د. عمرو حمزاوي: كيف يرفع الغياب الأوروبي من احتمالات الحرب الأمريكية الإيرانية
د. عمرو حمزاوي 24-2-2026: كيف يرفع الغياب الأوروبي من احتمالات الحرب الأمريكية الإيرانية
في اللحظة التي يتصاعد فيها التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ويغدو الشرق الأوسط مجددا على حافة مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدوده الجغرافية، يبدو الدور الأوروبي باهتا إلى حد الغياب. لا يتعلق الأمر فقط بعجز ظرفي عن التأثير، بل بأزمة أعمق تمس تعريف الاتحاد الأوروبي لذاته كفاعل جيوسياسي، وتكشف حدود قدرته على الانتقال من قوة معيارية تدافع عن القانون الدولي والاتفاقات متعددة الأطراف إلى قوة سياسية قادرة على إدارة الصراعات الصلبة والتدخل في لحظات الاختبار الكبرى.
منذ انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، حاولت العواصم الأوروبية الرئيسية—برلين وباريس ولندن—الحفاظ على الاتفاق بوصفه إنجازا دبلوماسيا متعدد الأطراف شارك في صياغته الاتحاد الأوروبي إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والصين. كان الاتفاق، أي خطة العمل الشاملة المشتركة، تجسيدا لفلسفة أوروبية ترى في التفاوض والتدرج والرقابة التقنية سبيلا لتقييد الطموحات النووية الإيرانية ودمج طهران تدريجيا في النظام الدولي. غير أن انسحاب واشنطن وإعادة فرض العقوبات الثانوية كشف هشاشة الأدوات الأوروبية. فآليات الأوروبيين التي صُممت للالتفاف على العقوبات الأمريكية لم تتحول إلى قناة اقتصادية حقيقية، بل بقيت رمزية، وعجزت الشركات الأوروبية الكبرى عن تحدي الهيمنة المالية الأمريكية أو المخاطرة بالوصول إلى السوق الأمريكية.هذا العجز لم يكن اقتصاديا فحسب، بل سياسيا أيضا. فبينما تمسكت العواصم الأوروبية رسميا بالاتفاق، لم تستطع أن تقدم لإيران حوافز كافية للإبقاء على التزاماتها، ولا أن تقنع واشنطن بالعودة السريعة إلى المسار التفاوضي. ومع تعاقب الإدارات الأمريكية، ظل الموقف الأوروبي محكوما باعتبارين متناقضين: الرغبة في الحفاظ على التحالف عبر الأطلسي، والخشية من الانزلاق إلى حرب إقليمية جديدة ستكون أوروبا من أول المتضررين منها، سواء عبر موجات لجوء جديدة أو اضطرابات في أسواق الطاقة أو تصاعد تهديدات أمنية عابرة للحدود.
أما إسرائيل، فقد نجحت في تكريس سرديتها الأمنية داخل دوائر صنع القرار الغربية، باعتبار البرنامج النووي الإيراني تهديدا وجوديا لا يحتمل التأجيل أو المساومة. وفي هذا السياق، بدا الموقف الأوروبي مترددا. فمن جهة، يكرر المسؤولون الأوروبيون التزامهم بأمن إسرائيل ورفضهم لحيازة إيران سلاحا نوويا. ومن جهة أخرى، يتحفظون على خيار الضربات العسكرية الاستباقية، ويدعون إلى خفض التصعيد. غير أن الدعوة إلى خفض التصعيد، حين لا تقترن بأدوات ضغط أو مبادرات ملموسة، تتحول إلى خطاب أخلاقي لا يغير في حسابات الفاعلين الأساسيين.لقد سعى بعض القادة الأوروبيين إلى لعب أدوار وساطة محدودة. تحركت باريس في أكثر من محطة لمحاولة فتح قنوات خلفية بين واشنطن وطهران، وأبدت برلين استعدادا لاستضافة محادثات غير رسمية، بينما احتفظت لندن بقنوات أمنية تقليدية مع الخليج. لكن هذه التحركات بقيت وطنية الطابع، ولم تتحول إلى استراتيجية أوروبية موحدة. هنا تكمن إحدى معضلات المفوضية الأوروبية ودوائر السياسة الخارجية في بروكسل: فملف بهذا التعقيد والحساسية لا يزال في جوهره بيد الدول الأعضاء، التي تختلف في تقييمها للمخاطر وأولوياتها الاستراتيجية.
يضاف إلى ذلك أن الحرب الروسية على أوكرانيا أعادت ترتيب الأولويات الأوروبية بصورة جذرية. فقد انصبّ التركيز السياسي والمالي والعسكري على دعم كييف ومواجهة موسكو، وجرى النظر إلى الشرق الأوسط من زاوية تأثيره على إمدادات الطاقة واستقرار أسواقها أكثر من النظر إليه كساحة صراع تتطلب انخراطا أوروبيا مستقلا. ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، اكتفى الأوروبيون غالبا بمتابعة الإيقاع الأمريكي، حذرين من أي خطوة قد تُفسَّر في واشنطن على أنها خروج عن الصف.
غير أن هذا الاصطفاف الحذر يطرح سؤالا أعمق حول مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية” الذي تكرر في الخطاب الأوروبي خلال السنوات الأخيرة. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يطمح إلى لعب دور أكثر استقلالا في النظام الدولي، فإن لحظات الأزمات الكبرى هي مقياس صدقية هذا الطموح. وفي الصراع الحالي، تبدو أوروبا أقرب إلى متلقٍّ للنتائج منها إلى صانع للخيارات. هي تتأثر بتداعيات العقوبات، وبالتقلبات في أسعار النفط، وبالتهديدات الأمنية، لكنها لا تمسك بخيوط اللعبة.
إن الغياب الأوروبي لا يعني انعدام المصلحة، بل على العكس تماما. فاستقرار الخليج وأمن الممرات البحرية وحظر الانتشار النووي تمثل جميعها مصالح حيوية لأوروبا. كما أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تعمّق الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، في ظل وجود جاليات شرق أوسطية كبيرة وحساسيات سياسية متباينة. ومع ذلك، لم ينجح الاتحاد في بلورة مبادرة متكاملة تجمع بين أدواته الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.ربما تكمن إحدى الإشكاليات في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي ذاتها. فبالرغم من التوترات التي شابت هذه العلاقة في بعض المراحل، لا يزال الأمن الأوروبي معتمدا بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية. هذا الاعتماد يجعل من الصعب على العواصم الأوروبية تحدي الخيارات الأمريكية في ملفات تعتبرها واشنطن جزءا من أمنها القومي المباشر أو من التزاماتها تجاه إسرائيل. وهنا يتحول الطموح الأوروبي إلى نوع من إدارة الهوامش: محاولة التأثير في التفاصيل دون الاقتراب من جوهر الاستراتيجية الأمريكية.غير أن الاستمرار في إدارة الهوامش قد يحمل كلفة طويلة الأمد. فكلما تكرست صورة أوروبا كفاعل ثانوي في أزمات تمس أمنها المباشر، تراجعت قدرتها على إقناع شركائها في الجنوب بأنها بديل متوازن أو وسيط نزيه. إيران نفسها، التي أبقت لسنوات على قنوات تواصل مع الأوروبيين، قد تعيد حساباتها إذا رأت أن أوروبا غير قادرة على ترجمة وعودها إلى أفعال. وفي المقابل، قد تنظر إسرائيل إلى المواقف الأوروبية باعتبارها خطابا أخلاقيا بلا ثمن سياسي.
إن إعادة تعريف الدور الأوروبي تتطلب، في تقديري، ثلاثة تحولات متزامنة. أولا، الانتقال من الدفاع عن الاتفاق النووي كصيغة جامدة إلى طرح تصور أوسع للأمن الإقليمي يشمل ترتيبات لبناء الثقة، وخفض التصعيد، وإدماج قضايا الصواريخ والنفوذ الإقليمي في مسار تفاوضي متعدد المراحل. ثانيا، استخدام الأدوات الاقتصادية الأوروبية بصورة أكثر جرأة، سواء عبر حوافز حقيقية لإيران مقابل التزامات محددة، أو عبر إشارات واضحة بأن أي تصعيد عسكري ستكون له كلفة سياسية على جميع الأطراف. ثالثا، العمل على توحيد الموقف داخل الاتحاد، بحيث لا تبقى المبادرات رهينة حسابات وطنية متباينة.لا أوهم نفسي بأن هذه التحولات سهلة أو سريعة. فالاتحاد الأوروبي كيان مركب، تحكمه توازنات داخلية دقيقة، ويتحرك في بيئة دولية تتسم بالاستقطاب الحاد وتراجع الثقة. لكن البديل عن محاولة بلورة دور فاعل هو القبول بدور المتفرج القلق. وفي عالم تتزايد فيه الأزمات المتداخلة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، لا تملك أوروبا رفاهية الاكتفاء بالقلق.
في نهاية المطاف، ليس السؤال ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادرا على منافسة الولايات المتحدة أو الحلول محلها في إدارة الصراع مع إيران، بل ما إذا كان قادرا على صوغ إضافة نوعية تقلل من احتمالات الحرب وتفتح نوافذ للحلول السياسية. حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى السلب. غير أن الفرصة لم تُغلق تماما. فكل تصعيد يحمل في طياته إدراكا متجددا لحجم المخاطر، وقد يشكل ذلك دافعا لإعادة التفكير في موقع أوروبا ودورها. بين الطموح والواقع مسافة واسعة، لكن تقليصها يبدأ بالاعتراف بأن الغياب لم يعد خيارا آمنا.



