د. عبد الحي زلوم يكتب - هكذا زرع الاستعمار بذور فشل الدول الوظيفية التي أنشأها ولنأخذ لبنان مثالاً على ذلك .. فرنسا جاءت بالداء وجاء ماكرون ليدّعي أن عنده الدواء! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. عبد الحي زلوم يكتب – هكذا زرع الاستعمار بذور فشل الدول الوظيفية التي أنشأها ولنأخذ لبنان مثالاً على ذلك .. فرنسا جاءت بالداء وجاء ماكرون ليدّعي أن عنده الدواء!

0 73

د. عبد الحي زلوم *- 2/10/2020

تماماً كما وضع البريطاني سايكس والفرنسي بيكو خارطة الوطن العربي ليقسّما أراضيه وكأنه  عقار ورثاه عن أبيهما ،  قام تاجر عقارات  صهيوني   في الثلاثينيات من عمره اسمه جاريد كوشنر بتوجيهات من حكماء صهيون لتقسيم جديد لتلك الأراضي وإبدال ذلك النظام القديم بآخر جديد وكأن بلاد العرب قد أصبحت مشاعاً  لكل افّاك أثيم. فبدأ أصحاب النظام القديم كلٌ يتحسس رأسه يهرول الى مُشغّل  النظام الجديد لعله  يجد لنفسه وظيفة.  ‏قال‏ صغير  حكماء صهيون ‏‏ في البيت الابيض  ‏نحتاج منكم شهادة حسن سلوك جديدة بدءا  بتطبيعكم مع وكيلتنا  في بلادكم ، ‏وعليكم أن تعرفوا أن مشاغلنا كثيرة وباب البيت الأبيض موجود في تل أبيب، وهناك مرجعيتكم  في نظامنا الجديد وعليكم تغير مناهج تعليمكم واضافة مادة التربية اللاوطنية وأن تعلّموا اطفالكم ان الشمس تشرق من الغرب أي من بلادنا بل وحذف الايات المناهضة للسامية من قرآنكم  ، ‏وبعد ذلك سننظر  في أمركم !  ‏‏فتزاحم القوم زرافات ووحدانا لتقديم السمع والطاعة لأولي الأمر الجدد متبعين مواعظ فقهائهم بأن من يعصي أمر ولي الامر سيدخل النار .

أصبحت كيانات  سايكس بيكو الوظيفية دولاً فاشلة  منتهية الصلاحية لانتهاء وظائفها  وستتساقط كورق الخريف الواحدة بعد الأخرى  ليحل محلها نظام آخر  بوظائف جديدة  هو اليوم في مرحلة  المخاض والولادة .

****

ولاية الشام في العهد العثماني:

كانت الدولة العثمانية  في حالة  احتضار  في اخر قرن من  حياتها . تنافس الانجليز والفرنسيون على النفوذ في بلاد الشام عبر الأقليات  ودخل على الخط  المبشرون البروتستانت الامريكيون .

وكان الفرنسيون قد نجحوا في تأسيس علاقات وثيقة مع مختلف الطوائف في بلاد الشام إبان العقود الستة الأخيرة من الحكم العثماني، وذلك في محاولة للحد من التغلغل البريطاني. فقد لجأ الفرنسيون في بداية الأمر إلى طريق توسيع نشاطهم التعليمي، حيث رُبطت جامعة القديس يوسف بجامعة ليون عام 1913م، وافتتحت كلية الحقوق في بيروت التابعة لنفس الجامعة وأنيطت مهمة الإدارة والتدريس إلى اليسوعيين، كما افتتحت كلية مدرسة مهنية لتخريج خبراء في مجال الاستثمارات الفرنسية في المنطقة كالحرير والمناجم وسكك الحديد. وفي الوقت الذي بدأت الكتاتيب تفقد دورها التعليمي بين أبناء المسلمين انتشرت مدارس الإرساليات الدينية والتبشيرية التي كانت تدار من قبل الفاتيكان وتحظى بدعم فرنسي كبير. وبحلول عام 1938م كان 31 بالمائة من الطلاب في سورية يدرسون بالقطاع الحكومي في مقابل 58 بالمائة يتلقون تعليمهم في مدارس الإرساليات التي كان معظم طلابها من أبناء الأقليات ، وكان عدد المدارس الحكومية سنة 1934م  703 مدارس، تضم 75 ألف تلميذ، مقابل 1214 مدرسة للطوائف تضم 95 ألف تلميذ، بالإضافة إلى 618 مدرسة أجنبية (450   مدرسة فرنسية، 99 مدرسة أمريكية، 36 مدرسة بريطانية، 20 مدرسة إيطالية، 9 مدراس هولندية، ومدرستين لكل من سويسرا واليونان).  ولقد تم تعميق الطائفية حتى بين المسيحيين انفسهم بواسطة مدارس مذهبية منفصلة توزعت على النحو التالي :

149 مدرسة للروم الكاثوليك، 334 مدرسة للموارنة، 28 مدرسة للروم الكاثوليك، 20 مدرسة للأرمن الكاثوليك، 212 مدرسة للروم الأرثوذكس، 29 مدرسة للسريان الأرثوذكس، 194 مدرسة للأرمن الأرثوذكس، 157 مدرسة للمسلمين، و59 مدرسة للدروز، بالإضافة إلى 32 مدرسة متنوعة. وفي نهاية العهد العثماني استغلت فرنسا مصالحها التجارية في سورية لدعم الأقليات، ففي عام 1911، على سبيل المثال، كان هناك 194 مصنعاً فرنسياً للحرير يعمل فيها 14 ألف من الموارنة والروم الأرثوذكس والكاثوليك وكذلك الدروز .

كان نظام “الملّة” العثماني يحكم تعامل الدولة مع الأقليات الدينية  (1861م-1918م) ونظام “الملّة” منح الأقليات الدينية كالأرثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت، والأرمن، واليهود، قضائهم المستقل وحريتهم في العبادة وحفظ حقوقهم المدنية، وكانت إدارتهم المحلية أشبه بالحكم الذاتي، وكانت الحالة شبيهة بالنسبة للطوائف غير السنية حيث كانوا يتمتعون بكامل حقوقهم بالرغم من عدم الاعتراف بهم في نظام الملل . الفيلسوف جون لوك أبدى  أُعجابه في نظام الملّة كما جاء في “رسالة في التسامح”، وطالب باستيراده وتطبيقه في بريطانيا التي لم يكن فيها نظامُ تمثيلٍ مشابهٍ للأقليّات الدينية . وعندما قام الحكم الفيصلي على أنقاض الحكم العثماني في سوريا عام 1918م، عارض الكثير من أبناء الأقليات دعوة أقطاب الحكم الجديد من القوميين إلغاء نظام الامتيازات، ووقف الكثير من أبنائهم ضد مشروع الدولة، ولم تكن هذه السلطة الجديدة قادرة على تقديم بديل ناضج عن النظام العثماني بكل ما له وما عليه .

من الجدير ذكره أن أكثر من تولوا المناصب الادارية في عهد الانتداب  الفرنسي والبريطاني كانوا من  مغسولي الدماغ من خريجي هذه الشبكة التعليمية بل وكانت شبكة التعليم  في دول النظام الرسمي العربي تسير على نهج برامج مدارس تلك الإرساليات بتعديلات بسيطة مثل التربية الوطنية التي تم الغاؤها او إعادة كتاباتها بعد  معاهدات التطبيع السابقة واللاحقة .

***

ولاية الشام بعد الدولة العثمانية:

من المعلوم أن ولاية الشام قد قسّمها  الاستعمار الى 4 كيانات هي اليوم سوريا ولبنان وفلسطين والاردن . وكأن ذلك لم يكن كافياً فقد تم تقسيم المقسّم  الى دول وكيانات عند مجيء الانتداب الفرنسي (1920م – 1946م)  الى ما تمّ تسميته سوريا .

كان أول ما فعله الجنرال هنري غورو قائد جيش الشرق العام والمندوب السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا حين دخل دمشق أن ذهب الى قبر  صلاح الدين  وركله بقدمه وقال :” قم يا صلاح الدين لقد عدنا ” .

كان مستشار المفوضية العليا روبير دو كاي، أحد أبرز الداعين لفكرة التقسيم الطائفي لبلاد الشام، في نظام فيدرالي تشرف على تأسيسه فرنسا، فاقترح فصل لبنان في دولة مستقلة وإنشاء ثمانية أو تسع كانتونات في سورية على النمط السويسري.

ولكن الجنرال هنري غورو  قرر أنه يمكن الاكتفاء بأربع حكومات مستقلة فيما يعرف بسوريا اليوم ، وبدأ بفصل جبل لبنان الذي كان وضعه الاداري على شكل متصرفية لجعله كيانا مستقلا بإسم لبنان الكبير ،والذي أعلن في أول سبتمبر سنة 1920م، وألحق به أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا وصيدا وصور ومرجعيون وطرابلس الشام وعكار، وسميت بيروت عاصمة للدولة الوليدة .   كما تم دمج عَلَمَيْ فرنسا ولبنان معًا ليصبح علم دولة لبنان الجديد.  وفي 23 مايو 1926 أقر مجلس الممثلين الدستور وأعلن قيام الجمهورية اللبنانية.

أما ما يعرف بسوريا اليوم فاقترح غورو وقام  بتقسيمها الى 4 دول على النحو التالي :

– دولة حلب: أعلنت في الثامن من سبتمبر سنة 1920م، بقرار من المفوض السامي الذي نص على فصل ولاية حلب عن سورية وإنشاء دولة مستقلة باسمها.

– دولة العلويين: أعلنت في الثالث والعشرين من سبتمبر 1920م، وتكونت من اللاذقية وجبلة وبانياس وصافيتا وطرطوس ومصياف.

– دولة جبل الدروز: أعلنت في 20 إبريل سنة 1921م، وأنشئت فيها حكومة برئاسة سليم الأطرش، وعاصمتها السويداء.

– دولة دمشق: التي اتخذت من العاصمة اسماً لها. وقد مارست السلطة الفرنسية حكماً مستقلاً لإقليم الجزيرة لاهميته الاقتصادية تماما كما هو حاصل اليوم . لاحظوا معي ان الحرب الكونية على سوريا مؤخراً فصلت حلب عن سوريا (دمشق) وتم  فصل منطقة العلويين وقطع الطرق الدولية بينها وبين الشمال وحلب ، وتم فصل الدروز  بالجنوب عن دمشق بحيث تم تقسيم سوريا الى اربع دول  – غورو على ارض الواقع !!

اختار الفرنسيون ابناء المذاهب والاقليات الى الكلية العسكرية  ليصبحوا ضباط وقادة جيوش تلك الدول .  وبالمناسبة،  لما أُعلن استقلال  سوريا كان اكثر ضباط جيشها التي ورثته من حقبة الانتداب الفرنسي من الاقليات العلوية  والكردية والمسيحية والدرزية . فنلاحظ  أن حسني الزعيم الذي قاد اول انقلاب في سوريا كان كرديا . وأن قائد الانقلاب الذي تلاه اديب الشيشكلي كان كرديا أيضاً  وأن رئيس وزراءه كان كردياً،  وان رئيس هيئة الاركان السوري اثناء الوحدة المصرية السورية عبد الكريم زهر الدين كان درزيا وان حافظ الاسد كان من الطائفة العلوية …. الخ .

****

لبنان اليوم  الى اين ؟:

من الواضح ان الطائفية لم تهبط من السماء فجأة وانما جاءت بعملية ممنهجة بدأت بغسيل الدماغ  وتكريس الفكر الطائفي من المهد الى اللحد في برامج غسيل دماغ عبر برامج زورت التاريخ والجغرافيا بل والهوية الوطنية وهذا هو الاستعمار الثقافي  والغزو الفكري الذي يسبق ويسهل الغزو العسكري والمادي المباشر   . كما تم تكريس هذه الطائفية والمذهبية بدستور لم يجرؤ على تدوين الممارسات  الطائفية القذرة وانما جعلها ( تفاهمات ) لا يمكن لاي دولة ان تستقيم بمثلها . ففشل الدولة كان محتوما وما تلى من صراعات  بل وحروب اهلية كان تحصيل حاصل . ولن يستقيم الامر  ما دام ملوك الطوائف الفاسدون المفسدون يتحكمون بمفاصل الدولة . لا تصدقوا ان احدا في الغرب يرغب بالغاء او تهميش ملوك الطوائف الفاسدين فهم والفساد ركيزتا الغرب ووكلائه .

يخشى الغرب اليوم انهيار بنية الدولة اللبنانية فتقاسمت فرنسا والولايات المتحدة الادوار على طريقة ( الشرطي الجيد والشرطي السيء ) ولكلاهما الهدف نفسه باختلاف لعبة الادوار . يخشى الغرب من تداعيات  سقوط الدولة اللبنانية  والخوف من ان المؤسسة الوحيدة الفاعلة التي تمتلك مؤسسية وبنية تحتية هو تنظيم حزب الله الذي لا يسعى طوعا  لدخول قرف تنظيف  ركام هياكل الدولة اذا انهارت ولكنه قد يضطر لفعل ذلك ، وعندها ستكون اول ردة فعله هو توجهه شرقا بما يعنيه من  ازالة الحدود التي رسمها الاستعمار بينه وبين سوريا بداية،  الى ازالة  بقية هذه الحدود الوهمية التي زرعها اعداء الامة  مما ستكون بداية لحلم مزعج مرعب للغرب وفقده السيطرة الكاملة على المنطقة بما يلي ذلك  من  تداعيات جيوسياسية استراتيجية مفصلية بما في ذلك  هندسة عكسية قد ترجع بالامور الى المربع الاول قبل تلك التقسيمات .

***

الخلاصة :

•انهارت منظومة دول سايكس بيكو بانتهاء وظائفها ، ويحاول  المستعمرون الجدد والقدامى  خلق نظام اخر جديد بمنظومة أمنية اقتصادية بقيادة الكيان المحتل .

وكما ان الاستعمار  الجديد قد طور وسائله عن طريق الاستعمار الاقتصادي والثقافي  كذلك طور حكماء صهيون اسرائيلهم الكبرى على نفس المبدأ بالهيمنة الاقتصادية والامنية  والثقافية . مشروع صفقة القرن هو في حقيقته مشروع اسرائيل الكبرى بثوبها الجديد .

تنبهوا ايها العرب واستيقظوا  فكلكم وليس الفلسطينيون وحدهم المستهدفون لو كنتم تعلمون!

•ليس كل ما يتمنى ( الغرب) يدركه، فرياح المقاومة بعكس ما يشتهون. المقاومة هي من اسقطت  مشروع الشرق الاوسط الجديد وهي ستُفشل مشروع اسرائيل الكبرى القادم باسم صفقة القرن باذن الله!

•في عالم متغير اصبح قرية صغيرة ، وفي عالم يتم فيه اليوم انهيار النظام العالمي الصهيوامريكي والمنظومة العربية ، وفي عالم تُغيّر فيه التكنولوجيا وسائل السلم والحرب، ستكون النتائج للدول والانظمة في وضع ان تكون او لا تكون .

نحن هنا منذ ان خلق الله الارض وما عليها ، ونحن بإذن الله سنكون …

* مستشار ومؤلف وباحث

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.