أقلام وأراءشوؤن دولية

د. عوض سليمية: من الاحتواء إلى التنافس الاستراتيجي: قراءة في مضامين استراتيجية الأمن القومي الأمريكي- 2025 تجاه الصين

د. عوض سليمية 11-12-2025: من الاحتواء إلى التنافس الاستراتيجي: قراءة في مضامين استراتيجية الأمن القومي الأمريكي- 2025 تجاه الصين

كشفت استراتيجية الامن القومي الامريكي -2025 عن تحولات جذرية في السياسة الخارجية الامريكية للسنوات القادمة تتعلق بميكانيكية التعامل مع دول العالم، الاعداء والاصدقاء على حد سواء. وكان للصين المنافس الاستراتيجي وثاني أكبر اقتصاد وقوة عسكرية في العالم؛ مركز الصدارة في هذه الوثيقة، انطلاقاً من قناعات راسخة لدى الرئيس ترامب ان سياسات اسلافه من الرؤساء تجاه الصين التي كانت قائمة على إغراء بكين للانضمام الى ما يسمى “النظام الدولي القائم على القواعد”، كانت غير واقعية. ويرى ترامب في وثيقته ان نخب واشنطن كانت على مدار السنوات إما “غير مدركة لمخاطر تنامي قوة الصين، او منكرين لها” عمداً. ويأتي إصدار الاستراتيجية الجديدة في ظل تصاعد التوترات بين البلدين حول قضايا متعددة، من بينها وضع جزيرة تايوان، النفوذ في بحر الصين الجنوبي وخليج تايوان، السياسات الجمركية، حرب الرقائق الإلكترونية، الذكاء الصناعي، وتوسع النفوذ الصيني العالمي.

تظهر الاستراتيجية الامريكية إدراكاً متزايداً لتنامي قوة الصين في كافة المجالات عبر العالم، وتؤكد فشل سياسات الاحتواء التي انتهجتها الادارات الامريكية المتعاقبة. في هذا السياق، تعتقد إدارة ترامب ان “سياسة فتح الاسواق الامريكية امام المنتجات الصينية، وتشجيع الشركات الامريكية للاستثمار في الاقتصاد الصيني، الى جانب نقل الصناعة الامريكية الى الصين” على مدى عدة عقود سابقة، كانت إجراءات خاطئة وأدت الى احداث خلل في الميزان التجاري، وبالتالي يجب قلبها لتحقيق “توازن عادل” يخدم المصالح الامريكية. نظرياً، يستطيع ترامب ان يقوم بعكس هذه السياسات، ولكن في الواقع سيُواجه بعقبات كبيرة ويصطدم بحقائق لا يمكن تجاوزها – ليس اقلها ان تقوم الصين بإجراءات ردع مماثلة على قاعدة التعامل بالمثل، وبالتالي احداث ارتدادات اقتصادية لا تحتاجها الادارة الجمهورية؛ خاصة عندما يكون الرقم 600 مليار دولار هو حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العام 2024.

هذه الاخبار ليست سيئة بالنسبة لبكين، وهي تتماشى مع مطالبها الدائمة بضرورة توافر العدالة في الوصول للأسواق العالمية، وقف الاجراءات والسياسات الامريكية الموجهة ضدها، لا افراط في الرسوم الجمركية، ولا اعاقات لسلاسل التوريد، لا ضوابط ولا عقوبات على الصادرات، ولا تشريعات تهدف لإبطاء نموها وتطورها التكنولوجي؛ وتبني تطلعاتها على قاعدة “رابح رابح”. وكان أحدث رد على الوثيقة الامريكية، ما نقله موقع News Week عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جياكون، تأكيده أن السبيل الوحيد الممكن لتحسين العلاقات بين الصين والولايات المتحدة هو التعاون البناء والمثمر، “الصين على أتم الاستعداد للعمل مع الولايات المتحدة للحفاظ على التطور المطرد للعلاقات الثنائية، وفي الوقت نفسه ستدافع بحزم عن سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية”.

مقاييس العلاقة الجديدة مع بكين، وفقاً لاستراتيجية الامن القومي ركزت في خطوطها العريضة على نقاط “القوة” لتحقيق المصالح التجارية للولايات المتحدة، بدلاً من التلويح بالمواجهة العسكرية. هذا النهج الجديد ابتعد في معاييره عن الخطاب التقليدي الامريكي المستند على لغة فضفاضة وحجج نشر الديموقراطية؛ وحقوق الانسان والمبادئ والعرق… والتي غالباً ما كان يستحضرها قادة البيت الابيض في كل نقاش لاستفزاز بكين؛ بدلاً من ذلك، أظهرت الاستراتيجية مصطلحات جديدة مثل “السلع والاستقرار”، “السلع والخدمات”، “المعاملة بالمثل” و”الانصاف”، وهو ما يمكن تسميته “بالدبلوماسية التجارية”.

هذا التحول نحو الارقام والحسابات التي يمكن ملامستها؛ يروق للصينيين التعامل معه لتحقيق الاهداف بدقة بمعادلات حسابية بسيطة. تقول الوثيقة ان منطقة المحيطين الهندي والهادي- حيث مركز المنافسة، “تشكل مصدراً لما يقرب من نصف الناتج المحلي الاجمالي العالمي بناءً على القوة الشرائية، وثلثه بناءً على الناتج المحلي الاجمالي الاسمي”. وبالتالي، فإن هذه الارقام تفرض على إدارة ترامب -التي تتبنى برنامجاً إصلاحياً داخلياً وتسعى لوقف هدر تريليونات الدولارات الخارجية، ان تتخلى عن سياسة التلويح بالقوة العسكرية؛ وان تُظهر توجهات فعلية في إصلاح سياساتها تجاه الصين، للحفاظ على مكانتها كــ “أكبر اقتصاد في العالم”، وهو ما تشير اليه الوثيقة بوضوح، “إذا بقيت أمريكا على مسار النمو – وتمكنت من الحفاظ عليه مع الحفاظ على علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة مع بكين – فمن المفترض أن ننتقل من اقتصادنا الحالي البالغ 30 تريليون دولار في عام 2025 إلى 40 تريليون دولار في عام 2030”.

هذا يعني، أن من مصلحة واشنطن ابقاء تدفق سلاسل التوريد “السلع” عبر الممرات المائية بسلاسة وامان “الاستقرار” دون اثارة نزاعات مع الصين ودون تحريض لحلفاء واشنطن للاحتكاك بالصين، وهو ما تطالب به بكين على الدوام؛ بعد ان اكدت استراتيجية بكين ان الرد السريع على إجراءات ترامب اثبت صحته، “تؤمن الصين دائمًا بأن الصين والولايات المتحدة ستستفيدان من التعاون وتخسران من المواجهة”. يقول قوه. في الواقع، يدرك قادة الطرفين ان كل منهما يمتلك اوراق ضغط قوية تؤثر بشكل مباشر على مسارات التنمية والاستقرار لبلديهما، لذلك من الافضل لهما العمل على تبديد المخاوف القائمة. وهو ما اتفق عليه فعلياً الزعيمان الصيني والامريكي خلال اجتماعها في 30 اكتوبر 2025 في بوسان/كوريا الجنوبية، يقول ترامب “لقد توصلنا الى اتفاق على كل شيء تقريباً”. هذا يشمل، الرسوم الجمركية، فول الصويا، الرقائق الالكترونية، المعادن النادرة… وغيرها من مغذيات الحرب التجارية القائمة.

في قضية تايوان ذاتية الحكم والمنفصلة عن الصين منذ العام 1949 والملف الامني لمنطقة بحر الصين الجنوبي، تلتزم الغالبية العظمى لدول العالم بسياسة “الصين الواحدة” والتي تعتبر ان تايوان جزء من البر الصيني، وليس كياناً مستقلاً، هذا الوضع القانوني اكده القرار الاممي رقم 2758 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1971 حيث شغلت بكين المقعد الدائم لتايوان- تم إخراجها من هيئة الامم المتحدة. ومنذ ذلك الوقت، اعترفت الولايات المتحدة بحكومة “الصين الواحدة”. ومع ذلك ما زالت واشنطن تتبع سياسة “الغموض الاستراتيجي” في سياساتها تجاه الجزيرة، وتعارض اية إجراءات صينية من شأنها تغيير الوضع القائم بالقوة العسكرية”؛ مع استمرار تزويد تايوان بالأسلحة الامريكية. وكادت زيارة رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي للجزيرة عام 2022 ان تشعل نار حرب بين بكين وواشنطن. بالمقابل، تؤمن حكومة الصين بمفهوم “دولة واحدة ونظامان” وترى ان “تايوان جزء مقدس ولا يتجزأ من أراضي الصين. وإن تحقيق إعادة توحيد الصين بالكامل سلمياً … متى سمحت الظروف… هو الطموح المشترك لجميع الصينيين”. وفقاً للموقع الرسمي لوزارة الخارجية الصينية.

في سياق متصل بالملف الامني، تتخوف واشنطن في وثيقتها الجديدة من “سيطرة أي منافس على بحر الصين الجنوبي”. الامر الذي يمنحه افضلية في “فرض نظام رسوم جمركية أو- وهو الأسوأ – إغلاقه وإعادة فتحه متى شاءت”. من وجهة نظر واشنطن، فإن “أي من هاتين النتيجتين سيلحق ضرراً بالاقتصاد الأمريكي والمصالح الأمريكية الأوسع”. وبالتالي ترى إدارة ترامب وجوب “وضع تدابير صارمة، إلى جانب الردع اللازم، لإبقاء تلك الممرات مفتوحة، خالية من “الرسوم”، وغير خاضعة لإغلاق تعسفي من قبل أي دولة”. في هذا السياق، تؤكد الصين أن مطالباتها بالسيادة والحقوق البحرية في منطقة بحر الصين الجنوبي “كانت متسقة ومستمرة منذ عام 1947.” وان نهج الصين القائم منذ تسعينيات القرن الماضي على “تأجيل النزاعات” والحفاظ على الوضع الراهن لم يتغير، وإذا كان هناك أي تغيير، فهو نتاج نزعة الهيمنة والسيطرة التي تسكن عقول نخب واشنطن وبعض حلفائهم في المنطقة، ممن يتخذون الجانب المعادي للصين. وفقاً لموقع SCSPI الصيني.

على الرغم من عديد نقاط الخلافات؛ وتباين وجهات النظر صعوداً وهبوطاً بين واشنطن وبكين؛ وسط غياب حالة الثقة بين الطرفين، الا ان الحكمة تكون حاضرة دائمة بين قادة القطبين الكبيرين بالنظر للمصالح المشتركة والمتداخلة بينهما. من وجهة نظر عملياتية؛ ترى واشنطن ان سياساتها الخارجية المستقبلية في التعامل مع الصين من المفترض ان تعود بالفائدة على المصالح الامريكية. بالمقابل، في الممارسة العملية، تنظر بكين الى ان الحفاظ على سلاسة تدفق سلاسل التوريد والامدادات في مياه بحرها الجنوبي والممرات المائية المحيطة دون معيقات، الى جانب الحفاظ على الاجماع الدولي المؤيد لعقيدة “الصين الواحدة” في ملف تايوان، هو وضع مثالي يُحقق مصالح بكين وجوهر استراتيجيتها. على هذا النحو، فإن الصراع بين القوتين الكبيرتين لا يجب ان يكون حتمياً بل يمكن إدارته بطرق دبلوماسية على صيغة “رابح رابح”، في سياق اتفاقيات تضمن توازن المصالح وتقلل من احتمالات النزاع، مما يتيح بيئة دولية أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى