أقلام وأراء

د مجدي جميل شقورة: التعليم في غزة: حين يتحوّل الصمود إلى منهج

د مجدي جميل شقورة ٢٧-١-٢٠٢٦: التعليم في غزة: حين يتحوّل الصمود إلى منهج

تتداول وسائل إعلام تقارير غير مؤكدة حول نية إسناد إدارة التعليم في قطاع غزة إلى دولة الإمارات، بدعم إسرائيلي، تحت شعار ما يُسمّى بـ«الديانة الإبراهيمية». ورغم غياب أي إعلان رسمي يثبت صحة هذه الأنباء، فإن مجرد تداولها يشي بمقاربة سياسية خطيرة تتجاوز البعد التعليمي الظاهر. فالمسألة لا تتعلق بإعادة إعمار مدارس دمّرتها الحرب، بل بمحاولة إعادة تشكيل وعي الإنسان الفلسطيني عبر تفريغ التعليم من مضمونه الوطني والتاريخي، وتحويله إلى أداة تبدو “محايدة” بينما هي منزوعـة الجذور والذاكرة. إنها محاولة لصناعة جيل بلا سردية، وبلا حق في تعريف ذاته أو رواية تاريخه.

الفلسطينيون: أمة علّمت العالم

في مواجهة هذه المقاربة، تفرض حقيقة راسخة نفسها: الفلسطينيون ليسوا شعبًا متخلّفًا يحتاج إلى وصاية تعليمية، بل من بين أكثر الشعوب العربية تحصيلًا علميًا وإسهامًا فكريًا وأكاديميًا. وقد تحقق هذا التفوق داخل الوطن وفي الشتات، رغم الاحتلال والحصار وتقييد الحركة وشحّ الإمكانيات. لم يكن التعليم يومًا مشروعًا عابرًا في التجربة الفلسطينية، بل كان خيارًا وجوديًا ووسيلة بقاء في مواجهة محاولات الاقتلاع.

لقد أسهم الفلسطينيون بفاعلية في بناء المعرفة على المستويين العربي والعالمي. فعلى الصعيد العربي، قدّمت فلسطين مفكرين وأدباء وأكاديميين بارزين، مثل إدوارد سعيد، أحد أعمدة النقد الإنساني المعاصر، ومحمود درويش، الذي شكّلت قصيدته وعي أجيال كاملة، وحنان عشراوي، الأكاديمية والدبلوماسية، إلى جانب عشرات الآلاف من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات الذين شاركوا في بناء مؤسسات تعليمية وعلمية في دول عربية عديدة.

أما عالميًا، فقد برز فلسطينيون في مجالات البحث العلمي، والطب، والهندسة، وريادة الأعمال، والفنون، في كبرى الجامعات والمؤسسات الدولية، حاملين معهم إرث الاجتهاد والقدرة على الصمود رغم المنفى والاقتلاع.

الصمود التعليمي: من تحت الأنقاض

في غزة اليوم، يتواصل هذا الإرث في أكثر ظروفه قسوة. يُدرَّس الأطفال تحت القصف، وفي الخيام، وبين الركام، في البرد والمطر. لم تعد المدرسة جدرانًا وصفوفًا، بل تحوّلت إلى فكرة تُقاوم الفناء. ولم يعد الكتاب مجرد أداة تعليمية، بل شهادة حيّة على إرادة شعب يرفض الانكسار. هذا المشهد ليس استثناءً طارئًا فرضته الحرب، بل امتداد لمسار تاريخي طويل جعل من التعليم سلاحًا معنويًا في معركة البقاء.

الخطر الحقيقي: هندسة الوعي

إن الخطر لا يكمن في تغيير مناهج أو إدخال مساقات جديدة، بل في فصل التعليم عن سياقه الطبيعي: فصله عن الذاكرة، وعن التجربة التاريخية، وعن العلاقة العضوية بين المعرفة والحرية. وأي نقاش جاد حول التعليم في فلسطين يجب أن ينطلق من حقائق لا تقبل المواربة:

1. الفلسطينيون لم يفشلوا يومًا في التعليم، بل نجحوا فيه وعلّموا غيرهم رغم الاحتلال والحصار.

2. المشكلة ليست في المناهج الفلسطينية، بل في واقع الاحتلال الذي يدمّر المدارس ثم يتحدث عن “إصلاح التعليم”.

3. التعليم الفلسطيني لا يحتاج إلى إعادة تعريف من الخارج تحت عناوين “إنسانية” ذات مضمون سياسي، بل يحتاج إلى الحماية: حماية الذاكرة، وحماية الحق في السرد التاريخي، وحماية العلاقة بين المعرفة والتحرر.

ختامًا

في غزة، التعليم ليس قطاعًا إداريًا ولا خدمة عامة فحسب، بل سردية بقاء صاغها شعب آمن بالمعرفة طريقًا للحرية. وكل مشروع يسعى إلى تجريد هذا التعليم من هويته هو محاولة لطمس هذه السردية وإفراغها من معناها. الفلسطينيون، الذين قدّموا للعرب والعالم نماذج فكرية وعلمية رائدة، قادرون على حماية إرثهم التعليمي كما فعلوا عبر العقود. فهم لم يبنوا مدارسهم لأنفسهم فقط، بل أسهموا في بناء عقول أمم أخرى. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، لن يفهم جوهر الصراع، ولا معنى أن يكون التعليم في فلسطين فعل مقاومة وحرية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى