أقلام وأراء

د. عبد الحي زلوم يكتب – هل هناك في الولايات المتحدة دولة عميقة؟ وكيف يكون ذلك في دولة تدعي الديمقراطية؟ وهل سيؤدي الانقسام الحاد في المجتمع الامريكي الى حرب أهلية ثانية؟

رأي اليوم – بقلم د. عبد الحي زلوم – 14/3/2017

1- الدولة العميقة غير المنتخبة هي المؤسسة الدائمة التي تُسير الادارات المنتخبة

الدولة العميقة هي التي تضع السياسات وتقرر من سيكون رئيساً وتضع له البرامج والاجندات وتمول حملاته الانتخابية . وهي التي ايضاً تقوم بتطويع أو تركيع أو حتى عزل الرؤساء في حال خروجهم عن اجندتهم كما هو الحال اليوم مع الرئيس ترامب .

قامت “الواشنطن بوست” بعمل تحقيق صحفي عبر ثلاث مقالات استغرق تحضيرها سنتان وعمل خلالها (20) من كبار صحافييها . كان عنوان المقالة الاولى:”عالم خفيّ ينمو دونما مراقبة” بتاريخ 19/7/2010 والتي جاء فيها: أن

“سلطة رابعة قد نشأت وهي مُغيّبة تماماً عن أعين الشعب الرقابية بستار من السرية الفائقة … لقد أصبحت كبيرة جداً ، وحدود مسؤولياتها ضبابية. بحيث أن قادة الولايات المتحدة لا يمسكون بزمامها .. وهي موجودة في كل مكان في أرجاء الولايات المتحدة”.

واضاف التقرير نفسه :-

•هناك (1271) مؤسسة حكومية تساعدها (1931) شركة تخدمها ضمن أجهزة الاستخبارات ، والأمن الداخلي ومكافحة الارهاب .

•وهناك 854000 شخص ضمن هذه الاجهزة ممن يحملون تصاريح بالاطلاع على التقارير ” سرّي جدّاً ” وهذا العدد يزيد مرّة ونصف عن عدد سكان العاصمة واشنطن !

•هناك 33 مركزاً في واشنطن لوحدها مخصصة لاعمال المخابرات السرّية جداً مساحة أبنيتها تعادل 17 مليون قدم مربع (حوالي 1.7مليون متر مربع)

كما جاء في المقال أيضاً :

” أن عالم ( السرّي جداً)… اصبح من الكبر والسرّية بحيث لا أحد يعرف … ما هي برامجه .”

هل هناك شيء أكثر وضوحاً عن وجود دولة عميقة جداً في الولايات المتحدة ؟

2- من يملك الدولة العميقة ؟

يمتلك 1% ققط من الامريكان ستة اضعاف ما يمتلكه 80% منهم كما يبين الجدول أدناه.

السواد الأعظم من الأمريكين يمتلكون

واحد بالمئة من الأمريكيين يمتلكون

80% يمتلكون 8.9% من الأسهم

38.3% من الأسهم

80 % يمتلكون 7 %

42% من الثروة المالية

90 % يمتلكون 6.7%

60.6% من السندات

من يمتلك الولايات المتحدة هم قلةٌ من فئة الواحد في المائة التي تمتلك الدولة العميقة

3- هل يوجد في الولايات المتحدة عالم ثالث ضمن حدودها وفي عقر دارها ؟

يعتقد ديفيد سي كورتنDavid C. Korten وهو أستاذ سابق في جامعة هارفارد خدم في سلاح الطيران الأمريكي أثناء حرب فيتنام في هيئة أركان الطيران بمكتب وزير الدفاع أن الجواب نعم. بعد عمل ما يزيد عن 35 عاماً خارج الولايات المتحدة ومتابعة نتائج عولمة الاقتصاد لصالح الولايات المتحدة واثاره السلبية على الدول النامية ، وبعد رجوعه للولايات المتحدة راعه ما شاهده فكتب في كتابه (عندما تحكم الشركات العالم):

” ومن موقعنا المميز في آسيا ، كنا نراقب بهلع بالغ كيف أدت نفس السياسات التي كانت الولايات المتحدة تنادي بها للعالم إلى خلق عالم ثالث ضمن حدودها وفي عقر دارها وذلك ما تكشف عنه الفجوة متزايدة الاتساع بين الغني والفقير … فهذه مدينة نيويورك التي تعتبر مركزاً رئيساً للنفوذ الاقتصادي نجد في مختلف أرجائها كافة الملامح والصفات التي تجدها في مدن العالم الثالث العصرية ، بما في ذلك الجيوش الجرارة من المشردين والذين لا مأوى لهم ، وبجانب أنماط الحياة المترفة إلى حد التبذير لدى طبقة الأثرياء والمشاهير ، كما نرى، حكومة عاجزة وعنفاً لا يميّز بين أحد”

اخر كتبه كان ” أجندة لاقتصاد جديد” توصّل فيه إلى أن النظام الحالي للولايات المتحدة هو منتهي الصلاحية ويطالب (بالاستقلال عن وول ستريت). كما كتب في ص 15″ لقد فشل نظامنا الاقتصادي بكافة المقاييس ، وكان الفشل مالياً ، وبيئياً، واجتماعياً، كما أن الازمة الاقتصادية الحالية تثبت بطريقة قاطعة أن هذا النظام غير قابل لان يصحح نفسه …”

هذه أراء أمريكي يُعتبر ابن المؤسسة الامريكية الاكاديمية والامنية وهي لم تأتِ من فيلسوف مسلم يدعو الى نظام اقتصادي اسلامي أو من شيوعي يريد ارجاع الشيوعية من كتب التاريخ .

4- ما هو موقف الدولة العميقة من ترامب؟

•لربما كان التناقض بين السلطتين أي سلطة الدولة العميقة وسلطة الادارة المنتخبة لدرجة غير مسبوقة بحيث بدأت الدولة العميقة بعمليات الضغط على ترامب حتى قبل توليه السلطة والى درجة أن ابواق الدولة العميقة قد بدأت من اليوم تطالب بلجان تحقيق شبيهة بلجان (الوترغيت ) التي اطاحت بالرئيس نيكسون . كتبت الواشنطن بوست ما ترغب أن تراه من لجان تحقيق فكتبت : (التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات يجب أن يكون مكوناً من لجنة الكونغرس من الحزبين مع سلطة استقدام اي مستندات يلزمها دون اي تحديد لزمن عملها وتقوم بنشر نتائجها كما تمّ في لجان التحقيق عن احداث 11 سبتمبر أو اغتيال الرئيس كيندي . وعلى ترامب ان يعلم أن مصداقية انكاره لاي علاقةٍ مع روسيا ستكون منقوصةً اذا رفض أن يبين تقريراته الضريبية وسجلاته التجارية). وبعبارة اخرى فهو متهم وعليه اثبات براءته بتقديم ما يطلب منه من وثائق والا فهو عميل روسي .

•أما بوق الدولة العميقة الاخر ” The Wall Street Journal ” فكتبت أن (الانكار الشديد من ترامب بتواطئه مع موسكو أو سلوكه الشائن يعني انه لو تبين مستقبلاً أن روسيا تمتلك تفاصيل يمكن ابتزازه بها فهذا يعني نهاية رئاسته).

النتيجة محسومة. أما أن يتبنى ترامب برامج الدولة العميقة ، علماً أن العديد من إدارته ووزراءه بما فيهم وزيرا الخارجية والدفاع هم من صلب الدولة العميقة ، أو ان يستمر الصراع وتتغلب الدولة العميقة ولكن بإضافة مسمار آخر في نعش امبراطوريتها.

5- ” فروقات الثروة والعنصرية” : هل ستقودان الى ثورة؟

كتب الدكتور ديل أركر Dale Archer مقالين في مجلة فوربس Forbes الامريكية المحافظة بعنوان :” فروقات الثروة: هل ستقود الى ثورة جاء في المقال الاول بتاريخ 4/9/2013 :

” كل الكلام عن تفاوت الثروة في السنتين الاخيرتين يستحضر السؤال : هل ستقود فروقات الثروة هذه الى ثورة ؟… ان اغنى واحد بالمئة يمتلكون 40 بالمئة من ثروة الامة المقدرة بـ 54 تريليون دولار. هذا يترك فقط 7 بالمئة لثمانين بالمئة من المواطنيين . ولنضعها بشكل آخر فإن اغنى 400 امريكي يمتلكون أكثر من ما يمتلكه 150 مليون امريكي أي أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة …”

ويضيف في مقاله الثاني بتاريخ 11/9/2013 :” يعيش 47 مليون أمريكي على اعانات الدولة للحصول على الاكل (Food Stamps) وحسب احصائيات وزارة الزراعة الاخيرة فإن 15 بالمئة من الشعب الامريكي يمكن اعتبارهم غير واثقين من

أين سيحصلون على وجبة غذائهم التالية …. ولدولة من مصاف الدول المتقدمة فهذا رقم مخيف.”

أما عن العنصرية فحدث ولا حرج . كانت الابادة الجماعية لسكان امريكا الاصليين واسموهم بالهنود الحمر وهم لا هنود ولاحمر . وكان الافارقة الامريكيون يباعون ويشترون بإعبتارهم أحد الاصول في المزارع أو المصانع لعدة قرون . وحتى يومنا هذا نلاحظُ مظاهرات السود في العديد من المدن الامريكية نتيجة المعاملة غير العادلة والعنصرية من الشرطة . أما عن ذوي الاصول الامريكية اللاتينية فلقد تعرضوا مرة ثمّ اخرى للاضطهاد والتفرقة . في سنة 1931 اثناء الكساد الكبير قامت الولايات المتحدة بتهجير قصري ما بين مليون الى مليونيين من المكسيكيان وخصوصاً من ولاية كاليفورنيا . قام بعض المبعدين برفع الدعاوى ضد الولايات المتحدة كما قدمت ولاية كاليفورنيا اعتذاراً رسمياً عن ممارساتها غير الاخلاقية تلك. كذلك وضعت الولايات المتحدة جميع المواطنيين اليابانيين الحاملين للجنسية الامريكية في معسكرات الاعتقال لا لذنبٍ سوى أنهم يابانيون، ولم تشفع لهم جنسيتهم في هذا الامر شيئاً .أما نقمة الـ99% من الشعب الامريكي ضد الواحد بالمائة الماسك بزمام أمور الدول العميقة وبالتالي الولايات المتحدة وعولمتها هذه الايام فلقد عبروا عن شعورهم بالظلم والرغبة بالتغيير ابتداءً من حركة ( احتلوا وول ستريت ) الى الانتخابات الامريكية الاخيرة التي ربح بها ترامب لا لشيء سوى انه خدع الجماهير البسيطة التي كان كل همها محاربة ما أسموه الفساد المؤسسي في واشنطن اي الدولة العميقة . وغنيٌ عن القول عن أعمال الكراهية ضد المسلمين والاجانب هذه الايام .

في لقاء لي يوم الخميس الموافق 2/3/2017 مع كاتب امريكي لمناقشة مشروع كتابه عن القضية الفلسطينية احضرتُ معي كتابي باللغة الانجليزية المنشور في الولايات المتحدة وعنوانه America a Huge Israel لاهديه للكاتب . لكنه اخبرني أنه قد اشترى الكتاب في الولايات المتحدة وأنه قد قراه بعناية .

ما وجدته مثيراً هو قوله بعد أن تكلمنا عن الموضوع الفلسطيني أنه لو لم يكن قد بدأ بمشروع كتابه هذا عن فلسطين لبدأ بكتاب آخر عنوانه (الحرب الاهلية الامريكية الثانية).

إذا كان هناك 15 بالمئة من الشعب الامريكي يمكن اعتبارهم غير واثقين من أين سيحصلون على وجبة غذائهم التالية واذا كان هناك 15% من السود الذين يثورون بين الحين والاخر ضد اضطهادهم من الشرطة وأغلبهم ممن يمتلكون ثروة سالبة أي ديونهم تزيد عن ممتلكاتهم ، و17 % من اللاتين والمكسيكان يشعرون بالتفرقة العنصرية والتهديد بالابعاد و5% من المسلمين والاسيويين الذين يعاملون كمجرمين حتى يثبتوا براءتهم فليس غريباً السؤال إن كانت حرب أمريكية أهلية ممكنة لأن الاغرب هو أنها لم تندلع حتى اليوم.

اخيراً فإن هزيمة مشروع الهيمنة الامريكية على العالم وعولمتها سيكون نتيجة فشل الاقتصاد الامريكي بل والقوة العسكرية الامريكية بكل جبروتها من تحقيق اهدافها وذلك لقيام العديد من الدول بتشكيل تكتلات دولية موازيةً ومعادية للعولمة والهيمنة بالاضافة الى تغير في الداخل من الاغلبية التي قاست وتقاسي من برامج العولمة والتي تسببت في نقل مشاريع الاستثمار لخارج الولايات المتحدة وعدم الاستثمارفي البنية التحتية. إن المستفيد من النظام الاقتصادي المتعولم هم طبقة الواحد في المائة

في الولايات المتحدة بالتآلف والتحالف مع فئات الواحد في المائة في المجتمعات الاخرى وضد مصالح الشعوب وهو امرٌ غير قابل للبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى