أقلام وأراء

د. مصطفى البرغوثي: جرائم الاحتلال والهروب من المسؤولية

د. مصطفى البرغوثي 2-9-2022م

لفت نظري تعليق بعض الجهات الرسمية الأوروبية على العدوان الإسرائيلي الجديد على قطاع غزة والذي أودى بحياة 48 فلسطينياً منهم 18 طفلاً، إذ طالب التعليق الأوروبي “بتحقيق شامل ومحايد في قتل المدنيين ولا سيما النساء والأطفال”.

ورغم أن هذه المطالبة أمر إيجابي، فإننا نعلم جميعاً أنها لن تلقى أي إهتمام من جانب الطرف المجرم، أي حكام إسرائيل وقادة جيشها.

وحكومات العالم، تعرف أن إسرائيل تواصل منع جميع لجان التحقيق الدولية في جرائمها من الوصول إلى فلسطين، وترفض التعامل معها، بل لا تتورع عن وصف أعضائها باللاسامية.

وقبل المطالبة بالتحقيق في جريمة الإحتلال الأخيرة في غزة، كانت هناك مطالبات رفضتها إسرائيل من عدد كبير جداً من دول العالم بتحقيق نزيه ومحايد في مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة، مع أن وقائع إعدامها ميدانياً كانت واضحة، ومؤكدة حتى من دون أي تحقيق.

وقبل أيام قتل جيش الإحتلال الشاب محمد شحام، وعمره واحد وعشرون عاماً بإطلاق الرصاص من مسافة صفر على رأسه في الساعة الثالثة صباحاً في منزله، وتركوه ينزف أمام عائلته لأربعين دقيقة حتى الموت، ثم قال أحد الضباط لوالدته أنهم قتلوه خطأ، لأنهم دخلوا المنزل الخطأ.

محمد كان في مقتبل الشباب، عامل كادح، يرعى إثنين من إخوته المكفوفين، وفطرت أمه قلوبنا، وهي تنوح يوم إستشهاده، وتقول “قتلتوه بالخطأ، أعيدوه لي بالخطأ”.

القتل لم يكن خطأً بل نهجاً يتبعه جيش الإحتلال ببرودة ووحشية،و منذ بداية هذا العام قتل الاحتلال ١٣٨ شهيداً فلسطينياً، معظمهم من المدنيين، بما في ذلك عشرات النساء والأطفال.

لم يُحقق أحد، ولم يُعاقب أحد على قتل المسعفة رزان النجار وهي تسعف الجرحى في قطاع غزة، ولم يحاسب أحد على قتل الشاب ساجد مزهر ابن الستة عشر عاماً وهو يحاول إسعاف جريح في مخيم الدهيشة، وكلاهما متطوعان في الاغاثة الطبية الفلسطينية.

ولم يجر تحقيق، أو محاسبة لقتلة عايدة سباتين وهي أرملة عمرها ست وأربعون عاماً، وأم لستة أطفال، كانت تعاني من عجز في البصر، أطلق جنود الاحتلال النار عليها أمام حاجز عسكري في منطقة بيت لحم، وتركوها تنزف حتى الموت.

المطالبة بالتحقيق لم تعد تشفي غليلاً، أو تحقق هدفاً، بل صارت للآسف وسيلة للهروب من المسؤولية، وتجنباً لمحاسبة إسرائيل وحكامها، ونموذجاً لازدواجية المعايير، عند المقارنة بين ما تفعله الحكومات، التي تكتفي بالمطالبة بالتحقيق في حالة فلسطين، وتفرض ستة آلاف عقوبة على روسيا في غضون شهر واحد من الحرب الأوكرانية.

والمقارنة نفسها تنطبق على موضوع إحالة جرائم الحرب الإسرائيلية إلى محكمة الجنايات الدولية. إذ تلقت هذه المحكمة ما يكفي من القضايا والأدلة الدامغة للبدء بالتحقيق، بل أن هيئتها القضائية حسمت الذرائع بقرارها انطباق معايير التحقيق في محكمة الجنايات على فلسطين، ومع ذلك فإن المدعي العام للمحكمة كريم خان، وهو بريطاني الجنسية، يُخضع نفسه للضغوط الأمريكية والإسرائيلية ويواصل التهرب من فتح تحقيق في فلسطين، في قضايا عمر بعضها ثلاثة عشر عاماً، بينما يبدأ التحقيقات في أوكرانيا بعد أقل من شهرين فقط على بدء الحرب فيها.

بل أن اللجنة الفلسطينية المخولة بمتابعة قضايا محكمة الجنايات الدولية لم تجتمع منذ أكثر من عامين، ومع كل جريمة جديدة تتعالى الأصوات والتهديدات بإحالة هذه الجرائم لمحكمة الجنايات الدولية، وكأن إسمها صار شماعة لترحيل العجز عن القيام بجهد جاد في مواجهة هذه الجرائم الإسرائيلية المتتالية.

المطالبة بالتحقيق لا تغني ولا تعوض، عن الفعل الحقيقي المطلوب وهو فرض العقوبات والمقاطعة على نظام الإحتلال و الأبارتهايد الإسرائيلي. وذلك أمر تستطيع القيام به كل حكومة، وحزب، وبرلمان، ومؤسسة وشركة، دون الحاجة إلى إذن من أحد، أو قرار جماعي من هياكل تنتمي إليها.

ولكن ما نراه حتى اليوم، وباستثناء حركة المقاطعة وفرض العقوبات (BDS) وما تقوم به منظمات التضامن مع الشعب الفلسطيني، هو تهرب متواصل من مجرد فكرة فرض العقوبات على نظام يمارس الاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، و نظام الأبرتهايد العنصري الأسوأ في تاريخ البشرية.

ورغم كل الجرائم، المخفية والواضحة، تواصل معظم الحكومات الغربية، السماح لإسرائيل بأن تكون فوق القانون الدولي، مُتمتعة بحصانة كاملة من المحاسبة والمساءلة.

بل أن بعض الحكومات تمارس العقوبات ضد من يدعون لمقاطعة نظام الإحتلال، وتفرض تصنيفات الإرهاب على من يناضلون ضد القهر والظلم والاضطهاد العنصري الإسرائيلي.

أما بعض الحكومات العربية فتنغمس، على عكس رغبات وإرادة شعوبها، بالتطبيع مع إسرائيل، وتبحث في ثنايا الخلافات الفلسطينية عن مبرر لسلوكها غير المبرر تجاه الشعب الفلسطيني، وتجاه القانون الدولي نفسه.

أدرك الشعب الفلسطيني وأجياله الشابة عبر التجارب القاسية، أن الاحتلال لن يرتدع إلا بتغيير ميزان القوى، وأنه لا يفهم إلا لغة القوة، وأن تغيير ميزان القوى لا يتحقق إلا بالمقاومة بكل أشكالها على الأرض، و بحملة دولية شاملة لفرض المقاطعة والعقوبات على منظومة الاحتلال.

وهو لن يعارض النوايا الحسنة لمن يطالبون المرة تلو الأخرى بالتحقيق، ولكنه لا يستطيع أن يسمح لأي كان بإستخدام تلك المطالبات للتهرب من المسؤولية الأخلاقية، والقانونية، والإنسانية تجاه الظلم الفادح الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، أو لتخدير الضمائر التي تضطرب مع كل جريمة إسرائيلية جديدة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى