أقلام وأراء

د. ماجد السامرائي – نهاية سلطة الأحزاب الشيعية في العراق

د. ماجد السامرائي ١٤-٣-٢٠٢٢م

دخلت تجربة حكم الأحزاب الشيعية للعراق في التاسع من أبريل الحالي عامها العشرين، بعد موافقة الإدارة الأميركية البوشية إثر كارثة صدام بغزوه للكويت عام 1990 على تمرير الخديعة الكبرى بمظلومية الشيعة، وتحويلها إلى مشروع مخادعة كبرى للعالم ولشعب العراق كغطاء للغزو والاحتلال، الذي تعدّت أضراره تدمير البنى التحتية للبلد إلى تمزيق مقومات الانسجام للمجتمع العراقي التقليدية.

مشروع نظام ولي الفقيه الإيراني هو المنتج الأول للمشروع الطائفي في العراق والمنطقة، التقى وتوافق مرحلياً مع مشروع اليمين الأميركي المتطرف الذي اختار العراق قبل أفغانستان، رغم أسبقيتها التاريخية في التعرض للاحتلال العسكري، ليصبح قاعدة نموذجية مثالية في منطقة الشرق الأوسط تجعل من دوله التقليدية أنظمة طائفية تحترب في ما بينها.

على الأرض، فرضت يوميات الغزو الهمجي المأزق الأميركي الموزع ما بين شعارات الديمقراطية والتنمية والحرية وبين وقائع قتل الأبرياء وسحق المقاومة الشعبية الأصيلة بثنائية السلاح ودعاة الإسلام بجناحيه السني والشيعي.

خسر الأميركيون مشروعهم في الشرق الأوسط من خلال خسارتهم قاعدة العراق، ثم وقعت التداعيات الاستراتيجية الكبرى في المثال الأفغاني، حيث تحولت مكاسب ما سمي بالحملة على الإرهاب “الإسلامي السني” لصالح نظام ولي الفقيه الإيراني صاحب خدعة الدفاع عن الشيعة، ليساهم مستوى تعاطي الإدارات الأميركية المنافق لطهران، ثم منح نظامها التزكية القلقة رغم مساوئه اللاحقة في العراق وفي سوريا واليمن ولبنان، ما يمكن تسميته باللعبة الأميركية الغبيّة.

الأميركيون خسروا اللعبة في العراق بوقت مبكر أمام غلبة المشروع الإيراني الذي استخدم مظلومية الطائفة التي يفترض انتهاء مفعولها بعد تنصيب قيادات شيعية متطرّفة لحكم العراق.

طهران وواشنطن فشلتا منذ اللحظة الأولى بعد التاسع من أبريل في خيارات القيادات السياسية الحاكمة، لأن هذه القيادات ومنظوماتها التنظيمية كانت بارعة في أساليب التظلّم من النظام السابق ومعارضتها بشعارات إسلامية فضفاضة، لكنها لم تمتلك مشروعاً وطنياً للتغيير يمكن لدولة جديدة تنفيذه لصالح الشعب. كانت أغلب تلك القيادات متواضعة لا تصلح لقيادة بلد مثل العراق أكثر من صلاحيتهم لإدارة حسينيات شيعية، مثلما عرف عن رئيس حزب الدعوة الذي أصبح رئيساً للوزراء.

هذه الوصفة من القياديين المحليين من الشيعية العراقيين المهيئين ليصبحوا حكاماً طائعين أعجبت قائد النظام الإيراني ومؤسساته، لكنها صدمت في ما بعد الأميركيين، وهم يستحقون اللوم والسخرية من شعب العراق على تنصيبهم مجاميع الأميين لقيادة العراق، لا تنفعهم ولا تعيد ثقة العراقيين بهم التوصيفات الساخرة من الزعامات الشيعية للحاكم المدني بول بريمر في مذكراته “عام قضيته في العراق”.

هناك تفصيلات مهمة تدعم آراء الكثير من السياسيين والمثقفين العراقيين القائلين بهزيمة المشروع الطائفي في قيادة الحكم في العراق، بل في سقوط النظام القائم، تفسّر السبب الرئيسي في أزمة تعطّل مسيرة الحكم عند أطراف نتائج الانتخابات وما يطلق عليه الطرف الشيعي الخاسر “الانسداد” وهو تعبير شعبوي للمأزق النهائي الذي لا مخرج منه.

بعد الإعلان الرسمي عن نهاية التحالف الاستراتيجي الشيعي – الكردي الذي كانت علاماته واضحة قبل نتائج الانتخابات الأخيرة وما بعدها، فإن معمار العملية السياسية التي صممها الأميركيون والإيرانيون قد انهار.

النظام الإيراني، رغم ما يُعرف من دهائه في اللعبة الطائفية وإدارة سلطة شيعة إيران في العراق، لكنه بسبب الهبة الشعبية العراقية وثورتها ضد حكم الأحزاب التي حرمت الناس من حقهم بالتمتع بثروات بلدهم التي سرقوها بلا حياء، وقع في الفخ حين أذن بنهاية التحالف الشيعي – الكردي، ذلك التحالف الذي صنع دستور العراق وأمّن حياة تداول السلطة في بغداد بين الإسلاميين الشيعة، بل وصفت القيادة الكردية في أربيل بأنها “صانعة الملوك في بغداد”.

الأحزاب الشيعية تعيش أزمة انقساماتها الكبرى، إضافة إلى عزلتها النهائية عن شعب العراق وجمهور الشيعة الذين انتفضوا عليهم، كشفوا عن حقيقتهم في النهاية وهي أنهم يبحثون عن الوسائل التي تبقيهم في السلطة رغم تورطهم بالفساد ونهب المال العام، ولن تتمكن إبداعات ما يسمى بالمناورات الطائفية التي اكتسب بعض زعمائهم خبرتها الضيقة خلال الأعوام التسعة عشر من إخراجهم من مأزق نهاية سلطتهم.

صناعة بدائل من عناوين ثانوية للمحاصصة الطائفية محاولة فاشلة، فمركز التحالف السياسي هو أربيل وليس السليمانية، والإعلام الاستهلاكي المنافق لبعض المسؤولين الذين يريدون الاستمرار بالتمتع بامتيازات السلطة من أعلى مواقعها ووجاهتها لا يقدم حلولاً للأزمة، بل يكشف عن هزالة تلك الزعامات وابتعادها رغم المسؤوليات الكبرى عن مصالح الناس.

هم فشلوا في قيادة حكم العراق، لكنهم بجهل وخبث يعاندون الاعتراف بهذه الحقيقة، ومن أساليبهم السياسية اليومية الاستهلاكية التخويف ممّا يسمونه “الحرب الشيعية – الشيعية” أي بمعنى اللجوء إلى السلاح بعد استنفاد وسائل الخداع.

يسأل البعض من ذوي النيات الحسنة وآخرون هم موظفون لدى زعماء الأحزاب الفاسدة، ما الحل؟ النظام القائم محاط بمشروعية محلية وخارجية، الزعماء السياسيون وصلوا إلى طريق مسدود في مأزق تقاسم السلطة الحالي، البعض خاصة المتورطين بالفساد ونهب المال العراقي يشعرون أن أي تحريك في واحدة من أحجار الشطرنج يعني الخسارة والهزيمة من اللعبة. قد ينتظرون كالعادة نجدة الخارج الإيراني أو الأميركي.

المعطيات السياسية الحالية تشير إلى أن القصة لا تحل بشكل جذري بتدخل خارجي يعيد توزيع تقاسم السلطة بتنازلات تحافظ على الحد الأدنى من المكاسب، قد يوفرون حلاً مؤقتاً لأشهر، فمثل هذا السيناريو يلغي معادلة الشعب العراقي الثائر الذي انتهت قصة تغييبه منذ أكتوبر عام 2019. هناك ثورة شعبية في مدن الوسط والجنوب رغم قساوة أساليب إنهائها في القمع المسلح الوحشي واستشهاد قرابة الألف من شبابها، وتشويه سمعتها، أو صناعة نماذج ترفع شعاراتها وإدخالها في البرلمان، لكن الثورة ما زالت حيّة ولديها مشروعها المقبل.

رغم وجود هياكل ومنظومات للسلطات التنفيذية والتشريعية والبرلمانية، لكنها لا تحمي التداعي والانهيار السياسي العام.

السيناريو المرفوض من قبل زعماء الفشل والفساد هو الاعتراف العلني بالفشل، وقبول إجراءات التغيير التي يمكن للقوى العراقية الخيّرة خارج السلطة أن تقدمها، فهناك وطنيون كثر مؤمنون بحماية العراق واستقلاله وحريته وبناء مؤسساته الديمقراطية ومستعدون لتحمل تلك المسؤولية الوطنية تساندهم في ذلك القوى والشخصيات غير المتورطة بالقتل والفساد من داخل مؤسسات النظام الحزبية والسياسية.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى