أقلام وأراء

د. غانية ملحيس: بين مِحنة الإبادة ونافذة الفرص: هل تملأ المنطقة فراغ العدمية الغربية؟

د. غانية ملحيس 12-4-2026: بين مِحنة الإبادة ونافذة الفرص: هل تملأ المنطقة فراغ العدمية الغربية؟

ليست كل لحظة تاريخية قابلة للتكرار، ولا كل تحوّل دولي يفتح الباب أمام الجميع بالقدر ذاته. ثمة لحظات نادرة يتصدّع فيها النظام القائم دون أن يستقر البديل، فتتسع الهوامش وتُختبر الإرادات. وهي ما يمكن قراءته بوصفه لحظة أزمة هيمنة بالمعنى الغرامشي، حيث يتفكك “الرضا” دون أن يتشكل بديل مهيمن.

في مثل هذه اللحظات، لا يُطرح السؤال عمّا يجري في العالم بقدر ما يُطرح عمّا تفعله الأمم بنفسها داخله. أي الانتقال من موقع “المفعول به” في بنية الهيمنة إلى موقع الفاعل القادر على إنتاج موقعه داخلها، وفق تحليل فانون للذات المستعمَرة.

وهنا تحديدا تقف المنطقة العربية الإسلامية بين إمكانية أن تكون فاعلا في طور التشكل، أو أن تبقى موضوعا يُعاد ترتيبه وفق إرادات الآخرين ضمن ما يسميه جيوفاني أريغي بإعادة توزيع مراكز التراكم داخل النظام الرأسمالي العالمي.

نحن اليوم أمام لحظة “تصدّع كبير” بدأت زلزلتها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بوصفها انفجارا في قلب البنية الاستعمارية الاستيطانية، لا حدثا معزولًا.

وقد فتحت هذه اللحظة، مع حرب الإبادة في قطاع غزة وامتداداتها الإقليمية، مسارًا ممتدًا من الانكشاف وإعادة التشكل، بلغ ذروته في 28/2/2026 مع اتساع نطاق الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على فلسطين ولبنان وإيران، وامتداداتها إلى الخليج والعراق واليمن والأردن ومضيق هرمز والاقتصاد العالمي. بوصفها تعبيرا عن انتقال التناقض من الأطراف إلى قلب النظام، وهي سمة مراحل التحول في دورات الهيمنة عند أريغي، دون أن تستقر هذه التحولات في صيغة نظام عالمي جديد.

أولًا: لحظة السيولة الدولية وإعادة تشكّل النظام

يشهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة أواخر ثمانينيات القرن العشرين تحولا بنيويا لا يمكن اختزاله في لحظة واحدة، بل في مسار طويل يتسم بـ:

• تراجع القدرة الأحادية على ضبط النظام الدولي.
• صعود قوى دولية جديدة بأدوات مختلفة (الصين، روسيا، الهند).
• تزايد الاعتماد المتبادل والتنافس في الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.
تمرد القوى الإقليمية، كما يظهر في انتقال تركيا إلى سياسة خارجية أكثر استقلالًا عن الناتو، وتوسيع إيران لنفوذها غير المباشر في الإقليم، وسعي السعوديه إلى تنويع شراكاتها الدولية خارج الإطار الغربي التقليدي.
• تآكل نسبي في قدرة المركز الغربي على إنتاج استقرار دائم.
وهو ما يمكن فهمه كمرحلة “فوضى انتقالية” في النظام العالمي، حيث تتآكل الهيمنة دون أن تنهار، وفق تصور أريغي لدورات التراكم والهيمنة.
هذا التحول لا يعني انهيار النظام القديم، بل انتقاله إلى حالة سيولة بنيوية: لا مركز مستقر، ولا بديل مكتمل. أي حالة “أزمة عضوية” بالمعنى الغرامشي، حيث القديم لم يمت والجديد لم يولد بعد.
في هذه السيولة، تصبح الحركة ممكنة، لكن تحويلها إلى مشروع يتوقف على قدرة الفاعلين على التقاط اللحظة، أي تحويل الموقع من التكيف إلى بناء كتلة تاريخية جديدة.

ثانيًا: من “نهاية التاريخ” إلى انفجار الجغرافيا السياسية

مع نهاية الحرب الباردة، ساد تصور “نهاية التاريخ” بوصفه تثبيتا للقطبية الأحادية، وسردية أيديولوجية للهيمنة، وليس توصيفا واقعيا لها، ضمن ما يسميه غرامشي إنتاج القبول الثقافي للسيطرة.

لكن ما تلا ذلك لم يكن استقرارا، بل إعادة إنتاج للهيمنة عبر أدوات مختلفة:
• توسع في أنماط التدخل العسكري المباشر وغير المباشر.
• تفكيك بنى دولية وإقليمية عبر حروب متتالية وممتدة.
• إعادة هندسة مناطق بأكملها تحت مسميات “الشرق الأوسط الجديد”.
• تراكم مخزون من العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة
وهي آليات لإعادة إنتاج السيطرة في الأطراف، عبر ما يسميه فانون “العنف البنيوي للاستعمار المتجدد”.
في هذا السياق، لم يكن النظام الدولي في حالة سلام، بل في حالة إعادة توزيع قسرية للقوة تحت غطاء الاستقرار. أي انتقال من الهيمنة المباشرة إلى هيمنة مركبة تجمع بين القوة الصلبة والناعمة والاقتصادية.

ثالثا: الصهيونية كفاعل حربي بنيوي داخل النظام العالمي

ضمن هذه الحرب، تتكشف الصهيونية بوصفها بنية استعمار استيطاني عنصري تعمل كذراع متقدم لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، فالكيان الصهيوني في فلسطين لا يخوض الحرب بوصفه “دولة” فقط، بل بوصفه:
• عقدة أمنية متقدمة للنظام العالمي،
• أداة لإعادة ضبط المجال العربي الإسلامي،
• وآلية إنتاج دائم للتوتر يبرر التدخل الخارجي وإعادة الهيكلة، وهنا يتقاطع تحليل فانون “العنف الاستعماري كآلية تنظيم” مع تحليل أريغي “الحرب كأداة لإعادة توزيع القوة” لتصبح الصهيونية: نقطة التقاء بين منطق الاستعمار ومنطق التراكم الرأسمالي العالمي.

رابعا: لحظة التصدّع الكبير وإعادة فتح النظام العالمي

تشير لحظة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما تلاها من إبادة جماعية إلى مرحلة إعادة اهتزاز عميقة في البنية الدولية، يمكن قراءتها عبر ثلاث طبقات مترابطة:

أ‌. الطبقة النظامية الدولية، يتقاطع فيها:
• تراجع نسبي في قدرة الولايات المتحدة على فرض تسويات مستقرة،
• صعود قوى دولية منافسة،
• انتقال النظام من الأحادية إلى تعددية غير مستقرة، أي انتقال من هيمنة مكتملة إلى “هيمنة متنازع عليها” في طور التحول، وفق أريغي. لكن هذا لا يعني انهيار المركز، بل تحوله إلى إدارة أزمات طويلة بدل إنتاج نظام مستقر، وهو نمط معروف في مراحل أفول الهيمنة.

ب. طبقة الفاعلين الإقليميين، تشهد المنطقة:
• إعادة تموضع لقوى إقليمية متعددة،
• ظهور قوى غير دولاتية فاعلة،
• تزايد استقلالية نسبية في القرار السياسي لبعض الدول،
• تعدد استراتيجيات التعامل مع النظام الدولي.

أي تحرك داخل الهوامش لا خارج البنية، ضمن ما يسميه غرامشي “سياسات المواقع” لا “حرب المناورة الشاملة”.
لكن دون ولادة نظام إقليمي بديل، بل حالة تعدد متناقض في سلوك الفاعلين.

ج. طبقة الوقائع الممتدة
من غزة إلى أوكرانيا، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، يتغير شكل الصراع:
• من صراعات محلية محدودة
• إلى صراعات متعددة الساحات، تتداخل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية
ضمن هذا التداخل، لا يمكن اختزال اللحظة في انهيار نهائي للأحادية، ولا في استمرارها كما هي، بل هي مرحلة انتقال غير مكتملة ومفتوحة على احتمالات متعددة.
في تحليل أريغي تمر الأنظمة العالمية بلحظات انتقال تتسم بتزايد الصراعات، حيث تتحول الحرب من أداة استثنائية إلى: آلية مركزية لإعادة تنظيم التراكم الرأسمالي وتوزيع القوة
الحرب الجارية منذ 28/2/2026 تندرج ضمن هذا النمط، إذ لا يمكن قراءتها بمعزل عن:
• أزمة الطاقة العالمية التي تفاقمت مع اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار، خصوصًا بعد الحرب الروسية الاوكرانية ما أعاد إبراز أهمية الخليج ومضيق هرمز كمفاصل حاكمة في الاقتصاد العالمي.
وقد بلغت الأزمة ذروة جديدة مع شن الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران حيث تحوّل مضيق هرمز من ممر طاقة تقليدي إلى نقطة اختناق جيوسياسي، يعكس انتقال الصراع من الأطراف إلى قلب الاقتصاد العالمي، وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التهديد، مع تعطّل جزئي لحركة الملاحة وطرح سيناريوهات إغلاق المضيق بشكل كلي، وهو ما مثّل صدمة مباشرة لأسواق الطاقة العالمية.

• صعود قوى دولية منافسة

وبذلك، فإن ما يبدو “تصعيدا إقليميا” هو في العمق: إعادة رسم للخرائط الوظيفية داخل النظام العالمي.

خامسا: مفارقة المنطقة العربية الإسلامية

تتجلى المنطقة بوصفها فضاء يحتوي مفارقة بنيوية: وفرة عناصر القوة مقابل غياب الصياغة الجامعة، ويمكن تفكيكها عبر ثلاث طبقات:
ا. الطبقة البنيوية
• موقع جيوسياسي مركزي،
• موارد طاقة وممرات استراتيجية،
• موارد مالية وفيرة،
• كتلة سكانية شابة.
أي امتلاك عناصر “القوة الكامنة” دون تحويلها إلى قوة فعلية، وفق منطق التراكم غير المكتمل. لكن هذه العناصر تبقى إمكانات غير منظمة سياسيا واستراتيجيا.
ب. الطبقة السياسية
• استمرار منطق الدولة القومية والقطرية
• تعدد أنظمة ومصالح متباينة
• غياب مشروع تكاملي جامع
أي غياب “الكتلة التاريخية” القادرة على توحيد المصالح ضمن مشروع، بالمعنى الغرامشي. ما ينتج حالة تجزئة سياسية بنيوية بدل التكامل.
ج. طبقة النظام الدولي
• تشابك غير متكافئ مع القوى الكبرى
• اعتماد في الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد
• علاقة تبعية متفاوتة دون استقلال حقيقي
أي اندماج تابع في النظام الرأسمالي العالمي، يعيد إنتاج التبعية بدل تجاوزها، وفق أدبيات ما بعد الاستعمار. وحالة ارتباط بنيوي يقيّد القدرة على الفعل المستقل.
النتيجة ليست نقصا في الموارد، بل غياب الصياغة التاريخية القادرة على تحويل الإمكان إلى قوة.

سادسا: بين التكيّف وصناعة المعادلة

تاريخيًا، أتقنت المنطقة العربية الإسلامية منطق التكيّف مع التحولات الدولية، لكنه بقي في حدود إدارة البقاء داخل النظام لا تغييره. أي البقاء داخل منطق “الهيمنة المقبولة” بدل تفكيكها.
• التكيّف يعني استجابة لشروط القوة القائمة
• صناعة المعادلة تعني التأثير في شروط القوة نفسها، أي الانتقال من موقع التابع إلى موقع المنتج للهيمنة أو المضاد لها.
شكلت إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 نموذجا غير مكتمل لصناعة المعادلة، بالتركيز على القومية الفارسية والمذهبية الشيعية، عوضا عن التموضع في الإطار الحضاري الشامل، ما سهل محاصرتها وتأليب المكونات الإقليمية الأصيلة ضدها، وبذلك إتاحة الفرصة للنظام الغربي المهيمن لمحاصرتها سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا واستهدافها عسكريا.

سابعا: وهم البديل الخارجي

يتكرر ميل المكونات الأصيلة وخصوصا العربية والكردية وبشكل أقل التركية إلى الرهان على قوة دولية بديلة. لكن:
• كل القوى الكبرى تتحرك بمنطق المصلحة،
• تختلف في الأدوات لا في البنية،
• تعيد إنتاج أنماط نفوذها بأشكال مختلفة.
أي أن تغيير المركز لا يغير بنية النظام، بل يعيد تدوير الهيمنة، وفق تحليل أريغي.

ثامنا: فلسطين من قضية إلى معيار بنيوي

بدأت الحرب من مركزها البنيوي: فلسطين في 7/10/2023 لكنها لم تبقَ هناك، لأن طبيعة الصراع ذاته لا تسمح بالاحتواء. فالتوسّع نحو لبنان، سوريا، العراق، اليمن، إيران، ومؤخرا الخليج والأردن لا يعكس فقط تعدد الجبهات، بل يكشف أن: فلسطين ليست ساحة من ساحات الصراع، بل هي النقطة التي يُعاد عبرها فتح كل ساحات الصراع.
وفق منطق فانون، فإن الاستعمار الاستيطاني لا يعيش في حدود جغرافية ضيقة، بل يميل إلى توسيع مجال العنف، وإعادة إنتاجه في الفضاء المحيط، وتحويل الإقليم إلى امتداد لبنيته الصراعية. وبذلك، فإن اتساع الحرب ليس انحرافا، بل: تعبيرعن الطبيعة التوسعية البنيوية للصهيونية داخل النظام العالمي وعليه، فإن فلسطين ليست ملفا، بل:
• مرآة النظام الإقليمي
• اختبار لحدود الفعل السياسي
• ومؤشر على طبيعة النظام الدولي
ا. رمزيا
مواجهة بين مشروع استعماري استيطاني عنصري إحلالي وظيفي ومشروع تحرري
فالاستعمار الاستيطاني الغربي الصهيوني في فلسطين يشكل قاعدة استعمارية غربية متقدمة ارتبط عضويا ببنية الرأسمالية العالمية.
ب. إقليميًا / عربيا وإسلاميا
تكشف حدود الفعل السياسي.
ج. دوليا
تكشف طبيعة النظام العالمي.
إن اختزال فلسطين من معيار بنيوي في معيار أخلاقي وإنساني يعني تعطيل قدرتها على كشف البنية.

تاسعا: إعادة إدماج فلسطين في البنية التحررية

إعادة الإدماج تعني:
• إدخالها في بنية الأمن والسياسة والاقتصاد،
• تحويلها إلى عنصر تأسيسي في المشروع التحرري الاقليمى والعالمي، أي تحويلها من رمز إلى ركيزة في بناء كتلة تاريخية مضادة للهيمنة.

عاشرا: ملامح مشروع تحرري ممكن
• تكامل اقتصادي تدريجي،
• استقلال معرفي وتكنولوجي،
• إعادة تعريف الأمن،
• تنسيق سياسي مرن.
أي مسار تراكمي لبناء قدرة مستقلة داخل النظام العالمي لا خارجه بالكامل.

حادي عشر: العائق الحاسم – إرادة الفعل
• الخوف من كلفة الاستقلال،
• ضعف الثقة،
• التردد.
أي عوائق ذاتية داخل البنية، وليس مجرد ضغوط خارجية، وهو ما شدد عليه فانون في نقده للنخب في الحقبة ما بعد الاستعمارية.

ثاني عشر: بين نافذة تُفتح وإرادة تُبنى

الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الجارية في منطقتنا ليست مجرد صراع عسكري، بل آلية لإعادة تعريف للمنطقة، واختبار لبنية النظام العالمي، واعادة تشكيله. ومفصل تاريخي قد يعيد رسم الحدود السياسية والاقتصادية.
• توسعها الإقليمي يعكس الطابع البنيوي للصراع المرتبط بالصهيونية كحركة استعمارية استيطانية عنصرية مرتبطة بنيويا بنظام الهيمنة النيوليبرالية.
• مضيق هرمز والطاقة يكشفان أن الحرب تدور حول الاقتصاد العالمي بقدر ما تدور حول الجغرافيا.
لكن النتيجة ليست محسومة. إذ يتوقف المسار على:
• قدرة الفاعلين الإقليميين على تجاوز التجزئة
• وإعادة بناء مشروع جماعي
• فلسطين تظل المركز الذي تتحدد عبره إمكانات النهوض أو النكوص العربي الإسلامي، وبذلك: لا يدور الصراع حول حدود أو توازنات مؤقتة، بل حول من يملك القدرة على إعادة تعريف موقع المنطقة داخل التاريخ العالمي.
السؤال ليس وجود الفرصة، بل القدرة على تحويلها إلى فعل.
فالتاريخ لا يسجل الإمكانات، بل ما يتحول منها إلى قرار وممارسة. وما لا يتحول إلى قوة مادية وتاريخية داخل بنية الصراع، يبقى مجرد احتمال خارجها.

ثالث عشر: من ضجيج الانفجار إلى إيقاع التأسيس

إن ما تشهده منطقتنا اليوم، في هذا المنعطف التاريخي، ليس مجرد جولة أخرى من صراع جيوسياسي، بل هو “زلزال الهوية” الذي طال انتظاره. لقد قدمت نماذج الصمود الأسطوري في غزة، والقدرة الردعية في لبنان، والصلابة الاستراتيجية في إيران، الدليل المادي القاطع على أن “القدر الغربي” ليس حتماً، وأن “البنية الصهيونية” ليست قدرا.

لقد كسر الميدان “ثقلا نفسياً” دام أكثر من قرن، محولاً المنطقة من “مختبر للتجارب الاستعمارية” إلى “فاعل يُجبر التاريخ على إعادة الكتابة”.

لم تعد فلسطين مجرد جرح، بل أصبحت “المعالج المركزي” الذي يعيد تعريف الأمن والاقتصاد والسيادة من طهران إلى البحر الأحمر، ومن بيروت إلى مضيق هرمز.
إن الدرس المستفاد من المواجهة مع العقل الأداتي واضح وجلي: الفراغ الذي تخلّفه “العدمية الغربية” المتهالكة لا ينتظر

المترددين، والسيولة الدولية الراهنة لن تستقر لصالحنا بمجرد التمني. نحن أمام “خيار صفري” لا يقبل القسمة على اثنين:
• إما الاستمرار في محاولات “النجاة الفردية” والتكيف مع فتات النظام القديم، وهو طريق يؤدي حتماً إلى التبدد.
• أو التقاط “اللحظة الفانونية” والعبور من الباب الذي فُتح بالدم والتضحيات، لبناء “كتلة تاريخية” تتجاوز الهويات القومية والقطرية والمذهبية الضيقة نحو مشروع حضاري شامل يملك مفاتيح طاقته، وقرار أمنه، وسيادة معرفته.

التاريخ لا يمنح فرصاً مجانية، والفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرر لقرن آخر. إن الشعوب التي تقود قاطرة التحرر الآن قد فعلت فعلها، والكرة الآن في ملعب “الإرادة السياسية” لتتحول من حالة الذهول إلى حالة التأسيس. السؤال ليس: متى تنتهي الحرب؟ بل: أي عالم سنبني على أنقاض الهيمنة التي تتهاوى؟

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى