيرين أبو عاقلة لحظة استشهادها، بل واصلت عملها وأداء دورها النبيل في نقل حقيقة ما يجري في فلسطين إلى العالم بأسره، وصار استشهادها الشهادة الأكبر على الظلم الذي يعيشه شعب فلسطين، والمحفّز على النضال من أجل الخلاص منه. كما صار الوفاء لها إكمال رسالتها بإيصال الحقيقة إلى العالم، وعدم السماح لمرتكبي جريمة إعدامها بالإفلات من العقاب. وما رأيناه في ذلك السيل البشري العارم من آلاف الفلسطينيين يشيّعونها، ويقهرون إرادة الاحتلال في القدس، لم يكن مجرّد تشييع جثمان مهيب لشهيدة الحقيقة والكلمة الحرّة، بل كان أيضا تأكيدا بأن الانتفاضة الشعبية الفلسطينية تنهض، وتعود مرة أخرى إلى فلسطين، كما ينهض طائر العنقاء من الرماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى