د. عبير عبد الرحمن ثابت تكتب - الانتخابات الاسرائيلية وأزمة الفكر الصهيوني - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. عبير عبد الرحمن ثابت تكتب – الانتخابات الاسرائيلية وأزمة الفكر الصهيوني

0 100

د. عبير عبد الرحمن ثابت 27/3/2021

للمرة الرابعة على التوالي في أقل من عامين وإسرائيل تجري انتخابات برلمانية، ولا شك أن هذا يعكس قوة الديمقراطية فى النظام السياسى الاسرائيلى ولكنه يعكس أزمة سياسية عميقة في هذا النظام.

وقد أثبتت التجربة أن اللجوء إلى صناديق الاقتراع لم يعد مُجديا لحسم الصراع بين معسكرى الحكم الصهيوني في إسرائيل، فنتائج انتخابات الكنيست 24 لم تفض إلى حسم أى من المعسكرين للمعركة السياسية بالحصول على أغلبية 61 مقعد لتتمكن من تشكيل حكومة، وقد تم إعادة إنتاج نفس المشهد المتكرر منذ عامين.

وعلى الرغم أن الكثير من المحللين المختصين بالشأن الاسرائيلى يُحملوا نتنياهو الأزمة الحالية في المشهد السياسى الاسرائيلى؛ والذى تحول إلى ملك غير متوج سجل أطول حكم لرئيس وزراء في تاريخ إسرائيل؛ وهو الوحيد المدرك لتفاصيل المشهد السياسى الاسرائيلى بشكل عام والصهيونى اليهودى بشكل خاص؛ ويعي بشكل جيد توازنات المشهد السياسى في الولايات المتحدة وخاصة في الكونجرس الأمريكى الذى بات اليوم لا يدعمه؛ إلا أنه أستطاع أن يعبر من أزمة كوورنا وبأقل الخسائر؛ وإسرائيل من أوائل الدول التي استطاعت توفير اللقاح لمواطنيها. وقد يبدو نتنياهو يمثل ظاهريا رأس جبل الثلج في المشهد السياسى المتأزم في إسرائيل إلا أن الأزمة الحقيقية في اسرائيل أعمق من ذلك.  

إن الأزمة السياسية الحقيقية فى إسرائيل تكمن فى الفكر الصهيوني؛ فثمة معسكر يميني تقليدي يتزعمه نتنياهو غير قادر على رؤية العواقب الوخيمة التى ستترتب على بقاء الفكر الصهيونى بشكله التقليدى اليميني المتطرف؛ والذى لم يعد بمقدور العالم تقبله نظرا لتعارضه مع كثير من القيم العالمية من التحرر والديمقراطية والمساوة وهي قيم تدعي إسرائيل مشاركتها للعالم الحر فيها؛ والذي كان أحد أهم تجليات هذا الفكر قانون القومية اليهودية؛ والذى أظهر الدولة العبرية على أنها دولة عقائدية قومية وعنصرية تميز بين أفراد شعبها على أساس قومي وعقائدي؛ وكذلك سياساتها ضد الفلسطينيين المتمثلة فى الاستيطان والضم ومخالفة القرارات والشرعية الدولية؛ والذى أوصل اسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية متهمة بجرائم حرب ليس أقلها الاستيطان، وفى المقابل ثمة معسكر صهيونى آخر يتزعمه يمين الوسط ويضم فى جنباته اليسار ويسار الوسط الاسرائيلي وقسم كبير من هذا المعسكر المناوئ لنتنياهو والذى يقف على رأسه اليوم يئير لابيد زعيم حزب يش عتيد .

هذا المعسكر يرى أنه من الضرورى تطوير الفكر الصهيونى بحيث يصبح أكثر عقلانية وبرجماتية بحيث لا يصطدم مع القيم العالمية سالفة الذكر والتى يرى هذا المعسكر أنه من الحيوي جدا لبقاء إسرائيل أن تكون شريك أساسي للعالم الحر فى تلك القيم، وعلى الرغم أن هذا المعسكر يبدو أكثر عقلانية وأقل يمينية فى العديد من قضايا المواطنة والمساواة فى المجتمع الاسرائيلى إلا أن هذا المعسكر قد لا يختلف كثيرا عن المعسكر الآخر فى كثير من مضامين السياسة الاسرائيلية فيما يخص القضية الفلسطينية حتى وإن بدت سياسته ظاهريا مختلفة  عن المعسكر الآخر إلا أنها فى الواقع والمضمون لن تتمايز كثيرا عن النظرة الصهيونية للصراع نظرا لأنها تحمل نفس جينات الرواية التاريخية الصهيونية.  

إن ما يحدث اليوم فى المشهد الاسرائيلى من أزمة تشكيل حكومة مستقرة إنما هو فى الحقيقة إدارة لصراع صهيونية مأزومة بين صهيونية تقليدية يمينية قومية وصهيونية أخرى عقلانية وأقل يمينية وقومية وتطرف؛ وكلا الصهيونيتين لهما لوبيات الضغط الداعمة لكل منهما فى دوائر صنع القرار فى الولايات المتحدة.

ومن هنا ندرك مدى التأثير الذى بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية إحداثه في المشهد السياسي الاسرائيلى؛ وهذه الانتخابات تحديدا شكلت فرصة نادرة لرصد هذا التأثير الذى بدت معالمه واضحة فى نتائج الانتخابات وسنرى مزيدا منها فى الأيام القادمة فى التأثير على قدرة كل من المعسكرين المتعادلين  على النجاح فى تشكيل حكومة حتى لو كان ذلك بغطاء من أحزاب عربية لا يمنح القانون الاسرائيلي ناخبيها حقوق قومية متساوية مع الأغلبية اليهودية.

* أستاذة علوم سياسية وعلاقات دولية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.