أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: ما بعد الانكشاف: حين يصبح التفكير مسؤولية سياسية (الجزء السابع)

د. غانية ملحيس 15-2-2026: ما بعد الانكشاف: حين يصبح التفكير مسؤولية سياسية (الجزء السابع)

لم يُخطَّط للجزئين السادس والسابع ضمن البناء الأصلي لسلسلة «الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا»، غير أنّ مسار النقاش نفسه أعاد تشكيل حدود المشروع. فقد جاء الجزء السادس نتيجة التفاعل النقدي الغني مع الأجزاء الخمسة الأولى، بينما فرضت القراءة النقدية لخالد عطية “بعد اكتمال الانكشاف: هل ما زال التفكير ممكنًا؟، إلى جانب مطالبة نائل التونسي بالانتقال من الكشف والتشخيص إلى أفق المشروع الوطني الفلسطيني، ضرورة كتابة جزء سابع يواصل التفكير من موقع جديد

أولا: من الانكشاف إلى مسؤولية الفكر

لم يكن ما كشفته الأجزاء السابقة من سقوط حضارة الحداثة في امتحان فلسطين، محاولة لإغلاق النقاش، ولا سعيا لتقديم تفسير نهائي لما يحدث، بل فعل كشف تدريجي لبنية كاملة تعمل في العلن بقدر ما تعمل في الخفاء.

غير أن ما حدث بعد هذا الكشف لم يكن مجرد استمرار للنقاش، بل تحوّل في موقع النص نفسه. إذ لم يعد التحليل يواجه الواقع وحده، بل بدأ يواجه أثره حين يدخل التداول العام ويصبح جزءا من صراع المعنى.

ومع تفاعل القراء مع هذه السلسلة، أصبح الوضوح البنيوي نفسه حدثا ذا بعد مزدوج: ليس فقط معرفة بنية النظام الحداثي العنصري المهيمن ونزع السياسة، بل اختبارٌ للفكر في مواجهة الواقع الذي لم ينهار رغم وضوح النظام واستمراره.

فالمأزق لم يعد كيف نفهم النظام، بل ماذا يحدث حين ينكشف دون أن ينهار، وكيف يمكن للفكر أن يحافظ على استقلاليته دون أن يُحتوى داخل منطق الإدارة والسيطرة. فالتحليل البنيوي، مهما بلغ من الدقة، يواجه خطر أن يتحول إلى معرفة مكتفية بذاتها، بينما الفعل السياسي يظل مقيدا بشروط النظام الذي يدير الحياة والموت معا.

ثانيا: العمل الفكري والحقل الفكري

إذا كان العمل الفكري يبدأ بالفهم والكشف والتشخيص، فإن الحقل الفكري يبدأ حين لا يعود التفكير نشاطا فرديا معزولا، بل يصبح فضاء للصراع على المعنى. الفرق بينهما ليس في العمق أو القيمة، بل في الموقع والوظيفة: العمل الفكري يقرأ الواقع، والحقل الفكري يعيد توزيع مواقع القراءة داخله. هنا لا يُختزل النقاش في سؤال “من على حق؟”، بل في سؤال “كيف ننتج معنى جماعيا قادرا على مقاومة منطق الإدارة؟”.

في بيئة إبادة تتقاطع فيها كل الفاعليات – إسرائيل، الولايات المتحدة الأمريكية، القوى الدولية، الأنظمة الإقليمية والعربية، السلطة والفصائل، والمجتمع نفسه – لا أحد ينتظر تحليلات المفكرين والباحثين، فالقرار يُتخذ في مكان آخر، والإدارة تستمر بمعزل عن النظرية. لذا، على المفكرين والمثقفين ألا يعزلوا أنفسهم عن الواقع بدعوى التأمل، وألا يغرقوا في تفاصيله حتى يفقدوا المسافة النقدية. مهمتهم أن يبقوا الفكر حيّا، حياديا وفاعلا، بين النظرية والواقع في آن واحد، وأن يمنعوا انفصال أحدهما عن الآخر. غير أن هذه المهمة لا تكتمل إذا ظل الفكر ممارسة فردية تُنشر ثم تُغلق. هنا يصبح الحقل الفكري ضرورة، لا خيارا.

الحقل الفكري ليس تيارا سياسيا، ولا حزبا، ولا برنامجا تنظيميا. إنه شبكة حوار مستمر، تتواجه فيه القراءات، وتُختبر فيه المفاهيم، ويُمنع فيه التحليل من التحول إلى يقين مكتمل. هو الفضاء الذي يمنع النص من أن يصبح خطابا مغلقا، ويمنع القارئ من أن يتحول إلى متلق سلبي.

الحقل الفكري لا ينشأ بعد اكتمال الفهم فحسب، بل يظهر حين يصبح الفهم نفسه مهددا بأن يتحول إلى حد نهائي للتفكير. وعليه، فهو ليس مرحلة لاحقة على الفهم والكشف، بل هو الامتحان الحقيقي له: مقاومة تحويل الإنسان إلى حالة، والقضية إلى ملف، والسياسة إلى إدارة. وهو المكان الذي يُستعاد فيه الحق في التسمية، في الاختلاف، وفي إنتاج معنى لا يُملَى من فوق.

الحقل الفكري ليس بديلا عن الفعل السياسي، بل الفضاء الذي يحافظ على استقلالية التفكير ويمنع إعادة دمجه داخل منطق الإدارة، محافظا على القدرة على طرح الأسئلة وإعادة فتح شروط الفعل الممكن.

وبذلك، يصبح واضحا أن سؤال الحقل الفكري ليس سؤالا معرفيا فقط، بل سياسيا في جوهره، لأن السياسة لا تغيب حين يُمنع الفعل فحسب، بل حين يُفقد المعنى الذي يجعل الفعل ممكنا. ومن هنا يصبح الانتقال إلى إعادة التفكير في السياسة نفسها نتيجة طبيعية لما كشفه هذا الحقل، وليس مجرد متابعة للتشخيص النظري أو التحليل البنيوي.

ثالثا: إعادة تعريف السياسة والفعل

ما كشفته التفاعلات حول الجزء السادس – من سؤال خالد عطية حول حدود التفكير بعد الانكشاف، إلى دعوة نائل التونسي لإعادة بناء المشروع الوطني – يضعنا أمام مفارقة أساسية: كلما ازداد الفهم وضوحا، بدا أن مساحة الفعل مقيدة، وأن السياسة أُعيد تعريفها بحيث أصبح مفهوم الإدارة بديلا عنها.

المسألة هنا ليست مجرد لغة، بل بنية اجتماعية وسياسية: تم تفكيك الحوامل الاجتماعية والتنظيمية التي تسمح بالتمثيل، وحُوّلت القضية إلى ملف إنساني طويل الأمد. استعادة السياسة لا تعني العودة إلى الأشكال القديمة، بل اختراع شروط جديدة للفعل: بناء حامل اجتماعي قادر على تمثيل نفسه، إعادة اللغة إلى مكانها الطبيعي، واستعادة القدرة على اتخاذ القرار السياسي من الداخل، لا عبر إدارة الأزمة.

رابعا: الفكر كميدان للمقاومة

في هذه المرحلة، يصبح السؤال الأعمق: ماذا يفعل بنا ما عرفناه؟

الفكر لا يقف خارج الصراع، بل يشكّل المساحة التي تحافظ على استقلالية التفكير وتمنع إعادة دمج الفعل داخل منطق الإدارة، محافظة على فاعلية السؤال وإمكانية إعادة فتح شروط الفعل الممكن. هنا، لا يكفي إدراك بنية النظام أو معرفة آليات السيطرة. التحدي هو الحفاظ على قدرة الوعي على التمييز، الرفض، وإعادة صياغة المعاني التي يحاول النظام حصرها ضمن إدارة مطلقة للواقع.

القضية الفلسطينية لم تُدفع إلى الهامش بفعل العجز وحده، بل عبر هندسة سياسية حولت الصراع من مشروع تحرر إلى ملف قابل للإدارة، حيث تُستبدل السياسة بالإدارة، والسيادة بالوصاية، والاقتصاد بالمساعدات، والمستقبل بإدامة الحاضر. ومع الزمن، لا تُقهر الشعوب بالقوة وحدها، بل باللغة التي تعيد تعريف الهزيمة إدارة، والانتظار عقلانية، والتكيف حكمة.

في بيئة إبادة تُدار فيها الحياة والموت وفق قوانين السيطرة، يصبح الفكر المقاوم قوة هادئة لكنها حاسمة، لأنه يحافظ على إمكانيات الفعل السياسي، ليس عبر فرضه مباشرة، بل من خلال حرية التفكير المستمرة، وتساؤل الواقع، وتحدي القيود المفروضة على المعنى. الفكر هنا ليس أداة لقيادة السياسة، ولا بديلا عنها، بل هو الحقل الذي يحمي إمكانية إنتاج السياسة نفسها ويمنع تحويل المعرفة إلى مجرد قبول مستمر بإعادة تعريف الواقع وفق شروط الإدارة.

بهذا المعنى، يصبح الفكر ميدان مقاومة متصلا بالمسؤولية الجماعية: إنتاج معنى، طرح الأسئلة، وتجريب إمكانيات الفعل ضمن الواقع، بعيدا عن وهم القدرة على السيطرة عليه، وصون مساحة الاختلاف، وإعادة بناء الفعل السياسي من الداخل دون تحويل القضية إلى ملف يُدار تقنيا أو إنسانيا.

خامسا: لحظة مساءلة ومسؤولية

الجزء السابع ليس استمرارا للسلسلة، بل لحظة مساءلة حقيقية لمخرجاتها. إنه اختبار لما يحدث حين ينتهي الكشف والتشخيص، ويخرج النص من يد الكاتب إلى التداول العام، حين يتحول التحليل من معرفة تُقال إلى مسؤولية تُحمل، ومن قراءة للعالم كما هو، وليس كما يراد تصويره، إلى محاولة إعادة فتح السياسة داخله.

لم تعد مهمة المفكر أو الباحث، بعد التوافق على التشخيص، إنتاج تفسير أدق للعالم، بل مقاومة تحوّل التفسير إلى نهاية الطريق. أخطر ما يمكن أن يحدث بعد اكتمال الانكشاف هو أن يتحول الوعي إلى شكل جديد من التكيّف، وأن يصبح إدراك البنية قبولا ضمنيا باستمرارها.

يظهر ذلك حين يصبح السؤال العام بعد كل كارثة: كيف نعيد الحياة إلى ما كانت عليه؟ لا كيف تغيّر الشروط التي جعلت الكارثة ممكنة أصلا. عندها يتحول التفكير نفسه، دون وعي، إلى جزء من منطق الإدارة.

إذا كان التفكير مسؤولية سياسية، فإن الحقل الفكري لا يتكوّن تلقائيا بمجرد تعدد الآراء، بل يُبنى قصديا عبر مساحات تداول ونقد متبادل تسمح للمعنى أن يُختبر لا أن يُستهلك. أن نكون داخل هذا الحقل يعني ألا نكتفي بكتابة المقالات أو تداولها، بل أن نخلق شروطا لاستمرارها في الحوار، في الاعتراض، في إعادة الصياغة. الحقل لا يقوم على تطابق المواقف، بل على الاعتراف بأن المعنى يُنتَج بيننا لا داخل وعينا الفردي. لذلك، فإن المسؤولية لا تتجسد في امتلاك إجابة، بل في المساهمة في بناء شبكة يقظة جماعية تمنع تحويل السياسة إلى إدارة، وتحول دون انغلاق السؤال داخل يقين مكتمل. التفكير هنا ممارسة مشتركة، تتطلب فضاءات مفتوحة، ومنابر نقد، وقدرة على الاختلاف دون تفكك، حتى يبقى إمكان الفعل السياسي قابلا لإعادة التشكّل.

في هذا الجزء، ليس هناك وعد بالخلاص، ولا طريق مختصر للتغيير، بل الحفاظ على ما هو أكثر هشاشة وأشد ضرورة: إمكانية التفكير خارج اللغة التي صُممت لإغلاقه، والقدرة على طرح الأسئلة وإعادة فتح شروط الفعل الممكن. السياسة لا تبدأ حين تتوفر الشروط الكاملة، بل حين يرفض الإنسان قبول العالم كما أُعيد تعريفه له.

السؤال لم يعد مجرد “ماذا عرفنا؟”، بل “ماذا يفعل بنا ما عرفناه؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى