#شؤون فلسطينية

د. مروان إميل طوباسي: بين الضم وهندسة الشرق الأوسط، أين يقف الفلسطينيون؟

د. مروان إميل طوباسي 8-3-2026: بين الضم وهندسة الشرق الأوسط، أين يقف الفلسطينيون؟

ملخص الأفكار :

👈 ما يجري في المنطقة ليس مجرد مواجهة عسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بل محاولة لإعادة رسم ميزان الردع وهندسة الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً.

👈 العدوان على إيران ولبنان يترافق مع محاولات جرّ بعض الدول العربية إلى صراعات إقليمية وتحييد أخرى، بما يخدم إعادة تشكيل التحالفات وفق الاستراتيجية الأمريكية، بينما يبقى الدفاع عن النفس حقاً مشروعاً وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

👈 تاريخ المنطقة يُظهر أن الحروب كانت غالباً مدخلاً لتحولات سياسية كبرى، من النكبة واحتلال 1967 إلى الخروج القسري من بيروت وغزو العراق والحروب اللاحقة بحق غزة ، بما سمح بتدرج تنفيذ المشروع الصهيوني.

👈 العدوان الحالي يسعى إلى ثلاثة أهداف رئيسية:
📍 إعادة تثبيت الردع الإسرائيلي.
📍 تقليص النفوذ الإقليمي لإيران وحلفائها.
📍 إنشاء منظومة أمنية إقليمية تكون إسرائيل في مركزها.

👈 في ظل هذه التحولات، تبدو إسرائيل وكأنها انتقلت من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه عبر :
📍 التهجير القسري للفلسطينيين.
📍 أو الضم الكامل للضفة مع فرض نظام فصل عنصري ، مع فصل غزة في اطار مشروع مجلس السلام .

👈 رغم خطورة سيناريو الضم، فإنه لا يعني نهاية القضية الفلسطينية، بل قد يفتح مرحلة جديدة من الصراع السياسي والحقوقي، بعد تآكل فرضية حل الدولتين التي تأسس عليها المسار السياسي منذ إعلان الأستقلال واتفاق أوسلو .

👈 فرض واقع كيان واحد بين النهر والبحر سيضع إسرائيل أمام معضلة ديموغرافية وسياسية، رغم محاولتها تجاوزها بفصل غزة وتدوير شكل الاحتلال فيها.

👈 مواجهة هذه المرحلة تتطلب إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني عبر:
📍 إعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس ديمقراطي.
📍 توسيع تدويل القضية في المحافل الدولية.
📍 تطوير أدوات النضال السياسي والتشبيك مع القوى العالمية المناهضة للاستعمار والعنصرية وحركات الحقوق المدنية ، والمقاطعة .

👈 التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سياسات الخصم ، بل في قدرة الفلسطينيين على إعادة بناء وحدتهم وتجديد مشروعهم التحرري واستمرار تدويل قضيتهم في الأروقة الأممية الشرعية ومحاكمها .

👈 أزمة النظام السياسي الفلسطيني اليوم هي أزمة مركبة تجمع بين أزمة القيادة وأزمة البنية السياسية التي تشكلت بعد أوسلو ولم تعد قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية.

👈 المطلوب اليوم وضوح المشروع الوطني التحرري والعودة للشعب كمصدر للشرعيات ، والتمسك بالحقوق الثابتة وعلى رأسها حق تقرير المصير في فلسطين .

المقال كاملاً :

ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مواجهة عسكرية بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى التي تنفذ عدوانها الغاشم اليوم ضد إيران ولبنان ومحاولة توريط دول عربية في صراع مع إيران . فهذه المواجهة ، بكل ما تحمله من تصعيد عسكري وسياسي ، تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم ميزان الردع في الشرق الأوسط ، بل وإعادة هندسة الإقليم بأكمله وفق معادلات جديدة، استكمالاً لما جرى منذ أحداث ما سُمي بالربيع العربي وصولا للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في غزة واستنساخه لاحقا بالضفة الغربية .

التجارب السابقة تشير إلى أن الحروب في المنطقة لم تكن مجرد حروب عسكرية ، بل كانت دائماً مقدمة لتحولات سياسية أوسع نفذت من خلالها الحركة الصهيونية مشروعها بشكل متدحرج . فما جرى بعد غزو العراق ٢٠٠٣ كان مثال واضح ، وقس على ذلك ما حدث في سوريا لاحقاً ، ومن ثم في حالات إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي كما جرى منذ بداية الاستيطان الصهيوني بجريمة النكبة وأحتلال عام ١٩٦٧ ومن ثم الخروج القسري من بيروت عام ١٩٨٢ ولاحقا عدوان الإبادة في غزة وغيرها من التفاصيل والأحداث التي مررت علينا . حيث لم يؤدي إسقاط الأنظمة إلى تغيير داخلي فقط ، بل فتحت الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية .

اليوم ، تبدو الأهداف المعلنة وغير المعلنة للعدوان العسكري الجاري مرتبطة بثلاثة محاور أساسية :
– إعادة تثبيت الردع الإسرائيلي بعد التحديات التي واجهتها إسرائيل في السنوات الأخيرة.
– تقليص النفوذ الإقليمي لإيران وشبكة حلفائها في أكثر من ساحة ، زادخال منطقة الخليج في أتون صراعات جديدة .
– إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يسمح بإنشاء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط تكون إسرائيل جزءاً مركزياً فيها ، بل والمهيمنة .

وفي هذا السياق يطرح الكاتب السياسي الصديق عبد المجيد حمدان “أبو وديدة” في مقاله الأخير قراءة تستحق التوقف عندها ، ليس لأنها تقدم تنبؤاً بمستقبل القضية الفلسطينية ، بل لأنها تحاول التفكير خارج القوالب التقليدية التي ظل الخطاب السياسي الفلسطيني يدور داخلها لسنوات طويلة . فالمقال ينطلق من ملاحظة شبه بديهية اليوم ، وهي أن الحديث المتكرر عن أن “القضية الفلسطينية تمر بمرحلة هي الأخطر في تاريخها” لم يعد كافياً ما لم يقترن بإعادة نظر حقيقية في طبيعة المرحلة نفسها وفي الأدوات السياسية القادرة على التعامل معها .

لقد تأسس المشروع السياسي الفلسطيني المعاصر منذ وثيقة اعلان الإستقلال على فرضية أساسية مفادها أن التسوية السياسية وفق مبدأ حل الدولتين ستبقى الإطار الواقعي الممكن لحل الصراع . هذه الفرضية ترسخت بعد توقيع “اتفاقية أوسلو”، وجرى بناء بنية سياسية ومؤسساتية كاملة على أساسها . غير أن الوقائع التي تراكمت على الأرض منذ ذلك الحين ، وخصوصاً التوسع الاستيطاني والضم الزاحف في الضفة الغربية ، أخذت تقوض تدريجياً الأسس الواقعية لهذا التصور .

من هنا تأتي أهمية النقطة التي يثيرها ” أبا وديدة” عندما يشير إلى أن إسرائيل قد تكون انتقلت بالفعل من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة محاولة حسمه عبر أحد خيارين رئيسيين وهما ، التهجير القسري الواسع ، أو الضم الكامل مع فرض نظام فصل عنصري . وهذه القراءة لا تبدو بعيدة عن النقاشات التي تجري داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه ، خاصة في أوساط اليمين الديني والقومي المتطرف الذي يمثله اليوم نتنياهو ووزراء مثل بن غفير وسموتريتش ، والذين لا يخفون رؤيتهم القائمة على فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على كل أرض فلسطين التاريخية ، بل وبكل اوساط الأحزاب الصهيونية التي باتت ترفض مبدأ حل الدولتين برفضها تجسيد أقامة الدولة الفلسطينية .

لكن النقطة الأكثر إثارة في طرح الكاتب عبد المجيد حمدان “أبو وديدة”، لا تتعلق بتوصيف السياسة الإسرائيلية بقدر ما تتعلق بالاستنتاج الذي يصل إليه . فهو يرى أن سيناريو الضم ، على قسوته وخطورته ، قد لا يمثل بالضرورة نهاية القضية الوطنية الفلسطينية ، بل ربما يفتح طوراً جديداً من الصراع يختلف في طبيعته وأدواته عما عرفناه خلال العقود الماضية . ففي حال فرض واقع سياسي واحد على كامل الأرض بين النهر والبحر ، مع بقاء الملايين من الفلسطينيين على أرضهم ، سيجد النظام الإسرائيلي نفسه أمام معضلة ديموغرافية وسياسية عميقة لطالما حذرت منها دوائر التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلية ، وهو ما يفتح الباب أمام تحول تدريجي في طبيعة الصراع ، من صراع بين شعب خاضع للأحتلال ودولة أحتلال ، إلى صراع حول طبيعة النظام السياسي نفسه والديمقراطية والمواطنة داخل كيان واحد ، اي العودة الى طرح الدولة الواحدة والتي لن تسمح بها العقلية الصهيونية لان تكون ديمقراطية ، بل بما ستجسده من مفاهيم الفوقية اليهودية والابرتهايد . الامر الذي يستدعي من جهة اخرى البناء على تضحيات شعبنا وحركته الوطنية بربط ذلك باستمرار النضال من اجل حق تقرير المصير بعض النظر عما سيكون عليه شكل الحل السياسي المقبل .

غير أن هذا التحول ، إن حدث ، لن يكون تلقائياً ولا بسيطاً . فالدخول في طور جديد من الصراع يتطلب قبل كل شيء إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني نفسه ، وهو أمر لم تبدأ ملامحه بعد بشكل واضح في الخطاب السياسي الرسمي . فبينما يستمر الحديث عن ضرورة الوحدة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات السياسية ، لا يزال النقاش حول طبيعة الاستراتيجية المطلوبة للمستقبل محدوداً ومتردداً .

وفي هذا السياق تبدو المفارقة التي يختم بها الصديق عبد المجيد حمدان مقاله ، حين يقترح استبدال مقولة دافيد بن غوريون الشهيرة ” أعتمد على المفتي” بعبارة ” أعتمد على بن غفير” ، تعبيراً رمزياً عن فكرة أن تطرف اليمين الإسرائيلي قد يقود ، على المدى البعيد ، إلى نتائج معاكسة لما يسعى إليه . فالتطرف غالباً ما يدفع الأنظمة السياسية إلى خيارات قصوى تكشف تناقضاتها البنيوية أمام العالم .

غير أن الرهان على أخطاء الخصم أو تناقضات نظامه وحدها لا يكفي لبناء استراتيجية وطنية ناجحة بأعتقادي . فالتجارب التاريخية تظهر أن التحولات الكبرى في مسار الصراعات لا تنتج فقط عن تناقضات الخصم ، بل أيضاً عن قدرة الطرف المقابل على الإستفادة العملية منها وتطوير رؤيته وتنظيم قواه وإعادة تعريف أدوات نضاله بما يتناسب مع طبيعة المرحلة بما لا يتنكر لمسيرة كفاح شعبنا الطويلة ودورها في مقاومة الأحتلال .

في ظل هذه التحولات الجارية ، يبرز خطر حقيقي يتمثل في تراجع القضية الفلسطينية من موقعها المركزي في السياسة الإقليمية والدولية ، وتحولها إلى ملف ثانوي داخل صراعات أكبر تتعلق بتصعيد سياسات الهيمنة الأمريكية وإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط واعادة هندسته ، اذا لم نُحسن من أدائنا على كافة المستويات وحُسن قرائة الوقائع السياسية .

لكن في المقابل ، فإن هذا الواقع يطرح أيضاً أسئلة صعبة علينا نحن الفلسطينيين أنفسنا . فالتحدي لا يكمن فقط في التحولات الخارجية ، بل أيضاً في قدرة نظامنا السياسي الفلسطيني على التعامل معها بفعالية . فالأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني اليوم هي في جوهرها أزمة مركبة ، تجمع بين أزمة القيادة وأزمة البنية السياسية في آن واحد . فمن جهة ، أدى الأنقسام السياسي وأسبابه منذ عام ٢٠٠٧ وما تبعه من تداعيات بإدارة الأنقسام بدل حله ، إلى إضعاف القدرة على صياغة استراتيجية وطنية موحدة ، بما اتاح للعالم بان يتعامل مع طرفين حتى اليوم رغم ما أدى له عدوان الإبادة على غزة ومن ثم مشروع تدوير الأحتلال فيها من خلال مشروع ترامب . ومن جهة أخرى ، فإن البنية السياسية التي تشكلت بعد “اتفاقية أوسلو” خلقت واقعاً سياسياً عاجزاً عن مواكبة التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين على الأقل ، او بتحول كيان السلطة وفق إتفاقية الحكم الذاتي الى إنهاء الأحتلال وتجسيد الدولة فعلياً .

هذه العلاقة بين أزمة القيادة وأزمة البنية هي علاقة جدلية ، فالبنية السياسية القائمة تعيد إنتاج نمط معين من القيادة ، بينما تميل القيادة بدورها إلى الحفاظ على البنية التي تستمد منها شرعيتها والتي غاب عنها شكل المرجعية الثورية أو الأنتخابية منذ عقدين . ونتيجة لذلك ، يدخل النظام السياسي في حلقة من الجمود تعيق أي تحول استراتيجي حقيقي في ظل ضعف وأضعاف دور الحركة الوطنية وبالمقدمة منها “فتح” بافتراض دورها الطبيعي كحركة تحرر وطني تقود مكانة منظمة التحرير ودورها في تمثيل شعبنا الفلسطيني .

ومع ذلك ، فإن مواجهة هذه التحديات تظل ممكنة إذا ما توفرت رؤية سياسية واضحة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة :

– إعادة بناء الوحدة الوطنية المجتمعية والسياسية الفلسطينية الواسعة والعابرة للفصائل على انني. دورها ، وعلى قاعدة الديمقراطية الأنتخابية وفهم واضح لطبيعة المشروع الوطني في ظل المتغيرات الأستيطانية ومشروع أسرائيل الكبرى ، كما والتحولات الإقليمية في زمن هيمنة الدور الامريكي المتوحش .

– توسيع تدويل القضية الفلسطينية في المحافل والمحاكم الدولية وعلى المستويات الشعبية في دول العالم وشوارعه كجزء من حركة الحقوق المدنية الدولية المعادية للإستعمار والعنصرية .

-تطوير أدوات النضال السياسي بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والدولية ، والتموضع الفلسطيني السليم على مستوى العلاقات الدولية الرسمية والشعبية مع قوى العالم التقدمية الرافضة للهيمنة الأمريكية ومنها القوى اليهودية المعادية للصهيونية حول العالم .

إن ما يجري اليوم في المنطقة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتوقف على مسار ونتائج العدوان الامريكي الإسرائيلي القائم .

لكن موقع القضية الفلسطينية في هذه المرحلة لن يتحدد فقط بما تقرره القوى المهيمنة ، بل أيضاً بمدى قدرتنا نحن على إعادة بناء مشروعنا الوطني على أسس أكثر وحدة وفعالية وعقلانية ووضوحه بعيدا عن ما يسمى بقبول الأمر الواقع تحت ذريعة “الواقعية السياسية” ، وأستثمار فرص التحولات الإقليمية لمصلحة حقوقنا الوطنية ، ولضرورة التفكير غير التقليدي بما يجدد دور الحركة الوطنية الفلسطينية وبالمقدمة منها حركة “فتح” كحامل للتحرر في ظل هذه المستجدات والبناء على الحوار الوطني الأخير بالقاهرة مع الجبهة الشعبية والديمقراطية ومكونات منظمة التحرير الاخرى كشركاء . وفهم التحولات ليس فقط على مستوى الأقليم بل والعالم في ظل تقويض القانون الدولي وغياب شكل واضح ومنظم للنظام الدولي المفترض .

ففي لحظات التحول الكبرى ، لا يكون أخطر ما يواجهه أي شعب هو قوة خصومه ، بل عجزه عن إدراك أن مرحلة كاملة قد أنتهت بشكلها السابق كجزء من حركة التاريخ وأن مرحلة جديدة بدأت بالفعل بما تستوجب المراجعة النقدية والجرأة في وضوح الإرادة السياسية ووضوح المشروع الوطني التحرري والعودة للشعب كمصدر السلطات والتمسك بالحقوق الثابتة وعلى رأسها الحق بتقرير المصير وإتاحة الطريق من اجل تحديد الشرعيات وتجديدها .

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى