Take a fresh look at your lifestyle.

د. عبد المنعم سعيد يكتب –  المفاجأة الأخيرة …!!

0 88

د. عبد المنعم سعيد 5/11/2021

اعترف بأنه انتابنى شعور كبير بالمفاجأة عندما أعلن الرئيس السيسى عن عزمه بعدم التجديد لقانون الطوارئ، أعقبه حالة من سرور والسعادة بتحقيق هدف من الأهداف السياسية الوطنية التى طال انتظارها عبر عصور وأزمنة. لم أكن ممن كانت لديهم بصيرة وحكمة أكبر وأوسع حتى إنهم رأوا هذه الخطوة قادمة بعد إعلان الاستراتيجية القومية لحقوق الانسان باعتبارها نتيجة منطقية. حدث هذا رغم شرف مشاركتى فى الإعداد مع كثيرين ممن اعتقدوا دائما أن عودة مصر إلى مصاف الأمم الناهضة لابد لها من الخروج من كل الحالات الاستثنائية التى تمنع وجودها فى الحالة الطبيعية للدول التى يحكمها القانون الطبيعي. كان إعداد الاستراتيجية نوعا من تقييد ما هو استثنائى، وبغض النظر عن الجوانب والالتزامات الدولية فى الموضوع، فإن الهدف كان إشاعة ثقافة حقوق الإنسان فى مجالها الواسع داخل النظام السياسى المصرى، وبين الشعب المصرى فى العموم. وبالفعل كان الاعداد للاستراتيجية، وتناولها فى ندوات وورش عمل ومؤتمرات وعبر وسائل الإعلام المختلفة، بمثابة جهد وطنى مطلوب ليوم سوف تكون مصر متقدمة حيث التقدم يستوعب الكثير من القيم العظمى وفى المقدمة حق الإنسان فى الحياة والحرية والمساواة إلى آخر الحقوق المعروفة.

وللحق فإنه فى كل الأوقات كان حق الانسان المصرى فى الأمن والأمان مسألة لا يمكن التهاون فيها، ولم يكن هناك اعتقاد فى أن السلطات المصرية يوجد بينها من يستيقظ فى الصباح لكى يبحث عن ضحايا للسجن أو للتعذيب، وفى الوقت الذى يسقط من بينها شهداء وهبوا حياتهم لإنقاذ وطن عظيم. لم تكن التجاوزات مستبعدة، ولكنها مثل الكثير من الذنوب والمعاصى نوع من اختبار الإنسان، سواء كان فى السلطة أو خارجها. لم يكن هناك شك فى أن المسئولين عن الأمن فى البلاد هم جزء من الشرائح الاجتماعية المصرية التى تقوم بالبناء والتعمير وحماية الدولة التى هى وظيفة لا تستغنى عنها دولة فى العالم. ولا أعرف شخصيا أسرة فى مصر لم تعرف فى وقت أو آخر ضابطا أو جنديا فى المؤسسات الأمنية المختلفة.

بدأت علاقتى بموضوع حقوق الإنسان وقانون الطوارئ اعتبارا من منتصف الثمانينيات من القرن الماضى عندما اطلعت على أوراق وكتب منظمة العفو الدولية. وقتها كانت مصر تعيش حالة الطوارئ التى فرضت منذ اغتيال الرئيس السادات، وكان الأمر غريبا أنه تحت ظلها كانت جماعة الإخوان المسلمين تنمو وتزدهر.

وفى الواقع أنه بينما كانت الشكوى دائمة من وجود قانون الطوارئ فإن الحقوق المدنية العامة تتعرض لاضطهاد كبير من قبل الجماعة وتوابعها من الجماعات والسلفيين الذين تمتعوا بسطوع كبير فى الحياة العامة متحالفين مع حزب الوفد مرة، ومع حزب العمل مرة أخرى، وفى كل الأحوال كانت طقوسهم ودوافعهم تضيق وتحدد الشأن العام. خلال التسعينيات ظهرت موجة إرهاب أخذت أشكالا كثيرة، وحلت المواجهة التى جعلت الضيق قادما من الجماعات الأصولية، ومن يقاومونها معا. وبينما الأولون كانوا يستخدمون القانون الإلهى لقمع البشر وتقييد حرياتهم، كان الآخرون يستخدمون قانون الطوارئ لحماية الجميع من العنف. أيامها كان لابد من حل هذه المعضلة الكبيرة للتوازن ما بين الحرية والأمن، وما بين حرية التعبير والتحريض، وكيف يمكن للشعوب والأمم أن تتعامل مع هذا الكم من المتناقضات. ظهرت جمعيات وجماعات حقوقية، ووقتها اتفقت أنا والأستاذ السيد يسين والدكتور محمد السيد سعيد على إنشاء مركز القاهرة لدراسة حقوق الانسان لأن القضية لم تكن تقبل لا المزايدة ولا المناقصة، وإنما الدراسة وفهم الحدود سواء كانت تجاه السلطة السياسية أو الجماعة أو حتى أحيانا المجتمع الذى أصبحت يده ثقيلة على المرأة وغيرها.

أخذ الموضوع منحى سياسيا مع مطلع الألفية، وأخذ شكل سلسلة من المقالات حول تعديل الدستور المصرى لكى يكون أكثر كفاءة وفعالية فى موضوعات كثيرة من بينها حقوق الانسان. وعندما أصبحت عضوا فى لجنة سياسات الحزب الوطنى الديمقراطى كانت هناك مطالبات دائمة بقوانين للمحليات أكثر اتساعا ورحابة، ورفع قانون الطوارئ مع وضع قانون لمكافحة الإرهاب. وفى الصباح الباكر فى أحد أيام فبراير ٢٠٠٥ جاءنى تليفون يبلغنى أن الرئيس مبارك سوف يلقى خطابا مهما فى مدرسة المساعى المشكورة فى المنوفية لكى يعلن عن ترشيحه للانتخابات الرئاسية. وعندما وصلت أخبرنى صديق أن الرئيس سوف يعلن عن انتخابات تنافسية ويرفع قانون الطوارئ معلنا عن انتهاء أوضاع استمرت منذ عام ١٩٥٢. وفى خطاب الرئيس جرى ذكر الأول، ولم تكن هناك إشارة للثانى، وفيما بعد وبعد مداولات كثيرة حول التعديلات الدستورية، تم الإعلان عن قانون لمحاربة الإرهاب قيد بعض السلطات الموجودة فى قانون الطوارئ. بقى القانون حتى جاءت الثورة الأولى، وبعد الثانية كانت الحاجة إليه أكثر من أى وقت مضى بعد أن أفرزت سنوات كثيرة من الغفلة واستغلال الدين حالة من الإرهاب لم تعرفها مصر من قبل.

الإعلان عن رفع قانون الطوارئ هو إعلان عن وصول مصر إلى حالة من الأمن والأمان والثقة بالنفس لم تتوافر لها منذ عقود سابقة. وهو من ناحية أخرى يحكى لنا عن قصة سنوات من الجهد الطويل والنضج الصبور للوصول إلى هذه الحالة التى تقررها مصر وليس غيرها. لم يكن القرار راجعا لأن العالم يريد ذلك لأن حرية الشعوب تقضى بأن تكون قراراتها موائمة لأحوالها؛ وأن قرارات الأمن تقف على قمة سلسلة متصاعدة من القرارات التى لا تقيم بنية أساسية مادية فقط وإنما تقيم «حياة كريمة» خالية من الخوف والذعر فى الحياة الدنيا، ومتسامحة مع انطلاق أفكار وحريات شعب خالد. رفع قانون الطوارئ لن يكون آخر القصص فى كتاب الحداثة المصرية المعاصرة.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.