د. غانية ملحيس: “الشرق الأوسط” والفخ المركّب: الجغرافيا والطاقة والصراع على النظام العالمي

د. غانية ملحيس 13-3-2026: “الشرق الأوسط” والفخ المركّب: الجغرافيا والطاقة والصراع على النظام العالمي
ملخص تنفيذي
يتناول هذا المقال المنطقة المسماة بـ” الشرق الأوسط” بوصفها نموذجًا مركزيًا لما يمكن تسميته بـ” الفخ المركّب” في النظام الدولي المعاصر، وهو الإطار التفسيري الذي يشير إلى تزامن وتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية في شبكة واحدة معقدة يصعب فصل عناصرها أو إدارتها بشكل مستقل. ويأتي المقال بوصفه الحلقة الثالثة في سلسلة تحاول تفسير التحولات العميقة في النظام العالمي، عبر تطبيق هذا الإطار على منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا الاستراتيجية والطاقة والرمزية الحضارية في فضاء واحد.
ينطلق المقال من تحليل مصطلح “الشرق الأوسط”، بوصفه مفهوماً جيوسياسياً حديثاً نشأ ضمن التفكير الاستراتيجي الإمبراطوري الأوروبي في مطلع القرن العشرين، واستخدمه ألفريد ثاير ماهان عام 1903 لتوصيف المنطقة الواقعة بين آسيا وإفريقيا، لما تمثله من أهمية في طرق التجارة العالمية وتوازنات القوة. وقد ارتبط المصطلح لاحقاً بإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بعد الحرب العالمية الأولى في سياق الهيمنة الاستعمارية الغربية.
يعتمد المقال على الأدبيات الكلاسيكية في الجغرافيا السياسية، مثل أفكار هالفورد ماكيندر حول “محور التاريخ الجغرافي”، ونيكولاس سباكمان حول “حافة أوراسيا”، وألفريد ماهان حول القوة البحرية، ليبرز الموقع الاستراتيجي للمنطقة كنقطة تقاطع بين قلب أوراسيا وممراتها البحرية الحيوية. هذا الموقع جعل الشرق الأوسط عبر التاريخ أحد أكثر مناطق العالم عرضة للتنافس بين القوى الكبرى، ليس فقط بسبب الموارد، بل أيضًا بسبب موقعه في شبكة الممرات الجغرافية التي تربط القارات والاقتصادات الكبرى.
كما يشير المقال إلى أن بؤر الصراع في القرن الحادي والعشرين تتشكل على قوس جغرافي يمتد من أوروبا الشرقية مرورًا بالشرق الأوسط وصولاً إلى شرق آسيا، حيث تتقاطع التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع الروسي-الغربي والتنافس الأمريكي-الصيني والصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط. هذا القوس الجغرافي يوضح كيف أصبحت هذه المناطق جزءًا من ديناميات واحدة في النظام العالمي.
ويحلل المقال أيضًا التحول التدريجي لمركز الاقتصاد العالمي من الفضاء الأطلسي إلى المحيطين الهندي والهادئ مع صعود آسيا اقتصاديًا واستراتيجيًا، مما يعزز أهمية الشرق الأوسط كجسر يربط الاقتصادات الآسيوية بأوروبا وبقية العالم، فضلاً عن كونه أحد أهم مراكز الطاقة العالمية. ويضيف بعدًا حضاريًا يتمثل في كونه مهد الديانات التوحيدية الثلاث، ومركزًا ثقافيًا ورمزيًا لمليارات البشر، ما يجعله عقدة مركزية في توازنات القوى العالمية.
من هذا المنطلق، تصبح السيطرة على المنطقة أو التأثير العميق في توازناتها أداة استراتيجية استثنائية للقوى الكبرى. غير أن الأزمة لا تقتصر على التدخلات الدولية، بل تمتد إلى التنافس بين المشاريع الإقليمية وهشاشة النظام المحلي، ما يجعل الحروب والصراعات جزءًا من ديناميات أوسع مرتبطة بأزمة النظام الدولي وتحولاته التاريخية. وهكذا، يعكس الشرق الأوسط حدود النظام العالمي القائم، ويكشف في الوقت نفسه ملامح التحولات التاريخية التي قد تعيد تشكيله.
المقال الكامل
“الشرق الأوسط” والفخ المركّب: الجغرافيا والطاقة والصراع على النظام العالمي
في قلب النظام الدولي المعاصر تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية في شبكة مترابطة يصعب تفكيكها، وهي الحالة التي يمكن وصفها بما أسميه “الفخ المركّب”
المنطقة المسماة بـ “لشرق الأوسط” ليست مجرد إقليم جغرافي، بل نموذج مكثف لهذه الديناميات، حيث تلتقي الجغرافيا الاستراتيجية وموارد الطاقة والرمزية الحضارية في فضاء واحد يشكل عقدة حاسمة للتنافس الدولي.
يأتي هذا المقال بوصفه الحلقة الثالثة في سلسلة تناولت مفهوم “الفخ المركّب” بوصفه إطارا تفسيريا للأزمات المتزامنة في النظام العالمي المعاصر. ففي المقال الأول، الفخ المركّب: تفكّك المعنى وتزامن الاختبارات في عالم يتجاوز حدوده، جرى تحليل الأزمة الحضارية التي يعيشها العالم المعاصر، حيث تتزامن الاختبارات السياسية والاقتصادية والبيئية والعسكرية في لحظة تاريخية واحدة، بما يكشف حدود النموذج الحضاري المهيمن.
وفي المقال الثاني، العقل الأداتي تحت النار: الحروب وفخ الأزمات المركّبة في النظام العالمي، تم تحليل دور العقل الأداتي في إدارة هذه الأزمات، وكيف تحولت الحروب إلى أداة لإدارة الاختلالات البنيوية للنظام العالمي. أما هذا المقال فيسعى إلى تطبيق هذا الإطار النظري على منطقة “الشرق الأوسط”، بوصفها إحدى أهم بؤر تداخل الجغرافيا والطاقة والحضارة والصراع الدولي، حيث يتجلى ما يمكن تسميته بـ “الفخ المركّب الجيوسياسي” في أكثر صوره كثافة وتعقيدا.
أولا: تعريف مصطلح الشرق الأوسط
“الشرق الأوسط” مصطلح جيوسياسي حديث ارتبط بالرؤية الأوروبية المركزية التي قامت على افتراض التفوق الحضاري الغربي، وانطلقت من اعتبار الجنس الأبيض المركز المرجعي الذي يحدد موقع الآخرين. وقد ظهر المصطلح في سياق التفكير الاستراتيجي الإمبراطوري الذي كان يسعى إلى تأمين طرق التجارة البحرية بين أوروبا ومستعمراتها الآسيوية، وأطلقه ألفريد ثاير ماهان عام 1903 لوصف المنطقة العربية – الإسلامية، في سياق رؤية استراتيجية للسيطرة على الفضاء الجغرافي الممتد بين آسيا وإفريقيا، لما يمثله من أهمية في طرق التجارة العالمية والتوازنات الإمبراطورية.
وجرى تكريسه في الأدبيات الدولية بعد هزيمة الأمة في الحرب العالمية الأولى، لنزع الهوية العربية – الإسلامية عن المنطقة، واستبدال مسماها الحضاري بمسمى جغرافي، وتهيئة الظروف لاحقا لإقامة المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي الصهيوني في فلسطين.
من المهم ملاحظة أن القوى الغربية التي استخدمت هذا المصطلح لم تكن كتلة موحدة، إلا أن أهدافها الاستراتيجية تجاه المنطقة كانت متقاربة إلى حد بعيد، وإن تباينت أدواتها وسياساتها في السعي إلى تحقيق تلك الأهداف.
ثانيا: الجغرافيا السياسية: ” الشرق الأوسط “كمركز العالم الجغرافي
لفهم الأهمية الاستراتيجية لمنطقة “الشرق الأوسط”، لا بد من الاستفادة من الأدبيات الكلاسيكية في الجغرافيا السياسية، التي حاولت تفسير العلاقة العميقة بين الجغرافيا وتوازنات القوة في النظام الدولي. فقد رأى الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر، في نظريته الشهيرة حول “محور التاريخ الجغرافي”، أن السيطرة على قلب أوراسيا تمنح القوى الكبرى قدرة استثنائية على التأثير في النظام العالمي. وفي المقابل، طوّر عالم الجغرافيا السياسية الأمريكي نيكولاس سباكمان مفهوم “حافة اليابسة”، مؤكدا أن السيطرة على الحزام الساحلي المحيط بأوراسيا – الذي يضم الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وجنوب آسيا وشرقها – هي المفتاح الحقيقي لتوازنات القوة العالمية. أما المفكر الأمريكي ألفريد ثاير ماهان فقد ركّز على أهمية السيطرة على الممرات البحرية وخطوط التجارة العالمية بوصفها أحد الأسس الجوهرية للقوة الجيوسياسية.
وعند النظر إلى منطقة “الشرق الأوسط” في ضوء هذه المقاربات الثلاث، يتضح أنها تقع في نقطة تقاطع بين قلب أوراسيا وحافتها البحرية، وبين أهم طرق الملاحة العالمية، الأمر الذي يفسر لماذا تحولت تاريخيا إلى إحدى أكثر مناطق العالم تعرضا للتنافس والصراع بين القوى الكبرى.
وبينما تركز تحليلات كثيرة على الأسباب المرتبطة بالنفط والغاز بوصفها المحرك الأساسي للصراعات في المنطقة، تظل الصورة أعمق وأوسع من ذلك بكثير. فالمنطقة ليست مجرد مصدر للطاقة أو ممرا لها، بل مفصل جيو استراتيجي وجيوسياسي مركزي في بنية النظام العالمي. ومن ثم فإن القول بأن “الشرق الأوسط” يمثل مركز العالم الجغرافي لا يعد مجرد تعبير سياسي أو بلاغي، بل هو توصيف ظهر في بعض المدارس الجيوسياسية والجغرافية التي رأت أن هذه المنطقة تشكل عقدة اتصال محورية بين القارات والحضارات والاقتصاد العالمي. لا يعني ذلك أنها المركز الحسابي لليابسة، بل أنها تمثل مركزا وظيفيا واستراتيجيا في حركة العالم وتوازناته.
فهي تقع في نقطة التقاء ثلاث قارات كبرى: آسيا وأوروبا وإفريقيا، وقد جعلها هذا الموقع، عبر التاريخ: عقدة رئيسية لطرق التجارة البرية والبحرية، نقطة عبور للجيوش والهجرات البشرية ومركز تواصل وتفاعل بين الحضارات.
ولهذا السبب، كانت طرق التجارة التاريخية الكبرى – مثل طريق الحرير قديما – تمر عبر هذه المنطقة أو تتقاطع معها، كما أن المبادرات الجيو – اقتصادية المعاصرة، مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية، وكذلك الاستراتيجيات الجيوسياسية الحديثة مثل استراتيجية منطقة المحيطين الهندي والهادئ الأمريكية، تتقاطع مصالحها الجغرافية والاقتصادية مع هذا الفضاء.
كما أن المنطقة تسيطر على بعض أهم الممرات البحرية في العالم، وتتحكم في عدة مضائق استراتيجية بالغة الأهمية، من أبرزها: قناة السويس، ومضيق هرمز، وباب المندب، وهي ممرات تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وشحنات النفط والغاز، وحركة السفن بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
تداخل الجغرافيا والطاقة والحضارة في فضاء واحد يوضح لماذا أصبحت المنطقة بؤرة مستمرة للصراعات، ويجعلها نموذجا للفخ المركّب الجيوسياسي: أزمات متشابكة تعكس تداخل مصالح القوى الكبرى مع هشاشة البنى الإقليمية، وتكشف الحدود والفرص في النظام العالمي المعاصر.
ثالثا: “الشرق الأوسط ” يتمركز على ما يُسمّى “حافة أوراسيا
يرى عدد من الباحثين في الجغرافيا السياسية أن بؤرة الصراع في القرن الحادي والعشرين تتمركز على ما يُسمّى “حافة أوراسيا”. وتعود هذه الفكرة، كما سبقت الاشارة، إلى نظرية حافة اليابسة، والتي تفيد بأن السيطرة على الحزام الساحلي المحيط بقارة أوراسيا – الممتد من شرق أوروبا إلى جنوب شرق آسيا وشرق سيبيريا، مروراً بالعالم العربي وإيران وأفغانستان – تتيح التحكم في موازين القوة بين أوروبا وآسيا، ومن ينجح في التأثير في هاتين الكتلتين الحضاريتين والجغرافيتين يمتلك قدرة حاسمة على التأثير في النظام العالمي.
وتركز هذه النظرية على الموقع الاستراتيجي أكثر من تركيزها على الحجم الجغرافي للدول، أي أن الأهمية الجيوسياسية لا تنبع من اتساع المساحة بقدر ما تنبع من القدرة على التحكم بالممرات الحيوية وبنقاط التوازن بين القوى الكبرى.
1.3 أوروبا الشرقية: بوابة قلب أوراسيا
أحد أهم نقاط التوتر في هذا الحزام يتمثل في الصراع في أوروبا الشرقية، خاصة منذ اندلاع الحرب الروسية – الغربية في أوكرانيا. وترى بعض التحليلات الجيوسياسية أن أهمية هذه المنطقة تعود إلى عدة عوامل، فهي تمثل:
• بوابة جغرافية بين أوروبا وروسيا
• نقطة تماس استراتيجية بين روسيا وحلف الناتو
• ممرا مهما لخطوط الطاقة والغذاء
ولهذا السبب يعتبرها بعض الجغرافيين السياسيين مفتاحا للتأثير في توازنات القوة داخل أوروبا.
2.3 شرق آسيا: مركز الاقتصاد العالمي الجديد
الجزء الشرقي من حافة أوراسيا يتمثل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تبرز عدة نقاط ساخنة مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. وفي هذا الفضاء يتجلى التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم اليابان وكوريا الجنوبية. وتنبع أهمية هذه المنطقة من عدة عوامل رئيسية:
• احتضانها أكبر الاقتصادات الآسيوية وأكثرها ديناميكية
• مرور نسبة كبيرة من التجارة العالمية عبر ممراتها البحرية
• تمركز أهم سلاسل الإمداد الصناعية والتكنولوجية فيها
3.3 قوس الصراع العالمي
يلاحظ بعض الباحثين أن الأزمات الكبرى في العالم اليوم تقع على قوس جغرافي واحد يمتد عبر حافة أوراسيا، حيث تتقاطع فيه بؤر التوتر الرئيسية في النظام الدولي المعاصر:
• أوروبا الشرقية: بوابة قلب أوراسيا،
الصراع مع روسيا في أوكرانيا يشمل نقاط تماس مع الناتو، وممرات استراتيجية للطاقة والغذاء، ما يجعل السيطرة عليها مفتاحا لتوازن القوة الأوروبي.
• “الشرق الأوسط”: مفصل الطاقة والتنافس الإقليمي
تتداخل فيه الجغرافيا، والطاقة، والرمزية الحضارية، ويصبح مركزا للصراعات بين القوى الكبرى والمشاريع الإقليمية.
• شرق آسيا: منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما فيها بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان
تضم أكبر اقتصادات آسيا، وأهم سلاسل الإمداد الصناعية، وتشهد تنافسا أمريكيا صينيا حادا.
هذا القوس الجغرافي يربط بؤر الصراع الثلاثة، ويحوّل أزماتها إلى جزء من ديناميات النظام العالمي نفسه، مما يوضح كيف أن الفخ المركّب يمتد من الشرق الأوسط إلى قلب أوراسيا وشرق آسيا، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية في شبكة مترابطة يصعب فك رموزها.
رابعاً: تحوّل مركز الاقتصاد العالمي من الأطلسي إلى الهندي – الهادئ
يرى كثير من الباحثين في العلاقات الدولية أن مركز الثقل في النظام العالمي يتحول تدريجيا من الفضاء الأطلسي إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهذا التحول لا يمثل حدثا مفاجئا أو قطيعة تاريخية حادة، بل هو عملية تراكمية بدأت تتبلور منذ أواخر القرن العشرين، بالتزامن مع الصعود الاقتصادي والاستراتيجي المتسارع لآسيا.
1.4 بداية القرن الآسيوي
كان مركز الاقتصاد العالمي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين متمركزا في الفضاء الأطلسي، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، حيث تركزت القوة الصناعية والمالية والتجارية للنظام العالمي. غير أن هذا التوازن بدأ يتغير تدريجيا منذ تسعينيات القرن العشرين، مع انتقال جزء متزايد من القوة الاقتصادية نحو آسيا، ولا سيما مع صعود الصين والهند، إلى جانب الأدوار الاقتصادية المؤثرة لكل من اليابان وكوريا الجنوبية.
ولفهم هذا التحول البنيوي في مركز الاقتصاد العالمي، لا بد من النظر إليه عبر ثلاث طبقات مترابطة تعكس العلاقة بين الاقتصاد العالمي، والجغرافيا الاستراتيجية.
• الاقتصاد العالمي والجغرافيا البحرية:
تمثل آسيا اليوم نسبة كبيرة من النمو الاقتصادي العالمي، كما أن أكبر ممرات التجارة البحرية في العالم تمر عبر المحيطين الهندي والهادئ. وإلى جانب ذلك، تتركز في شرق آسيا نسبة كبيرة من سلاسل الإنتاج الصناعية العالمية، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي المعاصر. وبهذا المعنى، أصبح المحيطان الهندي والهادئ يشكلان محور الجغرافيا البحرية الجديدة للاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع فيهما التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية.
• “الشرق الأوسط” كجسر بين النظامين:
في سياق هذا التحول البنيوي في مركز الاقتصاد العالمي، يلعب “الشرق الأوسط” دور المفصل الجغرافي الذي يربط الاقتصاد الآسيوي بأوروبا وبقية أجزاء العالم. فالموقع الجغرافي ل “الشرق الأوسط ” لا يكتسب أهميته من اعتبارات اقتصادية وسياسية فحسب، بل يمثل أيضا امتدادا لتاريخ طويل من التفاعل والتواصل بين الحضارات الإنسانية المختلفة، حيث شكّلت هذه المنطقة عبر قرون طويلة فضاء للربط بين طرق التجارة، ومسارات الهجرات، وشبكات التبادل الثقافي والحضاري بين الشرق والغرب.
• الفخ المركّب الجيواقتصادي:
يوضح هذا التحول أن أزمات “الشرق الأوسط” لا تنفصل عن الديناميات الاقتصادية العالمية، بل تتشابك مع صعود آسيا وتنافس القوى الكبرى على الموارد والممرات، ما يجعل المنطقة نقطة حاسمة في الفخ المركّب للنظام الدولي المعاصر.
خامساً: مركز الطاقة العالمية
يحتوي “الشرق الأوسط” على أهم وأجود مصادر الطاقة الأحفورية في العالم، بما في ذلك أكبر الاحتياطيات النفطية والغازية المعروفة، وبتكلفة استخراج منخفضة نسبيا مقارنة بالعديد من مناطق الإنتاج الأخرى.
وتتركز أكبر الاحتياطيات النفطية التقليدية في السعودية والعراق وإيران، بينما أصبحت دول الخليج، ولا سيما قطر والإمارات، من أهم مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى جانب الدور المؤثر للكويت داخل منظمة أوبك وفي توازنات سوق الطاقة العالمية.
يضع هذا الدور الاستراتيجي المنطقة في قلب الفخ المركّب: إذ تتقاطع الجغرافيا، والطاقة، والمصالح الاقتصادية، والقوى الكبرى في شبكة أزمات متشابكة، تجعل أي اضطراب في “الشرق الأوسط” يرتد على النظام العالمي بأسره.
سادساً: مركز ديني وحضاري عالمي
“الشرق الأوسط” هو مهد الديانات التوحيدية الثلاث: الإسلامية والمسيحية واليهودية، التي يدين بها أكثر من نصف سكان العالم. وتضم المنطقة عددا من المدن التي تتمتع بمكانة روحية وتاريخية استثنائية لدى مليارات البشر، مثل مكة والمدينة والقدس وبيت لحم والناصرة وغيرها من المواقع الدينية ذات الرمزية العميقة في الوعي الديني والحضاري العالمي. ويمنح هذا البعد الحضاري والثقافي المنطقة أهمية خاصة تتجاوز الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية، وقد جرى توظيفه تاريخيا في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء، سواء لتعزيز النفوذ والشرعية السياسية، أو – في بعض الأحيان – لإثارة النزاعات والصراعات.
إن التنوع الديني والثقافي العميق في المنطقة يجعل أي مشروع جيوسياسي مستدام فيها بحاجة إلى التعامل مع هذا التنوع بوصفه أرضية حضارية وثقافية أساسية، وليس مجرد معطى ثانوي
سابعا: عقدة توازنات القوى العالمية
الموقع المركّب للمنطقة يفسر لماذا ظلت المنطقة عبر التاريخ الحديث إحدى أكثر بؤر الصراع الدولي كثافة، حيث يتداخل التنافس على البر والبحر والطاقة والنفوذ الحضاري في فضاء جغرافي واحد.
في الماضي، كانت الإمبراطوريات القديمة والقوى الاستعمارية الأوروبية تتصارع للهيمنة، أما في العصر الحديث، فتشارك الولايات المتحدة، روسيا، الصين، إضافة إلى دول إقليمية مثل إيران، تركيا، السعودية ومصر، والمنظمات غير الدولاتية في تحديد موازين القوى.
تشمل نقاط التوازن الأساسية الطاقة، الممرات التجارية، والمواقع الاستراتيجية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع مصالح الدول الإقليمية. معظم صادرات الطاقة من المنطقة تتجه إلى آسيا. والموانئ في الخليج والبحر الأحمر والمتوسط أصبحت مراكز لوجستية تربط أوروبا، آسيا، وأفريقيا.
كما تمر عبرها أو تعتمد عليها مشاريع كبرى مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية، واستراتيجية منطقة المحيطين الهندي والهادئ الأمريكية، ما يجعل “الشرق الأوسط” عقدة مركزية في النظام العالمي الجديد، معقدة ومليئة بالتناقضات بين الفاعلين الدوليين والإقليميين.
تظهر الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على فلسطين وإيران ولبنان وعموم المنطقة بوضوح أن الأزمات ليست منفصلة، بل نظام معقد يتداخل فيه العسكري، الاقتصادي، والحضاري، وأي اضطراب في المنطقة يعني اضطراب النظام الإقليمي والعالمي كله.
ثامنا: السيطرة على “الشرق الأوسط” نقطة ارتكاز أساسية في أي مخطط للهيمنة العالمية
بالنظر إلى أن هذه المنطقة تجمع بين موقع جغرافي استراتيجي فريد، وموارد طبيعية هائلة، وبنية تحتية متقدمة للتجارة العالمية، فضلا عن قداسة دينية يمكن توظيفها لتجنيد ملايين البشر عبر الرمزية الروحية والثقافية، تصبح السيطرة على الشرق الأوسط محورا لا غنى عنه لأي مخطط عالمي يسعى لإعادة تشكيل موازين القوة. فالتحكم بهذه المنطقة يعني امتلاك أداة استراتيجية متعددة الأبعاد تمتد بين القوة الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والحضارية. وانطلاقا من ذلك يمكن تفصيل الآثار الاستراتيجية للهيمنة على المنطقة كما يلي:
1.8 التحكم الكامل في موارد الطاقة العالمية، بما يتيح التأثير المباشر في أسعارها وتوزيعها على الأسواق الدولية، وتحويل النفط والغاز إلى أدوات ضغط استراتيجية على القوى الاقتصادية الكبرى.
2.8 السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية، التي تشكل شرايين التجارة العالمية، وتربط القارات بعضها ببعض، ما يجعل أي اضطراب في هذه الممرات انعكاسه عالميا وفوريا على الاقتصاد والسياسة.
3.8 التأثير العميق في اقتصاديات أوروبا وآسيا على وجه الخصوص، وبالتالي القدرة على إعادة رسم قواعد الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالح الهيمنة أو يضغط على المنافسين الدوليين.
4.8 ضبط صعود القوى الإقليمية المنافسة، عبر التأثير على سياساتها الداخلية والخارجية، وتوجيه توازناتها العسكرية والاقتصادية بما يضمن بقاء الفاعل العالمي المسيطر في موقع القوة.
5.8 امتلاك أداة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والحضارية، ما يجعل المنطقة مسرحا متكاملا يمكن استثماره في كل صراعات النفوذ الدولية والإقليمية.
وعليه، تصبح السيطرة على “الشرق الأوسط” إحدى أهم نقاط الارتكاز في أي مخطط عالمي يسعى لإعادة تشكيل موازين القوة.
تاسعا: التنافس الإقليمي على قيادة “الشرق الأوسط “
البعد الحضاري للنظام الإقليمي:
تعاني المنطقة العربية – الإسلامية المسماة بـ” الشرق الأوسط” من إشكالية أساسية ناجمة عن الاستلاب الحضاري والتغريب، الذي بدأ مع الغزو الاستعماري الأوروبي لشمال إفريقيا واليمن والخليج العربي في القرن التاسع عشر، وتعمق في المشرق العربي – الإسلامي إثر سقوط دولة الخلافة الإسلامية وتفكيكها بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيم مجالها الجغرافي إلى دول قومية وقطرية. وقد انخرطت مكوناتها الأصيلة ـ العرب والترك والفرس والأكراد ـ في صراعات بينية قومية وإثنية وطائفية ومذهبية، بفعل إعادة الهندسة الاستعمارية للمنطقة جغرافيا وديموغرافيا، وانضمامها فرادى، بما يشمل ولاءاتها السياسية والاقتصادية، إلى المراكز الاستعمارية الغربية.
وقد فاقم التباعد بين هذه المكونات افتقار مشاريعها التحررية القومية والقطرية إلى أفق حضاري جامع. ونتيجة لذلك، تشهد المنطقة العربية – الإسلامية عدة مشاريع جيوسياسية متنافسة:
أ ـ المشروع الجيوسياسي الإيراني
يعد المشروع الإيراني أحد أقوى المشاريع في طور الانتقال الاستراتيجي في الإقليم. غير أن الحالة الإيرانية تبقى مثالا معقدا، إذ ما يزال مشروعها يتحرك بدرجة كبيرة ضمن منطق جيوسياسي قومي ومذهبي، رغم أنه يحمل أيضا بعدا حضاريا ورمزيا أوسع. ويشكل ذلك أحد أهم تحدياته، إذ أن تقديم البعد الجيوسياسي على الأفق الحضاري الأوسع يبقي مشروعه مهددا، وغير قادر على جذب الدعم الشعبي الإقليمي الواسع، أو تحويل النفوذ العسكري والسياسي إلى استدامة حضارية راسخة.
ب ـ المشروع الجيوسياسي التركي الصاعد
رغم أهمية تركيا وثقلها الجغرافي والديموغرافي والاقتصادي والعسكري، إضافة إلى إرثها التاريخي الطويل، فإن مشروعها الجيوسياسي القومي ما يزال يفتقر إلى الأفق الحضاري الشامل الذي مكّنها سابقا من قيادة الأمة لقرون. وما تزال تركيا تراوح بين الطموحات القومية والتموضع في حلف الناتو، وبين السعي لاستعادة دورها في الفضاء الحضاري الإسلامي، دون التجرؤ الكامل على الانفكاك عن نظام الحداثة المادي الغربي المهيمن.
ج ـ العالم العربي
رغم الإرث التاريخي الثري لقيادة العرب للمشروع الحضاري الإسلامي لأكثر من ثمانية قرون متصلة، ما يزال العرب ـ فرادى وجماعة ـ يفتقرون إلى مشروع جيوسياسي قومي واضح . فمنذ أن تم تحريضهم على الثورة ضد مركز الحكم العثماني المستبد في أواخر القرن التاسع عشر، بالتزامن مع التوغل الاستعماري الغربي – الصهيوني في المنطقة، عوّلوا على الوعود البريطانية والغربية بدعم استقلالهم مقابل انخراطهم في الحرب ضد الإمبراطورية العثمانية. وقد أسهم ذلك في تسريع هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية إثرها. غير أن العرب لم يحصلوا على الاستقلال الموعود من القوى الغربية المنتصرة في الحرب، الطامعة في بلادهم وثرواتهم، بل كان جزاؤهم تقسيم الوطن العربي، وزرع الكيان الاستيطاني الغربي الصهيوني في فلسطين، التي تتموضع في مركز الوصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري بين الجزء الآسيوي والإفريقي.
ومنذ ذلك الحين، مُنع العرب ـ وما يزالون ـ من إنشاء إقليم عربي وازن، وهو أمر تقاطعت حوله مصالح القوى الدولية المتنافسة، وكرسته في صراعاتها، محولة الوطن العربي إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. فالنهوض لأي من المكونات الأصيلة يحد من قدرة القوى الدولية الساعية إلى توسيع نفوذها، ولذلك تلاقت مصالح القوى المتنافسة في مقاومة النهوض القومي العربي.
غير أن إجهاض المشاريع التحررية العربية لم يكن فقط نتيجة التآمر الاستعماري الغربي-الصهيوني والتواطؤ الدولي، بل أيضا بسبب هشاشة الدول القطرية التي استحدثتها اتفاقيات سايكس – بيكو، وتغرّب نخبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانخراطها في المشروع الاستعماري الغربي بذريعة التحديث، والقطع مع الإرث الحضاري الجامع.
وقد أدى ذلك إلى تحويل التنوع العرقي والإثني والديني والطائفي والمذهبي ـ الذي أغنى الحضارة العربية الإسلامية ومكّنها من التسيد لقرون طويلة ـ إلى مصدر للتوترات والصراعات الداخلية والبينية، فأضعف مناعة الدول فرادى والأمة مجتمعة، وحال دون نجاح الأقطار العربية المستحدثة في بناء دول وطنية حديثة قادرة على التأسيس لنهوض حقيقي.
وقد مكّن ذلك نظام الحداثة المادي الغربي – الصهيوني المهيمن من توظيف هذا الضعف في تحييد وتفكيك المراكز العربية الوازنة: فعُزلت مصر وانكفأت داخل حدودها القطرية بعد معاهدة كامب ديفيد مع “إسرائيل” عام 1979، واستُدرج العراق إلى حرب طويلة مع إيران بعد أشهر قليلة من انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، استمرت ثماني سنوات (1980-1988)، ودعم الغرب خلالها الطرفين لاستنزافهما معا.
وبالتزامن، فرضت الولايات المتحدة والغرب عقوبات اقتصادية شاملة على إيران، ثم شرعوا بعد توقف الحرب مباشرة في تفكيك العراق وتقويض قدراته، فسهّلوا له غزو الكويت، ثم حشدوا تحالفا دوليا لمحاربته وتفكيك الدولة العراقية. كما نجحوا لاحقا في حرف مسار الثورة الشعبية السورية المطلبية العادلة، وتحويلها إلى حرب أهلية مدمرة أضعفت مناعتها الذاتية، ومكنت الكيان الصهيوني من تدمير مقوماتها العسكرية والاقتصادية، وسمحت “لإسرائيل” وتركيا بالتوغل في أراضيها.
وهكذا جرى تحييد المراكز العربية الثلاث المؤهلة لقيادة الإقليم العربي: مصر والعراق وسوريا.
ولم تبلور السعودية ـ بوصفها المركز العربي المتبقي الوازن جغرافيا وديموغرافيا وماليا، والذي يمتلك تأثيرا واسعا في محيطه العربي والإسلامي ـ مشروعا جيوسياسيا واضحا حتى الآن، رغم أنها الدولة العربية الوحيدة المتبقية في المشرق العربي التي تمتلك مقومات ذلك في المدى المنظور.
د ـ الأكراد
حرم الاستعمار الغربي واتفاقيات سايكس – بيكو الأكراد، بعد تفكيك دولة الخلافة، من تشكيل دولة قومية خاصة بهم – ربما عقابا متأخرا على دور صلاح الدين الأيوبي في هزيمة المشروع الاستيطاني الإفرنجي / الصليبي قبل ثمانية قرون – فجزأ الجغرافيا الكردية وألحق أجزائها بالدول القومية والقطرية المجاورة المستحدثة بعد الحرب العالمية الأولى: إيران البهلوية وتركيا الكمالية، اللتان موضعتا مشاريعهما القومية في الإطار الغربي، إضافة إلى العراق وسوريا اللتين ارتضتا الانكفاء القطري.
وقد زرعت هذه الترتيبات الاستعمارية بذور الفتنة والصدام بين مكونات المنطقة، لمنعها من استعادة وحدتها الجغرافية والديموغرافية والحضارية.
ومثل الفلسطينيين الذين استهدف الغرب وطنهم بمشروع الاستبدال الاستيطاني الصهيوني، لم يحصل الأكراد المجزأة بلادهم وشعبهم على الاستقلال، رغم أكثر من قرن من الانتفاضات والثورات والمحاولات.
وللمفارقة، ربطت القوى الكردية، كما السلطة الفلسطينية، مشاريعها الاستقلالية بالدعم الغربي “والإسرائيلي”، فأصبحت جزءا من لعبة القوى الكبرى، بدلا من أن تتبلور كمشروع مستقل يمتلك أفقا حضاريا جامعا.
هـ ـ المشروع الجيوسياسي الغربي- “الإسرائيلي”
تمثل “إسرائيل” القاعدة المركزية الأهم في المنطقة لنظام الحداثة الغربي – الصهيوني المهيمن، والذراع التنفيذي المناط به مهمة إضعاف وتفكيك المراكز الإقليمية الأصيلة الوازنة. وعليه، فإن مشروعها الجيوسياسي لا يقتصر على استهداف فلسطين ولبنان وسوريا وإيران فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى عموم الدول العربية والإسلامية، بتأجيج الصراعات البينية بين القوى الإقليمية الأصيلة وتعطيل نموها، وتقويض قدرة أي قوة أصيله تحاول النهوض.
ورغم مركزية “إسرائيل” في المشروع الإمبريالي الأمريكي – الصهيوني للهيمنة الإقليمية والدولية، فإن خصوصيتها كدولة وظيفية، عززت قدرتها على المناورة عبر تقديم خدماتها الاستراتيجية للقوى الدولية المتنافسة، الأمر الذي مكنها من إقامة تحالفات مصلحية مع كافة المراكز الدولية المتنافسة بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، مثل روسيا والصين والهند وغيرها، ما عزز تأثيرها في دوائر صنع القرار الدولي.
تُظهر هذه المشاريع الجيوسياسية الإقليمية المتنافسة، أن أزمة المنطقة لا تكمن فقط في صراع القوى الدولية عليها، بل أيضا في صراعاتها البينية، وغياب مشروع حضاري تعددي جامع لمكوناتها الأصيلة، قادر على تحويل التنوع العرقي والإثني والثقافي والديني إلى مصدر قوة ووحدة. فالتنافس بين المشاريع الإقليمية ـ الإيرانية والتركية والعربية والكردية ـ يجري في فضاء جيوسياسي أعادت القوى الاستعمارية هندسته على نحو يجعل التوازنات فيه هشة، وقابلة دوما للاختراق الخارجي.
وفي هذا السياق، يتحول التنافس الإقليمي ذاته إلى أحد مكونات الفخ المركّب الذي تعيشه المنطقة، إذ تتداخل فيه الصراعات الداخلية مع تدخلات القوى الدولية، وتتقاطع فيه الجغرافيا بالطاقة بالرمزية الحضارية، بحيث تصبح كل محاولة للنهوض الإقليمي جزءا من شبكة أوسع من التوازنات العالمية. وبدلا من أن تنتج هذه المشاريع نظاما إقليميا مستقرا، تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لإدارة صراعات النظام الدولي، حيث يعاد توظيف تناقضاتها الداخلية لإدامة حالة التفكك، ومنع تشكل مركز حضاري وجيوسياسي قادر على إعادة صياغة توازنات الإقليم.
ومن هنا، فإن فهم التنافس الإقليمي في “الشرق الأوسط” لا يكتمل إلا بوضعه ضمن هذا الإطار الأوسع، حيث تتقاطع مشاريع القوى الإقليمية مع استراتيجيات الهيمنة الدولية، فتتشكل منظومة معقدة من الصراعات المتداخلة التي تجعل المنطقة أحد أكثر فضاءات العالم تجسيدا لما يمكن تسميته بـ الفخ المركّب في النظام الدولي المعاصر.
عاشرا: الحرب الأمريكية – “الإسرائيلية” على فلسطين وإيران ولبنان
يتعذر فهم الحرب الأمريكية – “الإسرائيلية” الشاملة على فلسطين وإيران ولبنان وامتدادها للخليج، بمعزل عن السياق الحضاري والجيوسياسي، وعن تفكك النظام الدولي، وتداخل المشاريع الإقليمية.
فالطاقة التي تبدو محركا للصراع ليست سوى مسرح يظهر عليه التنافس بين القوى الكبرى. أما سياسة الحرب التي ينتهجها نظام الحداثة الغربي المادي المهيمن، فترتبط بمحاولة الهروب من مواجهة المأزق البنيوي العميق الذي بلغته حضارة الحداثة الغربية المادية العنصرية، حيث بلغ العقل الأداتي حدوده التاريخية في إدارة الاختلالات البنيوية للنظام العالمي، وفشل في تحويل القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة إلى معنى أخلاقي أو حضاري مستدام. وتغذي هذا المسار الهشاشةُ السياسية والحضارية للنظام الإقليمي، التي توفر بيئة مواتية لتصعيد الصراعات، وتشجع القوى المهيمنة على توظيف الحرب كأداة سياسية لإدارة أزماتها الداخلية والخارجية، أو لتأجيل انفجار تناقضاتها البنيوية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الأزمات المتلاحقة في منطقة” الشرق الأوسط” مجرد صراعات إقليمية منفصلة، بل تعبيرا مكثفا عن التحولات البنيوية التي يعيشها النظام الدولي في لحظة انتقال تاريخي مضطربة.
فهنا، في هذا الفضاء الجغرافي الذي تتقاطع فيه الجغرافيا الاستراتيجية، والطاقة، والرمزية الحضارية، يتجلى الفخ المركّب بأوضح صوره: حيث تتداخل أزمات النظام العالمي مع هشاشة البنى الإقليمية، فتتحول المنطقة إلى مرآة تعكس حدود النظام الدولي القائم، وفي الوقت نفسه تكشف ملامح التحول التاريخي الذي قد يقود إلى إعادة تشكله.
المراجع:
• Mackinder, H. J. (1904). The Geographical Pivot of History. Geographical Journal.
• Spykman, N. (1942). America’s Strategy in World Politics.
• Mahan, A. T. (1902). The Influence of Sea Power upon History, 1660–1783.
• Fromkin, D. (1989). A Peace to End All Peace. Holt. –
• Khalidi, R. (1997). Palestinian Identity. Columbia University Press.
• Jentleson, B. W. (2014). American Foreign Policy: The Dynamics of Choice in the 21st Century.
• European Union External Action (EEAS). EU Strategic Interests in the Middle East.
• Quandt, W. B. (2005). Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict since 1967.
• Friedman, G. (2009). The Next 100 Years: A Forecast for the 21st Century.
• Frankopan, P. (2015). The Silk Roads: A New History of the World.
• Mearsheimer, J. (2014). The Tragedy of Great Power Politics.
• Kaplan, R. D. (2010). The Revenge of Geography.



