د. عبد المنعم سعيد: الفتنة الكبرى!

د. عبد المنعم سعيد 12-11-2025: الفتنة الكبرى!
«الفتنة الكبرى» هو عنوان تاريخي لما جرى للمسلمين بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه؛ والتي جرت فيها الحرب بين المؤمنين والمرتدين، ثم بعد ذلك اشتعلت الفرقة بعد عهود من الفتح الإسلامي واتساع نطاق الدولة فقضي أمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان بعد أن سُمِّمَ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وبعد ذلك نشبت حرب ضروس بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ومنافسه على الخلافة معاوية بن أبي سفيان، واستمرت بعد ذلك حتى مقتل الحسن والحسين. القصة قاسية في مجملها وخلقت الكثير من الفرقة بين المسلمين عندما أصبحت فصائل ومذاهب أضعفت الخلافة والدولة والسلطة القائمة لتنظيم حال المسلمين عامة والعرب خاصة حتى أغار عليها الصليبيون والاستعمار بأشكاله المختلفة. ومع الاستقلال في القرن العشرين زاد الاهتمام بدراسة «الفتنة» وبات كتاب عميد الأدب العربي طه حسين مرجعية تحت هذا العنوان الكبير؛ ومؤخرا فإن الأستاذ إبراهيم عيسى اخترق المجال بثلاثية رائعة وشاملة التأريخ والتحليل والتحذير.
هذا التراث من «الفتنة» تداخل معه في وقتنا الحالى أمران: الأول هو ظهور «أصولية الإسلام السياسي» مشكلة في حركة الإخوان المسلمين وتوابعها الممتدة حتى القاعدة وداعش؛ ثم فروعها السنية والشيعية التي أخذت من القضية الفلسطينية عناوين العنف والعسكرة وتقسيم الدول تحت شعار «المقاومة» و«الجهاد» خالقة فتنة من نوع خاص داخل البلد الواحد والدولة الواحدة بما فيها الكيانات السياسية مثل مشروع الدولة الفلسطينية الذي تحول إلى «فصائل» تكون الوحدة بينها جزءا أصيلا من السياسة العربية. الثاني التطورات التكنولوجية المعاصرة التي مدت هذه الفصائل بأدوات خاصة لتعميق الفتن التاريخية وخلق أنواعا جديدة منها تلائم الدول العربية المعاصرة من حيث خلق منافسات وهمية فيما بينها وتعبئة الجماهير حولها من أدوات «التواصل الاجتماعي». وفي مصر وحدها فإن 97% من الشعب المصري يمتلك تليفونا جوالا يملك قدرات كبيرة للتعامل مع التطبيقات المختلفة التي تمنح القدرة على الاستقبال والإرسال والاشتباك والارتباط مع جماعات أخرى في محتوى يميل إلى الفرقة والانقسام والشرذمة.
ما يدفع إلى استعادة كل ما سبق هو أن الفتنة – لعن الله من أيقظها – أصبح جمهورها ليس بقليل من ناحية، وجاذبا لجماعات كثيرة جاهزة بالتشاؤم والسأم من أشكال المحتوى الإعلامي الجاري للدخول من منصاتها الخاصة بالوقود اللازم لإشعال أشكال كثيرة من الافتراق. هذه الحالة في الأغلب تدفع بعيدا المناسبات التي وقف فيها العالم العربي موقفا موحدا كما جرى بين الدم والنفط في حرب أكتوبر 1973؛ وعندما جرى احتلال الكويت 1990 وتحريرها في 1991. وفي التاريخ المعاصر فإن مواجهة «الربيع العربي» القائم على الفوضى والأصولية لم تكن تقلص من مكاسبها دونما التعاون الذي جرى بين الدول العربية التي توحدت على مساندة البحرين ومصر والأردن والمغرب وتونس في التخلص من الأصولية الإخوانية وأمثالها والتحرك وفق «رؤية» مستقبلية تقوم على الوحدة وليس الانقسام، والبناء وليس الهدم، والسعي نحو السلام وليس الحرب.
وضع النقاط على الحروف وتحتها يستدعي النظر في المحاولات التي تسعى إلى شق صف العلاقات المصرية الخليجية في عمومها، والمصرية السعودية خاصة، من خلال خلق مناخ من المنافسة السلبية التي تكسر الوحدة والترابط؛ وتستغل كل حادث لدس روح الغيرة والعداء والكراهية. ولأن النار كثيرا تأتي من مستصغر الشرر، فإن الالتحام الحالي بين الشعوب نتيجة الاقتراب الاقتصادي، والتعاون الاستراتيجي فيما يتعلق بالأوضاع في المنطقة والتعامل مع «القضية الفلسطينية» في وقت أزمة هي الأشد في تاريخها؛ واجه واقعة مشادة ما بين مصرى وزوجته في ناحية، وفرد أمن سعودي من ناحية أخرى. وفي علاقة يتفاعل فيها الملايين من البشر على الجانبين فإن أشكالا من الاحتكاك التي تحدث داخل الأسرة الواحدة يحدث لها أنواع كثيرة من المزايدة والوقيعة والتضخيم، ويعقبها تدخل أبواق الإخوان المسلمين وغيرهم من الأصوليات التي تذيع على مدار الساعة دسا شريرا يصبح فيه ما هو عارض حربا قائمة.
اللحظة العربية القائمة حاليا والتي تقوم على 12 دولة عربية متماسكة وطنيا وليس فيها ميليشيات ولا حرب أهلية ولديها «رؤية» مستقرة التنفيذ تقوم على البناء والتعمير والسعي نحو الاستقرار الإقليمي؛ تواجه الآن هذه الأنواع من الدس النفسي والإعلامي الذي يسمم العلاقات ويخلق مناخا للفتنة. الوجه الآخر للعملة والقائم على درجة كبيرة من التواد والتراحم والتكامل الإقليمي للأسف لا يكاد يكون ظاهرا في الصورة، فلا التعاون في مجالات الطاقة وتنمية إقليم البحر الأحمر؛ وغيرها السياسي والإستراتيجي ليس منظورا. التواجد السلبي من ناحية والآخر الإيجابي في الناحية الأخرى يجعل الأول يشكل خطرا على الثاني ويحتاج معالجة سياسية فعالة على مستويات عالية وراقية. ومن المدهش أنه لا يوجد ما بين البلدين والإقليمين – الخليج والبحر الأحمر – مركز للدراسات والبحوث التي تبحث وتواجه السعي نحو «الفتنة الكبرى» وإشعال النار من مستصغر الشرر. اللهم قد بلغت.



