أقلام وأراء

أزمة العراق بين الصفقات والرهانات

د. محمد السعيد إدريس

د. محمد السعيد إدريس ٢٩-٤-٢٠٢٢م

تخوض الكتل والتحالفات السياسية العراقية المتنافسة صراعاً، كلٌّ من وجهة نظره، للخروج من مأزق «الانسداد السياسي» الذي فرض نفسه بعد ثلاثة من جولات انتخاب رئيس للجمهورية منيت كلها بالفشل، كانت الجولة الأولى في 7 فبراير/ شباط الماضي، والثانية في 26 مارس/ آذار الماضي، والثالثة في 30 مارس/ آذار الماضي. في الجولة الثانية دخل الطرفان المتنافسان الكبيران: تحالف «إنقاذ وطن» بزعامة مقتدى الصدر ويضم الكتلة الصدرية وتحالف «السيادة» بزعامة محمد الحلبوسي وخميس الخنجر والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، أما التحالف الثاني فهو التحالف الثلاثي الذي يضم «الإطار التنسيقي» (الشيعي) مع كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف «عزم» السني.

 كان التحالف الأول يحشد لإكمال النصاب المطلوب لانتخاب الرئيس (220 نائباً) في حين كان التحالف الآخر يقوم بعملية «حشد مضادة» لمنع النصاب لإفشال مسعى الصدر وتحالفه انتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم انتخاب رئيس الحكومة. في تلك الجولة عمل الصدر على استمالة الجزء الأكبر من كتلة المستقلين لكنه لم يستطع تجميع أكثر من 202 نائب فقط، ومن ثم لم يتحقق شرط ثلثي البرلمان المطلوب أي 220 نائباً، بعدها بأيام جاءت الجولة الثالثة على أمل تحقيق وإنجاز ما فشلت الجولة الثانية في تحقيقه لكن الفشل جاء مدوياً؛ إذ لم يستطع الصدر تجميع غير 175 نائباً وهو أقل بكثير مما حشده في الجولة الثانية.

 بعد هذا الفشل حاولت جماعة «الإطار التنسيقي» الظهور بمظهر المنتصر ومن ثم عملت على الترويج لمبادرة تسوية للأزمة مع الصدر، لكنه بادرهم بإعلان رفضه لأي توافق معهم وقال في تغريدة «لن أتوافق معكم. فالتوافق يعني نهاية البلد.. لا للتوافق بكل أشكاله.. فلا خير في حكومة توافقية محاصصاتية»، بعدها فاجأهم الصدر (أول إبريل/ نيسان الجاري) بمنحهم مهلة 40 يوماً تبدأ من الأول من شهر رمضان المبارك وتمتد إلى التاسع من شهر شوال المقبل لتشكيل حكومة جديدة، أي أنه رمى بالكرة في ملعبهم ليشكلوا هم الحكومة لوضعهم هم أيضاً أمام «العجز» الذي يمنعه من تشكيل الحكومة. 

 من هنا، وكما يعتقد كثيرون، بدأ «الإطار التنسيقي» عملية تفكيك مكونات تحالف «إنقاذ وطن» سواء بالوقيعة بين التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني على خلفية اتهام الحزب بالتورط في علاقات مع إسرائيل على حسب ما جرى ترويجه عقب عملية إطلاق الصواريخ الإيرانية على أربيل عاصمة كردستان العراق، أو بإضعاف قوة تحالف السيادة بين محمد الحلبوسى وخميس الخنجر، عبر ما أخذ مسمى «حديث الصفقات» مع أطراف وزعامات سنية كبيرة منافسة للحلبوسي حليف الصدر.

 تركزت تلك الصفقات في إطلاق سراح وزير المالية الأسبق رافع العيساوي، وهو من أبرز القيادات السنية بعد عام 2003، بعد ما طاردته تهم إرهاب وفساد منذ عام 2013، وتعتبرها أوساط مقربة منه كيدية دبرت له خلال رئاسة نوري المالكي للحكومة. كما تصاعد الجدل حول الصفقات عقب ظهور شيخ قبائل الدليم علي الحاتم سليمان في بغداد، بعد تسوية قضية الاتهامات ومذكرات القبض التي كانت تلاحقه على خلفية تهم إرهاب منذ عام 2013، وهو العام الذي تفجرت فيه الاحتجاجات الشعبية في محافظة الأنبار (غرباً) ضد سياسات المالكي. ثم بدأ الحديث عن تسوية قضائية مماثلة لملفي طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الأسبق المقيم في تركيا والنائب السابق أحمد العلوني المسجون على خلفية قتل عنصرين أمنيين بعد مداهمة منزله في الرمادي بمحافظة الأنبار.

 تساؤلات كثيرة أخذت تفرض نفسها حول دور القضاء في هذه الصفقات ودور زعماء «الإطار التنسيقي» خاصة نوري المالكى، ذلك أن تلك الصفقات توظف في غير صالح زعامة الحلبوسي للمكون السني.

 وفي إطار البحث عما سيحدث بعد انقضاء مهلة الأربعين يوماً التي أعطاها الصدر لمنافسيه لانتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة الجديدة جاءت المفاجأة الجديدة التي حفزت «الإطار التنسيقي» وحلفاءه المراهنة على حل الأزمة عبر تفاهمات جديدة مع تحالف «إنقاذ وطن» عبر دعم خطوة هذا التحالف بقيادة الصدر على موافقة البرلمان العراقي على مشروع القانون الذي أعلن عنه والذي يجرِّم تطبيع العلاقات مع «إسرائيل». 

هناك من ينظر إلى هذا التوافق على أنه سيكون مدخلاً قوياً لعودة مقتدى الصدر بعد انقضاء المهلة التي أعطاها لمنافسيه ليمتلك مجدداً المبادرة بعد فشلهم في إنجاز ما فشل هو في تحقيقه. لكن هناك من ينظر إلى أن دعم «الإطار التنسيقي» لهذا المشروع بتجريم التطبيع مع إسرائيل يمكن أن يكون مدخلاً لتفاهمات جديدة مع مقتدى الصدر. 

 رهانان، كل منهما له ما يبرره لكن يبقى العراق محاصراً بالصفقات كما هو محاصر بالرهانات.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى